رابعا: في إندونيسيا: لم يكن انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية شاملا لبلاد أندونيسيا كلها، ولكن ذلك اقتصر على أكبر جزرها وهي جزيرة (سومطرة) - جنوب الملايو - ولعل وجود المعوقات الطبيعية في الجزر الأندونيسية الباقية دورها الكبير في ذلك (٣) .
وإذا كانت الدعوة السلفية قد انتشرت - كما يقول الباحثون - في هذه الجزيرة فقط فلا نستبعد أن البلاد والجزر المجاورة قد تأثرت - ولو قليلا - بنمو حركة الدعوة السلفية في (سومطرة) ومما يساعد على ذلك حركة التجارة الإسلامية مع تلك المناطق.
أما سومطرة نفسها فيرجع تاريخ دخول الدعوة السلفية فيها إلى أوائل القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي، حينما عاد ثلاثة من أهل الجزيرة إلى جزيرتهم عام ١٢١٨ هـ ١٨٠٣ م وقد أدوا فريضة الحج في مكة المكرمة للدولة السعودية حينذاك.
وكانت هذه فرصة لأن يشاهدوا عن كثب الآثار الإيجابية لدخول الدعوة السلفية - دينيا وسياسيا - في الحجاز، فاتصلوا بعلمائها واطلعوا على مبادئها حتى اقتنعوا بها ثم عادوا إلى جزيرتهم (سومطرة) وقد تأثروا تأثرا عميقا بالدعوة (٤) .
_________________
(١) عبد الله بن حسن كان رئيس القضاة في الحجاز وتوفي عام ١٣٧٨ هـ، أما عمر بن حسن فكان الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف في نجد والمنطقة الشرقية وخط التابلين بالمملكة العربية السعودية وتوفي عام ١٣٩٥ هـ تقريبا، رحم الله الجميع.
(٢) توماس أرنولد ص ٣١٥، وأحمد عبد الغفور عطار ص ٢١٠.
(٣) يوجد أتباع قليلون للدعوة السلفية في بعض الجزر مثل (جاوة) المرجع السابق ص ٢١٢.
(٤) توماس أرنولد: ص ٤١٠.
[ ٨٤ ]
وما أن وصل هؤلاء الرجال إلى جزيرتهم حتى أخذوا بالدعوة هناك إلى التوحيد، وحاربوا البدع والخرافات في بلادهم، حتى صار لهم قوة كبيرة من الأتباع، اعتمدوا عليهم في محاربة خصومهم من غير المسلمين وهم (البتك)، عند ذلك رأت حكومة الاستعمار الهولندي في إندونيسيا أن في هذه الحركة خطرا كبيرا عليها وعلى نفوذها السياسي والديني الصليبي في البلاد فبدأت في عام ١٨٢١ م بمناهضة هذه الدعوة بشدة، واستمرت المناوشات والحروب بين أتباع الدعوة وبين المستعمرين الهولنديين قرابة ستة عشر عاما، انتهت بالقضاء على نفوذ أتباع الدعوة السلفية في الجزيرة (١) .
وعلى الرغم من قضاء حكومة الاستعمار الهولندي على حركة الدعوة في (سومطرة) إلا أن أتباعها ظلوا متمسكين بها، واستطاعوا نشرها بالطرق السلمية ولاقوا في ذلك نجاحا كبيرا (٢) .
ومما هو جدير بالذكر أن اتصال مسلمي تلك الجزيرة وما جاورها بأصحاب الدعوة السلفية في الجزيرة العربية لم ينقطع بعد ذلك، فعندما دخلت الحجاز في حكم الملك عبد العزيز آل سعود - ﵀ - عام ١٣٤٤ هـ وفد عدد كبير من طلاب العلم المسلمين من سومطرة وجاوة وجزائر الهند الشرقية إلى مكة والمدينة ودرسوا مبادئ الدعوة السلفية على شيوخ الدعوة، ثم عاد أكثرهم إلى بلادهم داعين للدعوة السلفية وناشرين لها، وكان لذلك دوره الكبير في تصحيح عقيدة المسلمين هناك من البدع والخرافات المنتشرة بينهم، وفي نشر دين الإسلام في تلك المناطق التي لم يصلها الإسلام بعد (٣) .
ويجب ألا ننسى أثر انتشار مجلة (المنار) هناك التي أسسها الشيخ رشيد رضا في مصر على انتشار الدعوة السلفية في أندونيسيا بشكل أكبر من ذي قبل (٤) .