رحلاته العلمية: لما أكمل الشيخ تعليمه في بلدة (العيينة) على أساتذته وبقراءاته الشخصية عزم على الارتحال إلى البلدان المجاورة طلبا للعلم والزيادة فيه كعادة السلف الصالح، فبدأ بحج بيت الله الحرام - للمرة الثانية - ثم اتجه من مكة إلى المدينة وأقام فيها حينا، أخذ
_________________
(١) Nicholson: Ibid. pp ٤٦٣-٤٦٤.
(٢) حسن عبد الله آل الشيخ: الوهابية وزعيمها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجلة العربي، العدد ١٤٧، فبراير ١٩٧١ م.
(٣) عبد الله يوسف الشبل: المرجع السابق ص ٣١.
[ ٢٤ ]
فيها العلم على الشيخ (عبد الله بن سيف النجدي) الذي أجاز الشيخ من طريقين:
أولهما: طريق ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية وينتهي بالإمام أحمد.
ثانيهما: طريق عبد الرحمن بن رجب عن ابن القيم إلى الإمام أحمد (١) .
كما أخذ العلم في المدينة على الشيخ (محمد حياة السندي)، ويروي ابن بشر أن الشيخ محمد وقف يوما عند الحجرة النبوية عند أناس يدعون ويستغيثون بقبر النبي ﷺ فرآه الشيخ محمد حياة السندي فقال للشيخ: ما تقول؟ قال الشيخ: إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون (٢) ثم خرج الشيخ من المدينة مارا ببلاد نجد إلى (البصرة) فتلقى العلم فيها على عدد من العلماء منهم الشيخ (محمد المجموعي)، درس عليه في النحو واللغة والحديث والفقه، وفي البصرة كان يدعو الناس إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله، ويقول لهم: " إن محبة الأولياء والصالحين باتباع هديهم وآثارهم وليس باتخاذهم آلهة من دون الله، وأن العبادة كلها لله يكفر من صرف منها شيئا إلى سواه "؛ مما جعل الشيخ يتعرض لمضايقات من عامة الناس فاضطره ذلك إلى الخروج من البصرة في العراق قاصدا بلاد الشام لولا أن نفقته ضاعت منه في الطريق، فقفل راجعا إلى نجد، ومر في طريقه بالأحساء ونزل على الشيخ (عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي) وأخذ عنه في التفسير والحديث، ثم اتجه من الأحساء إلى (حريملاء)، وكان أبوه قد انتقل إليها من العيينة لخلاف مع حاكمها (٣) هذه مجمل رحلات الشيخ عند عمدتي مؤرخي نجد (ابن غنام وابن بشر) .
وبهذا يظهر لنا:
١ - أن البلاد التي زارها الشيخ في هذه الرحلات هي: مكة، المدينة المنورة، البصرة، الأحساء.
٢ - وأن المشايخ الذين أخذ عنهم هم: الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف، والشيخ
_________________
(١) محمد حامد الفقي: المرجع السابق ص ٤١ و٤٢.
(٢) عثمان بن بشر: المصدر السابق ج١ ص ٢٠ و٢١.
(٣) حسين بن غنام: روضة الأفكار والأفهام ج١ ص ٢٨ (ط أبابطين) وابن بشر: عنوان المجد ج١ ص ١٩-٢٠.
[ ٢٥ ]
محمد حياة السندي في المدينة المنورة، والشيخ محمد المجموعي في البصرة، والشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الأحسائي في الأحساء.
٣ - وأن العلوم التي تلقاها عن هؤلاء المشايخ هي: علوم الدين (من تفسير وحديث وفقه)، وعلوم الآلة من (نحو وصرف وبلاغة)، لكن صاحب كتاب (لمع الشهاب) في سيرة محمد بن عبد الوهاب (١) له رأي خاص في رحلات الشيخ محمد بن عبد الوهاب يختلف جذريا عن ما ذكره عمدتا مؤرخي نجد سواء في البلدان أو المشايخ أو العلوم.
١ - ففي (البلدان) يذكر أن الشيخ زار القصيم، والعراق (البصرة وبغداد)، وبلاد فارس (كردستان، وهمذان، وأصفهان، والري، وقم، وقرية أبي لباس)، وبلاد الشام (حلب ودمشق وبيت المقدس)، ومصر (القاهرة) ثم عاد إلى بلاده مارا بمكة المكرمة.
٢ - وأما (المشايخ) الذين درس عليهم في تلك البلاد فيذكر منهم: عبد الرحمن بن أحمد وحسان التميمي في القصيم، وعبد الكريم الكردي الشافعي في بغداد، وميرزجان الأصفهاني، ومحمد المغربي في أصفهان.
٣ - وأما (العلوم) التي درسها على أولئك فيذكر التفسير والحديث، وعلوم الآلة، وعلم الهيئة والمنطق، والفلسفة، والهندسة، والتصوف، والرياضيات وغيرها، كما يذكر أن الشيخ كان يجيد اللغة التركية.
هذا مجمل ما ذكره صاحب (لمع الشهاب) عن رحلات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو لا يتفق مع ما ذكره ابن غنام وابن بشر عن البلدان إلا في (البصرة) و(مكة) وعن العلوم إلا فيما ذكره عن علوم الدين وعلوم الآلة، أما المشايخ فالاختلاف بينهم جذري.
والواقع أن الباحث المتعمق يطمئن كثيرا إلى ما ذكره ابن غنام وابن بشر عن
_________________
(١) مؤلف مجهول: لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب ص ٩-١٣ (ط دارة الملك عبد العزيز) وهو كتاب يبحث في سيرة الشيخ وبعض أحداث تاريخ الدولة السعودية الأولى ومؤلفه لا زال مجهولا. أما ناسخه فهو (حسن بن جمال بن أحمد الريكي) وفرغ من نسخه في محرم عام ١٢٣٣ هـ، وقد طبع الكتاب مرتين في بيروت بتحقيق الدكتور أحمد مصطفى أبو حاكمة، والثانية في الرياض (دارة الملك عبد العزيز) بتحقيق الشيخ عبد الرحمن آل الشيخ.
[ ٢٦ ]
رحلات الشيخ للأسباب الآتية:
١ - أن ابن غنام وابن بشر أدرى بتفاصيل حياة الشيخ من غيرهما (١) .
٢ - أن مؤلف (لمع الشهاب) لا زال مجهولا، وهو يتحامل كثيرا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعوته، فيجب على الباحث أن يأخذ معلوماته عن الدعوة وصاحبها بحذر شديد.
٣ - إننا لا نجد في كتابات الشيخ نفسه من رسائل وكتب أي أثر لما ذكره صاحب اللمع عن هذه الرحلات سواء في البلدان التي زارها أو عن مشايخه فيها أو عن العلوم التي درسها عليهم.
٤ - أن العلوم التي ذكرها صاحب (لمع الشهاب) لا نجد لها أي أثر في كتابات الشيخ ومناظراته مع أن الحاجة قد تدعو إلى استخدام بعضها مثل الفلسفة والمنطق في الجدل والمناظرة (٢) .
٥ - أننا لا نجد لما ذكره صاحب اللمع أي أثر في كتابات علماء الدعوة ومؤرخيها ولو كان ما ذكره صحيحا، فليس من المعقول ألا نجد لها أي أثر في كتابات أولئك الذين حرصوا على تدوين حياة الشيخ ودعوته بالتفصيل خاصة ما يتصل بفضائله، ومعلوم أن السفر في طلب العلم فضيلة، ولو كان الشيخ قد سافر إلى بلدان أخرى غير التي ذكروا لما توانوا في تدوين ذلك وتفصيله (٣) .
٦ - أنه على الرغم مما ذكره الرحالة الأوربي (كارستن نيبور) المعاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب في رحلته إلى بعض أجزاء الجزيرة العربية عام ١١٧٨ هـ (١٧٦٥ م) من أن الشيخ زار بغداد وبلاد فارس (٤) .
إلا أنه لا يمكن قبول ما ذكره دون تحفظ خصوصا وأن في كلام (نيبور) عن الشيخ ودعوته أخطاء دينية وتاريخية واضحة (٥) .
_________________
(١) حمد الجاسر: مجلة العرب، السنة الرابعة ج١٠ (عام ١٣٩٠ هـ) ص ٩٤٤.
(٢) عبد الله الشبل: الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب حياته ودعوته ص ٢٢.
(٣) عبد الله العثيمين: الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره ص ٤٣.
(٤) Niebuhr) . C (Travels through Arabia. Vol. ٢p ١٣١- ١٣٤.
(٥) انظر عبد الله العثيمين: نيبور ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مجلة كلية العلوم الاجتماعية، العدد الثاني (١٣٩٨ هـ) ص ١٧٥-١٨٣.
[ ٢٧ ]
٧ - أن الكتاب المتأخرين الذين وافقوا لمع الشهاب في كلامهم عن رحلات الشيخ لا يحتج بهم، إذ لا شك أنهم قد تأثروا أو نقلوا عن لمع الشهاب كليا أو جزئيا في (١) هذا الصدد.
ومهما يكن من أمر فقد فتحت هذه الرحلات أمام الشيخ تفكيره، ووسعت مداركه وعلومه، فاطلع على الفساد الديني والسياسي الذي يعيشه العالم الإسلامي حينذاك (٢) فعاد إلى بلده وكله عزيمة وأمل بأن يقوم بإصلاح هذا الفساد بقدر ما يسعه جهده عملا بقول رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .