الشيخ محمد بن عبد الوهاب حظيت حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بدراسات كثيرة قام بها مؤلفون متعددون مسلمون وغير مسلمين، قدامى ومحدثون، وكلها تتحدث عنه بصفته رائدا في مجال الإصلاح والتجديد، وتجيء تلك الدراسات على شكل مؤلفات مستقلة عن شخصية الشيخ ودعوته، وبعضها تضمنتها كتب التاريخ العام أو تاريخ الشخصيات. ومن هنا فإننا سنوجز في حديثنا عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب اعتمادا على تلك الدراسات من ناحية، ودرءا للتكرار من ناحية أخرى، وإن كنا سنركز - بعض الشيء - على المواضع التي تلقي الضوء على حقيقة دعوته المباركة.
نشأته العلمية: هو الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي من المشارفة، أحد فروع الوهبة من قبيلة تميم، ولد - ﵀ - في بلدة العيينة شمال غربي الرياض سنة ١١١٥ هـ (١٧٠٣ م) ونشأ بها، ويصفه ابن غنام بأنه حاد الذهن، ذكي، نبيه، فطن، فصيح اللفظ، سريع الحفظ، حفظ القرآن ولما يبلغ العاشرة من عمره (١) .
وكانت بيئته التي نشأ فيها بيئة علمية دينية صالحة، فجده (سليمان بن علي) عالم من علماء نجد في عصره، انتهت إليه الفتيا في نجد، وألّف منسكا مشهورا، وأبوه (عبد الوهاب بن سليمان) من علماء بلده، تولى قضاء بلدتي العيينة ثم حريملاء، وعمه إبراهيم بن سليمان كان عالما قديرا (٢) .
وقد تلقى الشيخ العلم في البداية على يد والده حيث درس عليه كتب الفقه الحنبلي، ثم أخذ يزيد في معلوماته بالقراءة الخاصة، حيث أخذ يقرأ كتب التفسير والحديث والأصول، وقد ساعده حبه للقراءة وشغفه بها أن يطلع على كل ما يقع في يده من كتب الدين، ولما كانت كتب الحنابلة متداولة بين علماء نجد نتيجة لانتشار هذا المذهب في نجد كما سبق، فقد اهتم الشيخ بقراءتها، وخاصة قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية
_________________
(١) حسين بن غنام: تاريخ نجد، تحقيق ناصر الدين الأسد ص ٧٥ وفي ط أبابطين ج١ ص ٢٥.
(٢) محمد بن عبد الله بن حميد: السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة، مخطوطة، ورقة ٨ و١٠٣.
[ ٢٣ ]
وتلميذه ابن القيم، فاهتم الشيخ بقراءة كتبهما بعناية خاصة حتى إنه أخذ ينسخ الكثير منها (١) وتوجد في المتحف البريطاني بلندن حتى الآن كتب لشيخ الإسلام ابن تيمية بخط الشيخ محمد بن عبد الوهاب (٢) والمطلع على مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرى أثر ابن تيمية وابن القيم على كتاباته واضحا، فقد اعتد الشيخ بأقوالهما، وتأثر بأفكارهما، واستنار بآرائهما، فكان لذلك أثره الكبير في تصحيح عقيدته، وتوجيه حياته ومنهج دعوته (٣) لذلك أكثر الشيخ من النقل عنهما في مؤلفاته بشكل ملحوظ.
يمكننا بعد ذلك أن نجمل العوامل التي أثرت في نشأة الشيخ نشأة دينية علمية في خمسة عوامل:
(١) استعداده الشخصي: وما اتصف به من الذكاء والفطنة وسرعة الحفظ وحبه للقراءة وكثرتها.
(٢) أساتذته: سواء كان قد تلقى عنهم العلم مباشرة أو تأثر بمؤلفاتهم كابن تيمية وابن القيم.
(٣) أسرته العلمية: حيث كان جده وأبوه وعمه من علماء بلده.
(٤) ظروف مجتمعه وما كان يعيش فيه من انحراف عن مبادئ الإسلام الصحيح في كثير من أموره دفع بالشيخ إلى التعمق في دراسة العلوم الإسلامية ليعرف حقيقة الأمر.
(٥) رحلاته العلمية وأثرها الواضح على اتجاهه العلمي الإصلاحي بعد ذلك.