لا شك أن المكانة الاجتماعية المرموقة التي حازها الحافظ وليّ الدين، وما تبوأه من وظائف إدارية، ومناصب تدريسية عجز كثير من معاصريه عن نيلها أو تحقيق بعضها، خلقت حوله جملة من الحساد والمناوئين الذين ناصبوه العداوة والبغضاء، فقد ظهرت بوادر هذه الشحناء عند ما ولي الحافظ منصب قاضي القضاة بالديار المصرية بعد وفاة قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن بن عمر البلقيني نزولا عند رغبة السلطان الملك الظاهر ططر (^٣) الذي رشحه لهذا المنصب، وذلك في منتصف شوال سنة أربع وعشرين وثمان مئة، مع وجود السعاة فيه بالبذل والعطاء لنيل هذا المنصب الرفيع واشترط على السلطان أنه لا يقبل شفاعة أمير في حكم!، فسار في القضاء بعفة ونزاهة وصرامة، حتى تعصب عليه بعض أهل الدولة لعدالته، فعزل نفسه مختارا في سلطنة الملك الظاهر ططر، فلما علم بذلك استعطفه وأعاده إلى منصبه. حتى إذا مات الظاهر، بايع
_________________
(١) ذيل رفع الإصر: ١٢ - ٦٢.
(٢) ذيل رفع الإصر: ٦٢ - ٧٥.
(٣) هو السلطان الملك الظاهر أبو الفتح ططر بن عبد الله الظاهري برقوق، سلطان الديار المصرية، كانت له معرفة ومشاركة في الفقه وغيره، وعنده طيش وخفة وجبروت، توفي في تاسع عشري شعبان سنة أربع وعشرين وثمان مئة. (الدليل الشافي: ١/ ٣٦٣، والنجوم الزاهرة: ١٤/ ١٩٨ - ٢١٠، والضوء اللامع: ٤/ ٧ - ٨).
[ ١ / ٢٨ ]
وليّ الدين لولده الصالح محمد (^١) بالسلطنة قبل انفصال السنة، ثم بايع بعده للأشرف برسباي (^٢) في ثامن شهر ربيع الآخر من سنة خمس وعشرين وثمان مئة، واستمر في القضاء حتى خولف في أمر فمنع لأجله نوابه من الحكم في شوال سنة خمس وعشرين، فلما بلغ الأشرف برسباي ذلك استرضاه ووافقه على الأمر الذي كان غضب بسببه حتى كان ذلك سببا للتمادي والممالأة عليه في صرفه، فصرف من منصبه في سادس ذي الحجة سنة خمس وعشرين وثمان مئة لإقامته العدل وعدم محاباته لأحد من أجله وتصميمه في أمور لا يحتملها أهل الدولة حتى شق على كثيرين، وتمالؤوا عليه، فكانت مدة ولايته القضاء ثلاثة عشر شهرا وواحدا وعشرين يوما (^٣) .
وكان من أبرز الذين ساعدوا على صرف وليّ الدين وأكثرهم تماديا وتعصبا عليه: قصروه أمير آخور (^٤)، وابن الكويز كاتب السر (^٥)، والعلاء ابن
_________________
(١) هو السلطان الملك الصالح محمد ابن السلطان الملك الظاهر ططر، تولى السلطنة بعد موت أبيه وعمره نحو عشر سنين تقريبا، وخلع بالملك الأشرف برسباي في ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمان مئة، وتوفي بطاعون مصر في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة. (الدليل الشافي: ٢/ ٦٣٠، والضوء اللامع: ٧/ ٢٧٤).
(٢) هو الملك الأشرف أبو النصر برسباي بن عبد الله الدقماقي الظاهري، سلطان الديار المصرية، تولى السلطنة بعد خلع الملك الصالح محمد ابن الظاهر ططر، وهو من أعظم ملوك الجراكسة بعد برقوق، وتوفي في ذي الحجة سنة ٨٤١ هـ (الدليل الشافي: ١/ ١٨٦، والنجوم الزاهرة: ١٥/ ١١٢ - ٢٥٠).
(٣) لمزيد من التفاصيل انظر: ذيل التقييد، الورقة ١٠٨ ب-١٠٩ أ، وإنباء الغمر: ٨/ ٢٢، والضوء اللامع: ١/ ٣٣٩ فما بعد.
(٤) قصروه بن عبد الله من تمراز الظاهريّ، كان معدودا من الملوك. تولى نيابة طرابلس وحلب ودمشق. توفي سنة ٨٣٩ هـ (الدليل الشافي: ٢/ ٥٤٤، والنجوم الزاهرة: ١٥/ ١٩٩).
(٥) علم الدين أبو عبد الرحمن داود بن عبد الرحمن بن داود الشوبكي الكركي-
[ ١ / ٢٩ ]
المغلي قاضي الحنابلة (^١) . فقد جمعتهم مصالح متنوعة ومطامع شخصية دفعتهم لذلك، وكان الله تعالى لهم بالمرصاد، فقد ظهرت كرامة وليّ الدين في المتعصبين عليه ونكل بهم (^٢) .
وقد تكدرت معيشة وليّ الدين بعد عزله لكونه عزل ببعض تلامذته وهو علم الدين صالح البلقيني (^٣) وتألمت الخواطر الصافية لعزله، فلزم طريقته المثلى في الانجماع على العلم وإفادته وتصنيفه وإسماعه إلى أن مات قبل إكماله سنة من صرفه، مبطونا شهيدا آخر يوم الخميس سابع عشري شعبان سنة ست وعشرين وثمان مئة، وصلي عليه صبيحة يوم الجمعة بالجامع الأزهر، في مشهد حافل شهده خلق من الأمراء والقضاة والعلماء والطلبة ودفن إلى جانب والده بتربة طشتمر من الصحراء ظاهر القاهرة، رحمه الله تعالى.
_________________
(١) = المعروف بابن الكويز، المتوفى سنة ٨٢٦ هـ (الدليل الشافي: ١/ ٢٩٥، والنجوم الزاهرة: ١٥/ ١١١، والضوء اللامع: ٣/ ٢١٢).
(٢) علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن أبي بكر السلمي الحموي الحنبلي المعروف بابن المغلي قاضي الحنابلة بالقاهرة توفي سنة ٨٢٨ - (ذيل رفع الإصر: ١٨٩ - ١٩٥، والضوء اللامع: ٦/ ٣٤٠).
(٣) انظر: مصادر ترجمة وليّ الدّين وبخاصة الضوء اللامع، وكذلك مصادر تراجمهم المذكورة آنفا، لترى ما صنع الله تعالى بهم جزاء لما اقترفوه.
(٤) هو قاضي القضاة علم الدين أبو التقى صالح بن عمر بن رسلان الكناني العسقلاني البلقيني المتوفى سنة ٨٦٨ هـ، ترجمه السخاوي في: «ذيل رفع الإصر: ١٥٥ - ١٨٤ وعدّه من تلامذة وليّ الدّين العراقي وتخرّج به في الحديث الشريف» ثم ذكر السخاوي في: «الضوء اللامع: ١/ ٣٤٠» ما نصه: «ولما وقف القاضي علم الدين [البلقيني] على كونه صرف ببعض تلامذته من «طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة» كتب على الهامش: «لا والله ما كنت من تلامذته يوما من الدهر وغلظ اليمين» فرأى ذلك مصنف «الطبقات» فضبب عليه في نسخته.
[ ١ / ٣٠ ]