صاحب الذيل الأول، هو الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت ٨٠٦ هـ) (^١)، وقد أفاض في ترجمته القدماء والمحدثون، وقد عرضت لذلك تفصيلًا في مقدمة تحقيقي لكتاب «الوفيات»، له (^٢)، غير أني سأحاول أن أعرض له من خلال ذيله الذي كتبه.
ذكرنا أن أغلب التراجم المذكورة من العلماء، خاصة ممن عنوا بعلم الحديث منهم، وأكثر هؤلاء ممَّن تتلمذ عليهم المصنِّف مباشرة، وأخذ عنهم قسطًا من علومهم، ومصنفاتهم.
_________________
(١) ترجمته في: ذيل التقييد ٣: ٩ - ١٣؛ وغاية النهاية في طبقات القراء ١: ٣٨٢؛ والدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب ١: ٦٣٣ - ٦٤٠؛ ودرر العقود الفريدة ٢: ٢٣٤ - ٢٣٧؛ وتاريخ ابن قاضي شهبة ٤: ٣٧٩ - ٣٨٢؛ والمجمع المؤسس ٢: ١٧٦ - ٢٣٠؛ وذيل الدرر الكامنة، ص ١٤٣ - ١٤٥؛ ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٠ - ٢٣٤؛ والضوء اللامع ٤: ١٧١ - ١٧٨.
(٢) الوفيات، لزين الدين العراقي، مقدمة التحقيق، ص ٢٩ - ٤٧.
[ ١٢ ]
ولست هنا بصدد إعداد قائمة بشيوخه، خاصة وقد أشرت سابقًا في مقدمة تحقيقي لكتاب «الوفيات»، أني أعمل على جمع معجم شيوخه مفردًا، لكنه استوقفني بعض أمور، منها:
••إغفاله لتراجم عدد من الشخصيات المهمة في عصره، حتى أنه أغفل ترجمة بعض شيوخه ممَّن تُوُفُّوا خلال الفترة الزمنية التي تصدَّى لها، وكان الأولى به ترجمته لهم، مثل: شيخه المُسْنِد المُكثِر المعمَّر تقي الدين عبد الله بن محمد بن إبراهيم، المعروف بابن قيِّم الضيائية، المُتَوَفَّى سنة ٧٦١ هـ، وهو ممَّن على شرطه، رغم أنه أكثر عنه كما قال ابن حجر (^١)، حتى أن ابن حجر سمع على الحافظ زين الدين اثنين وعشرين كتابًا بسماعه من ابن قيِّم الضيائية المذكور (^٢).
••التنوع المعلوماتي بين كتابيه، إذ اختلفت بعض المعلومات الواردة لبعض التراجم بين الكتابين زيادة ونقصًا، مثل ترجمته في «الذيل» لشيخه جمال الدين إبراهيم بن محمود بن سليمان الحلبي، المُتَوَفَّى سنة ٧٦٠ هـ لم يذكُر تلمذته له، ولا مسموعه عليه، في حين أنه صرَّح بذلك في ترجمته له في «الوفيات» (^٣) وذكر سماعه عليه أجزاء بحلب بقراءته عليه.
_________________
(١) الدرر الكامنة ٢: ٢٨٣.
(٢) المجمع المؤسس ٢: ١٨٩، ١٩٣، ١٩٥؛ والحافظ العراقي، لأحمد معبد، ص ٣٥٨.
(٣) الوفيات، لزين الدين العراقي، ص ٤١٨.
[ ١٣ ]
ونحو ترجمة أحمد بن كُشْتُغْدي بن عبد الله المُعزِّي الصيرفي، المُتوَفَّى سنة ٧٤٤ هـ، فهو من طبقة شيوخ شيوخه، وقد أخذ عنه بواسطة شيوخه، فحين ترجمه في «الوفيات» ذكر من شيوخه الوسطاء بينهما: جمال الدين الأميوطي، وعبد الرحمن بن أحمد، المعروف بابن الشيخة، وغازي الحلاوي، وعبد الوهاب ابن أحمد الإخنائي، في حين أنه لم يذكر شيئًا من هذا في ترجمته في «الذيل».
أما صاحب «الذيل الثاني»، فهو نسيم الدين عبد الغني (^١) بن عبد الواحد بن إبراهيم المرشدي المكي.
ولد سنة ٨٠٤ هـ بمكة المشرفة، وحفظ القرآن الكريم كبقية أقرانه، وأكثر من السماع وحضور دروس العلم.
فأحضره أبوه في السنة الأولى من عمره على أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي (ت ٨٠٥ هـ)، فسمه منه «مجلس البطاقة».
وفي هذه السنة - أعني سنة ٨٠٥ هـ - كانت أولى إجازاته، فأجازه فيها وما بعدها الحافظان: زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت ٨٠٦ هـ)، صاحب الذيل الأول، ونور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ).
_________________
(١) ترجمته في: إنباء الغمر ٣: ٤٤٧؛ وعنوان الزمان ٣: ١١٨؛ والدر الكمين بذيل العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ١: ٨٥٧ - ٨٦٠؛ والضوء اللامع ٤: ٢٥١ - ٢٥٣؛ والذيل التام على دول الإسلام ١: ٥٦٦؛ والجواهر والدرر في ترجمة ابن حجر ٣: ١١٠٢ - ١١٠٤.
[ ١٤ ]
وممن أجازه أيضًا: برهان الدين إبراهيم بن محمد بن صديق، المعروف بابن الرسَّام (ت ٨٠٦ هـ)، ومحمد ابن حسن الفرسيسي (ت ٨٠٦ هـ)، وشهاب الدين أحمد بن عمر بن علي بن أبي البدر الجوهري (ت ٨٠٩ هـ)، وعائشة بنت محمد بن عبد الهادي (ت ٨١٦ هـ)، وخلق.
ويمكننا ذكر أهم شيوخه وفق تاريخ وفياتهم:
- شمس الدين محمد بن محمود بن محمود الخوارزمي، المعروف بالمعيد (ت ٨١٣ هـ)، سمع عليه بعض «المصابيح»، و«عوارف المعارف»، و«المقامات».
- زين الدين، أبو بكر بن الحسين بن عمر المراغي (ت ٨١٦ هـ)، سمع عليه «صحيح مسلم»، خلا المجلس الثاني والعشرين (٢٢)، و«سنن أبي داود» عدا المجالس الثلاثة الأُوَل، و«صحيح ابن حبان» عدا المجالس الثلاثة الأُوَل، ونحو نصف «صحيح البخاري» مُفَرَّقًا.
- كمال الدين أبو الفضل بن محمد بن أحمد بن ظهيرة (ت ٨٢٩ هـ)، سمع عليه «المعجم الصغير»، للطبراني، و«مسند عمر»، للنجاد، و«اعتقاد الشافعي».
- تقي الدين محمد بن أحمد الفاسي (ت ٨٣٢ هـ)، سمع عليه الأجزاء العشرة المعروفة بـ «الثقفيات».
[ ١٥ ]
- وشمس الدين محمد بن محمد الجزري (ت ٨٣٣ هـ)، سمع عليه جميع «النشر في القراءات العشر»، و«الحصن الحصين»، و«مختصره»، و«الإجلال والتعظيم في مقام إبراهيم»، و«المسلسل بالمحمدين»، و«جزء فيه مناقب الشيخ أبو إسحاق بن شهربار»، و«التكريم في العمرة من التنعيم»، و«مُسند الإمام أحمد» عدا المجلس الثاني والثمانين (٨٢)، و«جزء ابن فارس»، وغير ذلك.
وعلى خلق سواهم ذكرهم ابن فهد في ترجمته في كتاب «الدر الكمين».
وسافر أكثر من مرة في طلب العلم، زار خلالها أكثر من بلد، إذ سافر سنة ٨٢٨ هـ مع ابن الجزري، وقرأ عليه على ظهر البحر في حال المسير من جدة إلى زبيد في تسعة مجالس «المعجم الصغير»، للطبراني.
وحضر إلى القاهرة مرتين، الأولى في سنة ٨٣٠ هـ، والثانية في سنة ٨٣٢ هـ، وسمع بها كثيرًا، ولازم فيها الحافظ ابن حجر، واختُصَّ به، وحضر دروسه، وأذن له في إفادة علوم الحديث كلها، وإقرائها.
ودخل دمشق والقدس والخليل.
وأثنى عليه من شيوخه ابن الجزري لمَّا اجتمع في رحلة اليمن المذكورة، ووصفه بـ: «الشيخ العلَّامة المحدِّث المفيد، ولقَّبه تقي الدين».
[ ١٦ ]
وكتب له ابن حجر على نسخته من أطراف «مُسند أحمد» (^١): «أما بعد، فقد قرأ عليَّ الفاضل، البارع، الأصيل، الباهر، الماهر، المحدِّث، المُفيد، جمال الطلبة، رأس المهرة، مفخرة الحُفَّاظ جامع أشتات الفضائل، ذو الفنون المتكاثرة والأفنان المثمرة».
وأنه لازمه في سنة ٨٢٤ هـ في: «مجالس الحديث ودروسه، ومجالس الإملاء، وتحرير «شرح البخاري» ما هو في كلِّ ذلك يُفيد فيُجيد، ويستكشل بحيث بهرت الجماعة فضائله، وشهدت بحقِّ الإجادة في الفن دلائله».
ووصفه في موضع آخر، فقال: «الشيخ الإمام الفاضل البارع، جمال الدين والمُحدِّثين».
وقال عن قراءته وكتب بها على نسخة أطراف المسند المذكورة أنها: «قراءة حسنة، فصيحة، مُتقَنَة، يُظهر في غضونها ما يشهد له بحُسن الاستحضار، ويتبيَّن في أثنائها ما يثبت له في هذا الفنِّ مزيد الإكبار».
وقال عنه بعد موته: «كنت أرجو أن يكون خَلَفًا ببلاد الحجاز عن القاضي تقي الدين الفاسي، ﵏».
أما عن مصنفاته، فقد أجمع مترجموه أنه جمع وخرَّج لبعض مشايخه، وذكر البقاعي في «عنوان الزمان»، ونقله عن السخاوي في «الضوء اللامع»، أن من
_________________
(١) الجواهر والدرر ٢: ١١٠٢ - ١١٠٣.
[ ١٧ ]
تصانيفه «أطراف صحيح بن حبَّان» في مجلد ضخم، وذكر ابن فهد في «الدر الكمين» أنه اختصر كتاب «التقييد»، لابن نقطة، ولم تزد المصادر على ذلك.
وفي سنة ٨٣٣ هـ حل طاعون بمكة، فاخترم النسيم المرشدي شابًا، وكان مأمولًا منه أن يخلُف شيخه التقي الفاسي مؤرِّخ مكة.