من أهل نيسابور، إمام الفقهاء شرقا وغربا، ومقدمهم عجما وعربا، من لم تر العيون مثله فضلا، ولم تسمع الآذان كسيرته نقلا، بلغ درجة الاجتهاد، وأجمع على فضله أعيان العباد، وأقر بتقدمه المخالف والموافق، وشهد بفضله الحسود والوامق، وسارت مصنفاته في البلاد مشحونة (^٤) بحسن البحث والتحقيق والتنقير والتعزير والتدقيق، لابسة من الفصاحة حلل الكمال، ومن البلاغة غرر الملاحة والجمال، تفقه على صباه على والده، وقرأ عليه جميع مصنفاته، وقرئ الأدب حتى أحكمه.
وتوفي والده وله دون العشرين سنة من عمره فأقعد مكانه في التدريس، وهو يجد
_________________
(١) في الأصل: «في ليلة الاثنتين» وفي (ب) بدون نقط.
(٢) في الأصل، (ب): «تدفينه».
(٣) انظر: وفيات الأعيان ٢/ ٣٤١. وطبقات الشافعية للسبكى ٣/ ٢٤٩ - ٢٨٢. وشذرات الذهب ٣/ ٣٥٨ - ٣٦٢. والأعلام ٤/ ٣٠٦.
(٤) في (ب): «محشوبة».
[ ١٦ / ٤٣ ]
ويجتهد في الاشتغال والتحصيل، وقرأ الأصول على أبي القاسم الإسكافي الأسفراييني، وسافر جائلا في بلاد خراسان، مستفيدا من كبار الفقهاء، ومناظرا لفحولهم حتى تهذبت طريقته، واشتهر فضله، وشهد له كبراؤها بفوز الفضل وكمال العقل، وحج وجاور بمكة أربع سنين يدرس ويفتي ويتعبد، ثم عاد إلى نيسابور وتولى التدريس بالمدرسة النظامية، وبقي ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، مسلم له المحراب والمنبر والخطابة والتدريس ومجلس التذكير يوم الجمعة، وحضر درسه الأكابر، وكان يقعد كل يوم بين يديه ثلاثمائة فقيه، ودرس أكثر تلامذته في حياته.
وصنّف كتبا كثيرة جليلة في المذهب والخلاف «كنهاية المطلب في دراية المذهب» المشتمل على أربعين مجلدة، وكتاب «الشامل» خمس مجلدات، وكتاب «الأساليب في الخلاف» مجلدان، و«التحفة»، و«الغنية» (^١)، و«الإرشاد»، و«البرهان في أصول الفقه»، وفي أصول الدين (^٢) «غياث الأمم»، و«الرسالة (^٣) النظامية»، و«مدارك العقول»، و«مختصر التقريب»، و«الإرشاد للباقلاني» مجلدة، وله خطب مجموعة.
وسمع الحديث في صباه من أبيه وأبي حسان محمد بن أحمد بن جعفر المزكي وأبي سعد عبد الرحمن بن حمدان النصروي وأبي الحسن علي بن محمد الطرازي وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن يحيى المزكي وأبي سعد عبد الرحمن بن الحسن بن عليك وأبي عبد الرحمن محمد بن عبد العزيز النيلي (^٤) وأبي سعد محمد بن علي بن محمد بن حبيب الصفار وأبي نصر منصور بن رامش وأبي سعد فضل الله بن أبي الخير الميهني، وسمع ببغداد أبا محمد الحسن بن علي الجوهري وحدث باليسير. روى عنه أبو عبد الله الفراوي وزاهر بن طاهر الشحامي وإسماعيل بن أبي صالح المؤذن وغيرهم.
قرأت على عبد الوهاب بن علي الأمين، عن عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر ابن محمد بن يوسف قال: أنشدنا أبو الحسن العبدري قال أنشدني أبو المعالي الجويني لنفسه:
_________________
(١) في كل الأصول: «الغيبة» والتصحيح من وفيات الأعيان.
(٢) في كل الأصول: «الضدين» تحريف.
(٣) هكذا في كل النسخ، وفي الوفيات والأعلام «العقيدة».
(٤) في الأصل، (ب): «النبلى».
[ ١٦ / ٤٤ ]
أخي لن تنال العلم إلا بستة … سأنبئك عن تفصيلها ببيان (^١)
ذكاء وحرص وافتقار وغربة … وتلقين أستاذ وطول زمان
قرأت في كتاب «الفنون» لأبى الوفاء علي بن عقيل الفقيه الحنبلي بخطه قال: قدم علينا أبو المعالي الجويني ببغداد أول ما دخل الغزالي (^٢)، فتكلم مع أبي إسحاق وأبي نصر بن الصباغ وسمعت كلامه، وقال ابن عقيل أيضا: ونقلته من خطه. قال الشيخ أبو القاسم الأسدي المعروف بابن برهان العكبري النحوي- وكان متفننا في العلوم علامة في النحو والنسب وفي علوم القرآن والأصول- عند عميد الملك وقد كان قابسه (^٣) الشيخ أبو المعالي الجويني وكان قدم علينا سنة تسع وأربعين شابا، أشقر اللحية، فجرى منه مقاولة للشيخ الإمام أبي القاسم في العباد: هل لهم أفعال؟ فقال:
إن وجدت في القرآن آية تقتضي (^٤) ذلك فالحجة لك، فقال الشيخ أبو القاسم:
﴿وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عَامِلُونَ﴾، ومد صوته وجعل يقول: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ وأصرح [من] (^٥) هذه الإضافة لا يكون ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ [يهلكون أنفسهم] ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي قد كانوا مستطيعين، فأخذ أبو المعالي يستروح إلى التأويل، فقال:
والله! إنك بار (^٦) وتتأول (^٧) صريح كلام الله لتصحح بتأويلك كلام أبي الحسن الأشعري وأكله بالحجة، فبهت ابن الجويني، وكان أيضا في دولة عميد الملك نوع عصبية على الأشعرية وأصحاب الحديث فقبض أبا المعالي عن الانبساط وإلا فقد كان أحسن الناس لفظا وأقواهم منة في النظر.
أنبأنا عبد الوهاب بن علي، عن أبي القاسم بن السمرقندي قال: كتب إلىّ أبو
_________________
(١) في الأصل: «وبيان».
(٢) في (ج): «العز» وفي (ب): «الغز».
(٣) في (ب): «قاسه»
(٤) في (ج): «أنه مقتضى»
(٥) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل.
(٦) في كل النسخ: «إنك بارد» والأنسب ما أثبتناه.
(٧) في (ب): «وتناول».
[ ١٦ / ٤٥ ]
محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني قال في كتاب «طبقات الفقهاء» من جمعه: أبو المعالي الجويني إمام عصره، ونسيج وحده، ونادرة دهره، عديم المثل في حفظه وبيانه ولسانه، أخذ الفقه على والده، وإليه الرحلة من خراسان والعراق والحجاز، جرى ذكره في مجلس قاضي القضاة أبي سعيد الطبري فقال بعض الحاضرين: فانه يلقب «بإمام الحرمين» فقال قاضي القضاة: بل هو إمام خراسان والعراق لفضله وتقدمه في أنواع العلوم.
أنبأنا القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد الواسطي قال: كتب إليّ أبو جعفر محمد بن الحسن الهمداني قال: سمعت الشيخ أبا إسحاق الفيروزآبادي يقول: تمتعوا بهذا الإمام، فانه نزهة هذا الزمان- يعني أبا المعالي الجويني.
قال سمعت أبا إسحاق يقول لأبي المعالي: يا مفيد (^١) أهل المشرق والمغرب- لقد استفاد من علمه الأولون والآخرون، وسمعته يقول له: أنت اليوم إمام الأئمة.
قرأت على أبي الفتوح داود بن معمر الواعظ بأصبهان، عن أحمد بن الحسن بن يحيى الكاتب النيسابوري في مسألة إثبات الكلام فيه ونفى خلق القرآن، فقذف بالحق على باطله ودمغه دمغا ودحض شبهه دحضا، وتوضح كلامه في المسألة حتى اعترف المخالف والموافق له بالغلبة، فقال جدي الإمام أبو القاسم القشيري: لو ادعى إمام الحرمين اليوم النبوة لاستغنى بكلامه هذا عن إظهار المعجزة.
وقرأت على أبي الفتوح عن أحمد بن الحسن قال سمعت أبا نصر بن هارون يقول:
حضرت مع شيخ الإسلام إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني بعض المحافل فتكلم إمام الحرمين أبو المعالي في مسألة فأجاد الكلام كما يليق بمثله، فلما انصرفنا مع شيخ الإسلام سمعته يقول: صرف الله المكاره عن هذا الإمام فهو اليوم قرة عين الإسلام والذابّ عنه بحسن الكلام.
كتب إليّ أبو سعد عبد الله بن عمر بن أحمد بن الصفار النيسابوري قال: أنبأنا أبو
_________________
(١) في الأصل، (ب): «ما مفيد»، وفي (ج): «أما مفيد» والتصحيح من الشذرات ٣/ ٣٦٠.
[ ١٦ / ٤٦ ]
الحسن عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي قراءة عليه في كتاب الذيل لتاريخ نيسابور من جمعه قال: أبو المعالي الجويني مولده ثامن عشر المحرمسنة سبع عشرة وأربعمائة، وتوفي ليلة الأربعاء الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وقام الصياح من كل جانب وجزع الفرق عليه جزعا لم يعهد مثله، وحمل بين الصلاتين من يوم الأربعاء إلى ميدان الحسين، ولم تفتح الأبواب في البلد ووضع المناديل عن الرءوس عاما بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه من الرءوس والكبار، وصلى عليه ابنه أبو القاسم بعد جهد جهيد حتى حمل إلى داره من شدة الزحمة وقت التطفيل ودفن في داره، ثم نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين بجنب والده، وكسر منبره في الجامع المنيعي، وقعد الناس للعزاء أياما [عزاء] (^١) عاما، وأكثر الشعراء المراثي فيه، وكان الطلبة قريبا من أربعمائة نفر يطوفون في البلد نائحين عليه مكسرين المحابر والأقلام مبالغين في الصياح والجزع.
أخبرنا جعفر بن علي المقرئ بالإسكندرية قال: أنبأنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي قال أنشدنا حاجي قاضي ثغر خنان قال: أنشدني القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري المدرس بثغر جيزة (^٢) لنفسه يرثى أبا المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني وكان من نظرائه:
يا أيها الناعي بشمس المشرق … بأبي المعالي نور دين مشرق
أنذر بني (^٣) الدنيا قيام قيامة … فالشمس صار مغيبها في المشرق