من أهل الاسكندرية، قدم بغداد واستوطنها، ومدح بها الإمام الناصر لدين الله بعدة قصائد (^٤)، وكان شاعرا مجيدا، مليح الشعر، فاضلا أديبا، فقيها مالكيا (^٥)،
_________________
(١) في الأصل، (ب): «وكحرمة بعد الشهر».
(٢) انظر الحديث في: كنز العمال ١٢٣٥١، ١٢٩١٨. وجمع الجوامع ٢/ ٥٩١.
(٣) في الأصل، (ب): «أبو البركات بن قاسم».
(٤) في الأصل، (ب): «بعد قصائد» وفي (ج): «بعدد قصائد».
(٥) في (ج): «مالكا».
[ ١٦ / ٨٨ ]
مليح الشيبة (^١) حسن السمت (^٢)، رتّب شيخا برباط العميد بالجانب الغربي وناظرا في أوقافه، ثم نفذ رسولا من الديوان إلى يحيى بن عافية الميورقي (^٣) المقيم ببلاد المغرب، الداعي إلى الدولة العباسية، فأقام هناك مدة طويلة وولده عبد العزيز ينوبه في الرباط، قدم بغداد وقد حصل له مال طائل، فرتّب ناظرا في المارستان العضدي، فلم يزل على ذلك إلى حين وفاته، اجتمعت به مرة واحدة في مجلس شيخنا أبي أحمد ابن سكينة وقد جاء زائرا، وسمعت من لفظه شيئا من شعره ولم أجتمع به بعد ذلك.
أنشدني عبد العزيز بن عبد المنعم بن عبد العزيز بن النطروني من لفظه على باب منزله بالإسكندرية قال: أنشدني والدي لنفسه ببغداد:
باتت تصد عن النوى … وتقول كم تتغرب
إن الحياة مع القنا … عة والمقام لأطيب (^٤)
فأجبتها يا هذه … غيري بقولك يخلب
إن الكريم مفارق … أوطانه إذ تجدب
والبدر حين يشينه … نقصانه يتغيب
لا يرتقى درج العلى … من لا يجد ويتعب
وأنشدني عبد العزيز بن عبد المنعم بن عبد العزيز العبدري بالإسكندرية قال:
أنشدني والدي لنفسه ببغداد مادحا أمير المؤمنين الناصر لدين الله ويهنئه بسنة ثلاث وتسعين وخمسمائة:
يا ساحر الطرف ليلي ما له سحر … وقد أضر بجفني بعدك السهر
يكفيك مني إشارات بعين ضنى … لم يبق مني [به] عين ولا أثر
أعاذك الله من شر الهوى فلقد … أذكى على كبدي نارا لها شرر
غررت فيه بروحي بعد ما علمت … أن السلامة من أسبابه غرر
_________________
(١) في الأصل، (ب): «والشبيه»
(٢) في الأصل: «حسن الصمت»
(٣) في كل النسخ: «غانية الميروقى»
(٤) في (ج): «الأطيب».
[ ١٦ / ٨٩ ]
وكان عذبا عذابي في بدايته … فصار في الصبر طعما دونه الصبر
ولست أدري وقد مثلت شخصك في … قلبي المشوق أشمس أنت أم قمر
ما صور الله هذا الحسن في بشر … وكان يمكن أن لا تعبد الصور
من لي برد غديات بذي سلم … حيث النسيم عليل والثرى عطر
والنور يضحك [في] وجه السحاب إذا … أبدى عبوسا وأبكى جفنه المطر
والورق يدرع الأوراق إن نظرت … سهام قطر بذاك القطر ينحدر
وللغصون مناجات إذا سمعت … من النسيم أحاديثا لها خطر
ما كنت أحسب أن العيش يخلف ما … قد كان من صفوه فيما مضى كدر
ولا تخيلت أن الساكنين ربى … نجد تغيرهم من بعدنا الغير
وفيت بالقول إذ وافيتهم نكثوا … وصنت عهدي إذ غادرتهم غدروا
ما حرموا غير وصلي في محرمهم … وحال في صفر ما بيننا سفر
واحر قلباه إن لم يدن لي وطن … عما قليل وإن لم يقض لي وطر
لو كنت [يا رب] تدري ما صنعت بنا … لكنت في عاجل الأحوال تعتذر
وأنت يا دهر لو أنصفت كنت على … مقدار جهدي من الآفات تقتصر
قف حيث أنت فإني بالإمام أبي العباس … ناصر دين الله أقتصر
خير الخلائف من آل النبي إذا … وعدوا وأطيبهم ذكرا إذا ذكروا
الواجب الأمر في نص الكتاب على … كل البرية إن غابوا وإن حضروا
والحائز الفخر إرثا كلما سردت … حساب أحسابها عدنان أو مضر
والواهب المال في أكياسه بدرا … والطاعن الخيل آلافا إذا بدروا
والمرسل الجيش في أرض العدى لجبا … عرمرما لا يقي من بأسه وزر
فوارسا من بني الأتراك ما تركوا … أمرا على خطر في الملك مذ خطروا
من كل أغلب مجدول العزيمة لا … يبقى إذا هاج في الهيجا ولا يذر
في متن أدهم جون كله طرزا … وظهر أشهب صاف كله غرر
إن قابلوا فتنوا أو قاتلوا قتلوا … أو أنشبوا ظفر في معرك ظفروا
مؤيدين بنصر الله إن وردوا … يوم الكريهة في درع وإن صدروا
[ ١٦ / ٩٠ ]
أما لك الأرض والأملاك قاطبة … ملكا مؤيده التأييد والظفر
يا من مقانبه الأولى ملائكة … ومن مناقبه الآيات والسور
إن الزمان الذي أصبحت صاحبه … قد مسني من يدي أحداثه ضرر
وإن تقبضه قهرا وتبسطه … أمرا وتزجره مهنا فيزدجر
هذا دراك وقد ناديت من كثب … بحيث يسمعني الأنباء والسير
وأنت أقرب من حبل الوريد إلى … الراجي وما أنت مما يدرك البصر
فانظر إليّ أمير المؤمنين ففي … فيها المآثر وازدانت بها العصر
وأبشر فإنك ركن الله أسكبه … في أرضه ليرى إتقانه البشر
توفي عبد المنعم بن النطروني في يوم الجمعة لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة، ودفن من الغد بالشونيزية وقد قارب السبعين.