هو وَجِيه الدِّين أبو المُظَفَّر مَنْصُور بن سَليم (^٢) بن مَنْصُور بن فتُّوح بن يَخْلف الهَمْدَانيّ (^٣) الإسكندرانيّ الشَّافِعِيّ الفقيه المُحَدِّث، وكنى بأبى عَلِيّ أيضًا، ويعرف بابن العِمَاديَّة.
_________________
(١) مصادر ترجمته: هذا الكتاب نفسه ترجمة رقم (٤٦٤، ٩٦٣) فى باب سَلِيم والهَمْدَانِيّ. تكملة إكمال الإكمال لابن الصَّابُونيّ ص: ١٩٥ برقم (١٥٩) وتكملة الحُسَيْنِيّ في وفيات سنة (٦٧٣) لوحه ١٩٢/ب ذيل مرآة الزَّمَان لليونِيثي ٣/ ١٠٣، مُعْجم شيوخ الدِّميَاطِيّ ٢/ لوحه ١٦٦/ ب، مشيخة ابن جَمَاعَة ٢/ ٥٤٤ (٧٠)، تذكرة الحفاظ للذَّهَبِيّ ٤/ ١٤٦٧، العِبَر للذهبيّ أيضًا ٣/ ٣٢٧ والإشارة له أيضًا: ٣٦٦، كلاهما فى وفيات سنه (٦٧٣) عُيُون التواريخ لابن شاكر الكُتْبِيّ ٢١/ ٦٣ وتوضيح المشتبه ٥/ ١٥٥ في باب سَلِيم، مرآة الجنان لليافِعِيّ ٤/ ١٧٣، طبقات الشافِعِيَّة الكُبْرَى للسبكيّ ٨/ ٣٧٥، وطبقات الشافعيّة للإسنويّ ٢/ ١٠١ (٨٤٨)، العِقْد المذهب فى طبقات حملة المَذْهَب لابن المَلَقِّن لوحة ١١٢/ أفى الطبقة الثالثة والثلاثون من الطبقة الثانية، نُسخَةُ عَارِف حكمت بالمدينة المنورة ذيل التَّقْيِيد للإمام الفَاسِيّ ٢/ ٢٨٥ برقم (١٦٣٥)، السُّلُوك للمَقْريزِيّ ١/ ٢/ ٦١٩ وفيه مسلم بدل سليم خطأ، طبقات الشافِعِيَّة لابن قاضي شُهْبة ٢/ ١٩٣ برقم (٤٥٢) النجوم الزَّاهرة لابن تغرى بردي ٧/ ٢٤٧، طبقات الحُفَّاظ للسُّيوطيّ ص: ٥٠٩ حُسْن المُحَاضَرَة فى أخبار مصر والقاهرة للسيوطي أيضًا ١/ ٣٥٦، شَذَرَات الذَّهَب لابن العماد ٥/ ٣٤١، كشف الظُّنُون ١/ ٢٨١، ٩٤٠، ذيل كشف الظُّنُون ٢/ ٥٢٣ هَدِيَّة العارفين ٢/ ٤٧٤، الرِّسَالة المُسْتَطرفة ص: ١١٧، مجلة المجمع العراقي عددها (٢٤، ٢٥) ص: ١٠١، ٨١، فهرس الفهارس والأثبات ٢/ ٦٣٣، تاريخ عُلَمَاء المُسْتنْصِيرِيَّة ١/ ١٧٣.
(٢) سَلِيم: ضبط المؤلِّف نَفْسُه فى باب سَلِيم بفتح السين المهملة وكسر اللَّام كما فى الترجمة رقم (٤٦٤).
(٣) الهَمْدَانِيّ: بسكون المِيم والدَّال المُهْمَلة، ضبط به المؤلِّف نفسه فى باب الهَمْدَانِيّ كما فى الترجمة رقم (٩٦٣).
[ ١ / ٣١ ]
ولادته
يقولُ الدِّمْيَاطِيّ (^١): مَوْلد ابن سَلِيم فى يوم السبت الثَّامِن من صَفَر سَنَة سبع وستمائة بِمَرَج الشيخ (^٢) بِقَرَافة الإسكندريّة.
طَلَبهُ لِلْعِلْم ورحلاته
كَانَ ابنِ سَلِيم الهَمْدَانِي رَحَّالًا فى طَلَبِ العلم، وقد كَثُرَت رحلاتُه العِلْمِيّة، والنَّظْرة العَابِرة فى كتابه هذا تدلُّنا على أنَّه دَخَل القَاهِرة والعِرَاق، ودمشق، وحَلَب، وحماة، كما أنَّه رَحَل إلى مَكَّة المكرمة، ورَحَل إلى حَرَّان وغيرها من البُلْدان، يَقُول المؤلِّف فى ترجمة أبى الرَّبِيع سُلَيْمَان بن عبد الله الرَّيْحَانِيّ (^٣) سَمِعتُ منه بالقَاهِرة، ويقولُ فى ترجمة جِبريل بن محمود المِصْرِيّ الحَرِيريّ (^٤): رَوَى لنا بها عن أبى الفَاخِر، وقال فى ترجمة عَلِيّ بن عبد الصَّمَد بن الرَّمَّاح المِصْرِيّ (^٥): حَدَّثنا بمصر عن الحافظ السِّلَفِي، وَدَخَل دمشق بعد أن دَخَل بغداد كما يقول فى ترجمة عبد العزيز بن محمد (^٦): توفى فى الخَامِس والعشرين من المُحَرَّم سنة أربعين وستمائة بدمشق ونحن بها بعد عَوْدِي من العراق.
_________________
(١) معجم شيوخ الدمياطي ٢/ لوحة ١٦٦/ب.
(٢) لم يذكر ياقوت "مَرَج الشيخ" فى معجم البلدان، وقال ابن جَمَاعة فى مشيخته ٢/ ٥٤٥: مَرَج الشيخ مَحَلَّه بالإسكندريّة.
(٣) رقم الترجمة (٢٤٨).
(٤) رقمها (١٨٠).
(٥) رقمها (٣٨٩).
(٦) رقمها (٢).
[ ١ / ٣٢ ]
ويقول فى ترجمة "خَاطِب بن عبد الكريم" (^١): رَوَى لنا بها (أى بدمشق) عن الحَافِظ أبى القاسم عَلِيّ بن عَسَاكر بن يَعْلَى الدمشقيّ بعد عَوْدِي من العِرَاق، وقال فى ترجمة "محمد بن مُظَفَّر الحُبَيْرِيّ" (^٢) توفى سَنَة تِسعٍ وثَلَاثِين وستمائة ببغداد قبل خُرُوجِي منها بأَيَّام، وقال فى ترجمة "إسماعيل الخَيِّرِيّ" (^٣): توفى فى أواخر سَنَة تسع وثلاثين وستمائة ببغداد بعد تَوَلِّيّ (أى بعد خُرُوجِي) من العِرَاق، ويقول فى ترجمة "الحَافِظ ابن نُقْطَة" (^٤): توفى فى صَفَر سَنَة تِسع وعشرين وستمائة قبل دُخُولِي إلى العِرَاق بأربع سنين وقَال فى ترجمة "الحَسَن بن عَلِيّ الدِّزِّيِّ" (^٥) رَوَى لنا بمكة شَرَّفَهَا الله تعالى عن أبى الفتح محمد بن أحمد. . . . . ويَقُول أيضًا فى ترجمة "عبد الرحمن بن أبى حَرَمِيّ الحِجَازِيّ" (^٦) سمعتُ منه بمكة عن جَمَاعَةٍ من البغْداديِّين.
وقال فى ترجمة "عبد الله بن الحُسَيْن الرَّوَاحِيّ" (^٧): رَوَى لنا بحماة عن السِّلَفِيّ، وقال فى ترجمة "محمد بن الحُسَيْن الرَّوَاحِيّ" (^٨): حَدَّثَنا بحماة بِسَمَاعِه من أبى طَالِب أحمد بن رَجَاء التَّنُوخِيّ، وسَمَع بِحَرَّان من عبد القادر بن عبد الله (^٩) وعبد السَّلَام بن عبد الله (^١٠).
_________________
(١) رقم ترجمته (٢٧٣).
(٢) رقمها (١٧٧).
(٣) رقمها (٣٠٦).
(٤) رقمها (٩٣٧).
(٥) رقمها (٣٦٣).
(٦) رقمها (٢٤٩).
(٧) رقمها (٣٩٣).
(٨) رقم الترجمة (٣٩٤).
(٩) رقمها (٤٦٧).
(١٠) رقمها (٤٦٨).
[ ١ / ٣٣ ]
وقال ابن جَمَاعَة أحد تلامذتة: سمع ببلده. . . . . ورَحَل إلى الدِّيَار المِصْرِيَّة والشام والعراق، وسَمِع بها وبطريقها من البلاد الَّتى اجتَازَ بها (^١). . . . . وقال ابن الصَّابُونِيّ: ورَحَل إلى العراق، فَسَمِع فى طريقه بِحَلَب والمَوْصِل، وَدَخَل بغداد، فأقَام بها مُدَّة يَسْمع الحديث ويشتغل بالفِقه (^٢).
إنَّ رحلاته العِلْمِيَّة التى أشرنا إلى بعضها لأجل السَّمَاع من الشَّوَاهِد الدَّالَّة على سعة علمه، وحِرْصِه على طَلَب العلم ونشره.
شيوخه وتلامذته
لقد اهتَمَّ ابن فَتُّوح الهَمْدَانِيّ بطلب العِلْم، وتَحَمَّل فى سَبيل ذلك مشاق السَّفَر والتَقَى بالعَدِيد من المَشَايخ على اختلاف مَذَاهبهم وأَوْطَانِهم، وسَمِع من النِّسَاء العَالِمَات أيضًا، وقد خَرَّج لنفسه مُعْجَمًا لِشُيوخِه، ولم أعثر عليه، حتى أَرَى ما يحتويه هذا المعجم وَنَقَل ابن المُلَقِّن فى "العقد المذهب" إِجَازَة له عَامَّةً، تَدُلّ على أنَّه رَوَى عن ألفِ شَيْخٍ، يقول ابن المُلَقِّن: ومن شِعْرِه فى إجَازَةٍ:
أَجَزْتُ لكم بنى الشمس بن يَحْيَى … جَميع روايتى سُنَنًا ووحْيَا
وما عَلَّقْتُه عن أَلف شَيْخ … أموتُ وذِكرُه بَاقٍ وَيحْيَا
فهو يَروِي فى كِتَابنا هذا فقط عن حَوَالى مائتين وستِّين شيخًا من بينهم إحدى وعشرون امرأة، وسَأتناوَل ذلك فى موارد الكتاب تحت عنوان "المشافهة والسَّمَاع" ومن أشهر شُيُوخِه محمد بن عماد الحَرَّاني، وأبو القاسم عبد الرحمن
_________________
(١) مشيخة ابن جَمَاعَة ٢/ ٥٤٤.
(٢) تكملة ابن الصابوني ص: ١٩٥.
[ ١ / ٣٤ ]
ابن الصَّفْراوى، وأبو الحسن بن روزبهْ، وأبو بكر بن بَهْروز، وأبو بكر محمد بن يحيى بن جُبَير الفَقِيه، وأبو الفَرَج عثمان بن أبى نَصْر المَسْعُودِيّ، ومُرْتضى بن أبى الجُود، وعبد الوَهَّاب بن رَوَاج، وإبراهيم بن محمود الخَيِّريّ، وعبد الحَميد بن عبد الرَّشيد بن بُنَيْمان، ويُوسُف بن عبد الله ابن الخَلِيل أبو الحَجَّاج، وغيرهم.
أمَّا الحَدِيث عن تلامذته الذين رَوَوا عنه فإنَّ معرفة صفاته وأخلاقه تَدلّ على كَثْرتهم، يقول اليُونِينيّ: كَانَ حَافِظًا صَالِحًا حَسَنَ الطَّريقة جَمِيل السِّيرَة مُحْسِنًا إلى من يَرِد إليه من الطَّلَبه مُفيدًا حَسَن الأَخْلَاق ليِّن الجَانِب (^١).
ويقول ابن شَاكِر الكُتْبِيّ: كَانَ حَافِظًا صالحًا خَيِّرًا حَسَن الطَّريقه جَمِيل السِّيرَة مُحْسِنًا إلى من يَقْرأ عليه من الطَّلَبة مفيدًا حسن الأخلاق (^٢).
وزِدْ على هذه الصِّفَات أنه دَرَس وتعلم فى المدرسة النظامية والمستنصريَّة -وهما من أشهر مدارس بغداد-، حَوَالى سَبْع سنوات، ولَمَّا عاد إلى بلده الإسكندريَّة بدأ يُدَرِّس فى مدرسة الحافظ السِّلَفِيّ وهى الحافِظيَّة أشهر مدارس الإسكندريَّة، فَالعَالِم الَّذِى يَتَحَلَّى بهذه الصِّفَاتِ لابُدَّ أن يلتَفّ حَولَه تلامذة كَثيرُون وقد رَوَى عنه الإمام الدِّمْيَاطِيّ، وترجم له فى "مُعْجَم شُيُوخِه" ورَوَى عنه القاضى ابن جَمَاعة أيضًا وترجم له فى "مشيخته" كما رَوَى عنه عِزّ الدِّين الحُسَيْنِيّ، وترجم له ترجمةً حَسَنَةً فى "تكملته فى وفيات سنة (٦٧٣ هـ)، ورَوَى عنه القَاضِى سَعْد الدِّين الحَارِثِيّ، وعَلِيّ بن عبد المحسن الهاشمي"، وغيرهم.
_________________
(١) ذيل مرآة الزمان ٣/ ١٠٣.
(٢) عيون التواريخ ٢١/ ٦٣.
[ ١ / ٣٥ ]
ثناء العلماء عليه:
قال الحُسَيْنِي فى تكملتِه: قَدِم الإسكندريَّة يعنى من بغداد، وتولّى بها الحِسبة، ودَرّس بها، وحَدَّث وجَمَعَ وصَنَّفَ وخَرَّج "مُعْجَم شُيُوخِه"، وألّفَ "تَاريخًا" لِبَلَده الإسكندريّة.
وكَانَ فَقيهًا فَاضِلا، ومُحَدِّثًا حَافِظًا، سمعتُ منه بمصر فى إحدى قدماته إليها، وكَانَ صَالحًا. (^١).
وقال القاضي ابن جَمَاعَة: خَرَّج لنفسه ولشُيُوخ بلده، وصَنَّف وأمْلَى، وكان فَاضِلًا كَثِيرَ السَّمَاع جَيِّد الانتقاد، وجَمَعَ تَاريخًا للإسكندريّة فى عِدّة أسفار (^٢).
وقال ابن شَاكِر الكُتْبِيّ: حَدَّث، وولى الحِسْبَة بالإسكندريّة، ودَرَّسَ بها، وجَمَعَ وصَنَّفَ وألّف تَارِيخًا لبلده الإسكندرية، وَكَان حَافِظًا صَالِحًا خَيِّرًا حَسَن الطَّرِيقه جَمِيل السِّيرَة مُحسنًا إلى من يَقْرَأ عليه من الطَّلَبة، مفيدًا حَسَن الأخْلاق لين الجانب (^٣). . .
وقال ابن الصَّابُونِيّ: ودخل بغداد، فأقام بها مُدَّة، يسمع الحديث، ويشتغل بالفقه، ثم عاد إلى بلده، يُفِيد النَّاس. وولى تدريس المدرسة الحافظية
_________________
(١) بعده سطر كامل شبه ممسوح، لا تقرأ إلّا رؤس الكلمات، ولعل ما سأذكره عن ابن شاكر الكتبيّ مأخوذ من تكملة الحُسَينِيّ.
(٢) مشيخة ابن جَمَاعة ٢/ ٥٤٤.
(٣) عُيُون التَّوارِيخ ٢١/ ٦٣.
[ ١ / ٣٦ ]
السِّلَفِيّة، والحسبة، وخَرَّج وصَنَّفَ وجَمَعَ وألَّف، وقَفْتُ له على تخاريج مُفِيدَة، وفوائد عَدِيدَة (^١).
وقال الذَّهَبِيّ: عُنِي بالحَدِيثِ وفُنُونه، ورِجَالِه، وبالفِقْه، وكان مَوصُوفًا بالدّيانَة، والثِّقَة والمروءة، وكان مُحسِنًا إلى الرحّالة، لين الجَانِب، ثم قال: لم يَخْلف بعده فى الثَّغْر مثله. وقال أيضًا كان يفهم كثيرًا من هذا الشأن (^٢).
وقال الأسنوِيّ: كان فَقِيهًا، مُحَدِّثًا، حَافِظًا، أديبًا شَاعِرًا، مُحْسِنًا لمن يَرِد إليه، ثم قال: وصَنَّفَ فى الفِقْه وفي الحَدِيث بأنواعه، وتَارِيخًا للإسكندريّة فى مجلدين، ومُعْجَمًا لشيُوخه، وخَرَّج لنفسه أربعين حَديثًا عن أربعين شَيْخًا فى أربعين بَلَدًا (^٣).
وقال السُّيُوطِيّ: عُنِى بِالحديث وفُنُونِه ورجَالِه، وبالفِقْه، مع الدِّين والثقة، ولم يخلف بعده فى الثغْر مثله (^٤).
وقال ابن العِمَاد: خَرَّج، واعتَنَى بِالحَدِيث والرِّجَال، والتَّاريخ، والفقه، وغير ذلك. وخَرّج تَارِيخًا للإسكندريّة، وأربعين حديثًا بَلَدِيَّة، ودَرّس، وجَمَعَ لنفسه مُعْجَمًا، وكان دَيِّنًا خَيِّرًا حَمِيد الطَّريقة كَثِير المروءَة مُحسنًا إلى الرَّحَّالة، كَتَبَ عنه الدِّمْيَاطِيّ والشَّرِيف عِزّ الدِّين، وتوفي في شَوَّال، ولم يخْلف ببلده مثله (^٥).
_________________
(١) تكملة ابن الصابونى ص: ١٩٥.
(٢) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٦٧ والعِبَر ٣/ ٣٢٧.
(٣) طبقات الشافعيّة للإِسنَوِيّ ٢/ ١٠١.
(٤) طبقات الحفاظ ص: ٥٠٩.
(٥) الشذرات ٥/ ٣٤١.
[ ١ / ٣٧ ]
معتقده ومذهبه
لا شَكَّ أنَّ مَنْصُور بن سَلِيم كان من أهل السُّنَّة، لَيْس فيه أيّ مَيْلٍ أو انحراف عنها، ولذلك لم يتناوله أحد بأيّ مُؤاخَذة فى معتقده، بل كُلُّهُم وَصَفُوه بأوصَافٍ حَمِيدَة، مثل قولهم: الحافظ المُحدِّث، الفَقِيه، جَميل السِّيرَة، حَسَن الطَّريقة، حَسَن الأخلاق، كما أنّهم وَصَفُوه بالثِّقَة والدِّيَانة، ولين الجَانِب، وقد مَدَحَه مُعَاصِرُوه أيضًا، مثل أبى حَامِد ابن الصَّابُونِيّ والدِّمْيَاطِيّ وابن جَمَاعَة وغيرهم، والمَعْرُوف أنّ المُعاصرين يتتبعون المَثَالِب والمَسَاوِئ، ولذلك لا يقبل كلام المُعَاصِرِين بعضهم فى بعض وثَنَاءُ العُلَمَاء عليه -وفيهم مُعَاصِروه- يدلّ على سَلَامة مُعْتَقَده، أمَّا مذهبه الفقهى، فيؤخذ من كَلامِه أنّه كَانَ شَافِعِيّ المذهب، ومن المسلّمات البديهيّة أنّ المَذَاهب الفقهِيّة مَا هِىَ إلّا مَدَارِس عِلْمِيّة، هَدَفها فهم الإسلام وتوضيح مَقَاصِدِه فى إطار أصولٍ وقَوَاعِد استخرجوها، وقَعَّدُوها من الكتاب والسنّة، والانتماء إلى مدرسة فِقْهيّة مُعَيّنة لا يعنى عدم الاستفادة من مَدَارِس أُخْرَى، ومن هذا المنطلق نَرَى أنّ مَنْصُور بن سَلِيم كَانَ شَافِعيّ المَذْهَب، إلّا أنّ انتماءَه للشافعيّة لم يَمْنَعْه من أن يأخذ العلم ويتلقى الحديث من مَشَايخ ينتمون إلى مذاهب فقهيّة أخرى، ومعرفة شُيُوخه البالغ عددهم مائتين وستين شَيْخًا في هذا الكتاب من مجموع ألف شيخ، تدل دلالة واضحة على أنّ المؤلِّف مع كونه شَافِعِيًّا لم يمتنع عن الاستفادة من المَشَايخ الأحناف والمالكيّة والحَنَابلة، وقد تَرْجَم المؤلِّفِ لنفسه فى هَذَا الكتاب فى باب سَلِيم برقم (٤٦٤) وصَرّح فيه بكونه شَافِعِيًّا، وقد أجمع المؤرِّخُون الّذين ترجموا له أنّه كان شافِعِيًّا، ولذلك
[ ١ / ٣٨ ]
لا يلتفت إلى قول المقريزِيّ: مَنْصُور بن مسلم (الصَّواب سَلِيم) بن مَنْصُور بن فَتّوح الهَمْدَانِيّ الإسْكَنَدَرانِيّ المَالِكي (^١).
مؤلفاتهُ
كُلّ مَنْ تَرْجَمَ لابن سَلِيم الهَمْدانِيّ هذا قال عنه: إنّه خَرَّج وألّف، وصَنَّف، وكان ﵀ مُتَضَلِّعًا فى عُلُوم شَتَّى، ولم يكن مُقْتَصِرًا على علمٍ واحدٍ، بل كانت ثقافتهُ مُتَعدّدَةَ الجَوَانب، كما يُفْهَم من آراء العلماء فيه، وثنائهم عليه، وعَالِمٌ هذا شأنه كان من المُنْتَظَر أن تكثر مؤلَّفاتهُ، ولكن مَجْمُوعَ ما عثرتُ عليه من مؤلفاته لم تَتَعدّ على أربعة عَشْرَ كتابًا، هى:
١ - "تَارِيخ الإسكندريّة" وسَمّاه الدُّررَ السَّنِيّة فى تَارِيخ الإسكَنْدَريَّة، ويبدو أنّ هذا الكتاب من أشهر مؤلَّفَاتِه، فقد ذكره كل من تَرْجَم له، إلّا أنهم اختلفوا فى عدد مجلداته، فقال ابن جَمَاعَة: جَمَعَ تاريخًا للإسكندريّة فى عِدّة أسفَارِ (^٢)، وقال الذَّهَبِي: صَنَّف تَارِيخ بَلَدِه فى مُجَلَّدَين (^٣)، وكذا قال الإسنَوِيّ (^٤) وفى كتاب "منتخب المختار" الدُّرّة السَّنِيّة فى تاريخ الإسْكندريّة فى ثلاث مجلدات (^٥)، وقال السَّخَاويّ: تاريخ الإسكندريّة لأبى المَظفَّر مَنْصُور بن سَلِيم فى أربع مجلدات (^٦).
_________________
(١) السلوك للمقريزي ١/ ٢/ ٦١٩.
(٢) مشيخة ابن جَمَاعَة ٢/ ٥٤٤.
(٣) تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٦٧.
(٤) طبقات الشافعيّة للإسنويّ ٢/ ١٠١.
(٥) مجلة المجمع العراقى عددها (٢٥) ص: ٨١.
(٦) الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ ص: ١٢٢.
[ ١ / ٣٩ ]
وللكتاب نسخة خَطّيّة فى مكتبة أيا صوفيا بتركيا برقم (٣٠٠٣، ٣٠٠٤) كما ذَكَره بروكلمان.
٢ - تَارِيخ لمنارة الإسكندريّة (^١).
٣ - تحفة أهل الحديث فى إيصال إجازة القديم بالحديث (^٢).
٤ - جُزْء فيه أنَاشيد وأمثلة النعل النبويّ (^٣).
٥ - ذيل تكملة الإكمال، وهو كتابنا هذا، وقد اختلف المترجمون له فى تسمية هذا الكتاب، وسَيَأتى الكلام عليه بعد قليل بعنوان مستقل، ومن المناسب أنْ أنَبّه هنا إلى خَطَأ وقع فى هديّة العارفين، ففيها فى ترجمة منصور بن سَلِيم هذا.
من تصانيفه: ذيل التّقييد لمعرفة رُوَاة السنن والأسانيد لابن نقطة فى المؤتلف والمختلف. انتهى. وهذا خطأ من عِدّة وجوه:
_________________
(١) ذكره اليُونينِيّ فى ذيل مرآة الزَّمان ٣/ ١٠٣.
(٢) من الغريب أنّ هذا الكتاب لم يذكره أحدٌ مِمَّن تَرْجَم له، وذكره محمد خير البقاعِي الّذي حَقَّقَ كتاب أبى طاهر السِّلفِيّ "الوجيز فى ذكر المُجَاز والمُجِيز" فقال فى مقدمته للكتاب ص: ٤٠: الكتاب الذى نَنْشُرُه اليوم عن نسخة وَحِيدة، هى اليوم فى مكتبة جستربيتي تحت رقم (٤٨٧٤) وهو فى عشرين ورقة. وهو ضمن مجموع يَضمّ معها كتابًا بعنوان "تحفة أهل الحديث فى إيصال إجازة القديم بالحديث" جمع الحافظ أبى المُظَفَّر منصُور بن سَلِيم الهَمْدانِيّ الشافِعِيّ، وهى بخَطّ يختلف عن الخَطّ الذى كتبت به نسخه الوجيز انتهى. وجاء فى نشرة أخبار التُّراث الإسلامي عدد (١٨) ص: ١٤: أنّ فى مخطوطات مركز المخطوطات والتراث والوثائق مخطوطة "تحفة أهل الحديث" لأبى المُظَفَّر منصور بن سَلِيم. . . . . ويبدو وأنّ هذه نسخة أخرى للكتاب غير نسخة جستربيتى الّتى أشرنا إليها فيما تقدم والله أعلم.
(٣) ذكره الروداني فى صلة الخَلَف ص: ٢٠٧.
[ ١ / ٤٠ ]
أوّلًا: أنّ ذيل التقييد ليس لمنصور بن سَلِيم، بل أنّ مؤلّفَه هو تقي الدّين الفَاسِيّ صاحب "العِقد الثمين".
ثانيًا: الاسم الصّحيح للكتاب: ذيل التقييد لمعرفة رُوَاة السُّنَن والمسانيد بدل "الأسانيد" وهذا الكتاب للفَاسِي تقيّ الدين محمد بن أحمد الحَسَنِيّ المَكي صاحب، "العقد الثمين" والكتاب حَقَّقَه الأستاذ محمد صالح عبد العزيز المراد، وطبعه مركز إحياء التراث الإسلامي بجامعة أمّ القري.
ثالثًا: ذيل التقييد هذا ليس فى موضوع المؤتلف والمختلف، بل فى معرفة رُوَاة السنن والمسانيد، والّذِي لمنصور بن سَلِيم هو فى معرفة المؤتلف والمختلف، وهو ذيل تكملة الإكمال، وهو كتابنا هذا.
٦ - رَيّ العَاطِش وأنس الواحش (^١).
٧ - شيوخ الإسْكَنْدريّة (^٢).
٨ - كتاب الأربعين البُلْدَانِيّة (^٣).
٩ - المستجاد من فوائد بغداد (^٤).
١٠ - مشيخة ابن البرهان (^٥).
_________________
(١) ذكره حاجي خليفة فى كشف الظنون ١/ ٩٤٠ وإسماعيل بَاشَا فى هدية العارفين ٢/ ٤٧٤.
(٢) ذكره ابن جماعة فى مشيخته ٢/ ٥٤٥ فى ترجمة منصور بن سَلِيم.
(٣) ذكره الحسينى والذّهبِى وابن المُلَقّن فى كتبهم فى ترجمته.
(٤) ذكره الدكتور ناجى معروف فى البحث الذي نشره فى مجلة المجمع العِرَاقي نَقْلًا من كتاب " منتخب المختار".
(٥) ذكره الكتاني فى فهرس الفهارس والأثبات ٢/ ٦٣٣.
[ ١ / ٤١ ]
١١ - مشيخة السَّفَاقُسِي (^١)، تخريج منصور بن سليم.
١٢ - مشيخة محمد بن فَتُّوح بن خلّوف (^٢)، تخريج منصور بن سَلِيم أيضًا.
١٣ - معجم شيوخه الذى خَرّجه لنفسه (^٣).
١٤ - مفتاح الجِنَان (^٤).
وفاته
بعد حَيَاةٍ حَافلِةٍ بِخدمة الكتاب والسُّنَّة والعُلُوم الشَّرعِيّة الأُخْرى تَدْريسًا وتأليفا توفي ابن سَلِيم الهَمْدَانيّ فى ليلة الحادي والعشرين من شوال سنة ثلاث وسبعين وستمائة (^٥)، رَحِمه الله تعالى رحمة واسعة.