إنّ الحَالة الاجتماعية والثقافية لأيِّ بَلَدٍ تَتَأثَّر بالحَالة السياسية والإسِكندريّة مَسْقط رأسِ مؤلِّفِنا حَظِيَت باهتمام خُلَفاءِ وأمراء المسلمين فى القَرْن السَّابِع، بل قبله فى العَصْر الأيُّوبى أيَضًا بالرّغْم من اضطرابات سِياسيّة فى العَالمِ الإسلامي كما تَقَدَّمت الإشارة إليها فى الصَّفَحات السَّابِقة، فقد اهتم السُّلْطَان صَلَاح الدِّين أيّما اهتمام بالإِسكندرية، يذكر الدكتور السَّيِّد عبد العَزِيز سَالم أنّ السلطان زَارَها فى عهده أربع مَرَّات فى أعوام ٥٦٦، ٥٦٧. ٥٧٢، ٥٧٧ أوْلَاها خِلالَها كَثِيرًا من عنايته، واختَصَّها برعايته، فمن عِمَارته لأسوارِها وتَمكين لدفاعها البَرِّيّ والبَحْرِيّ إلى غير ذلك من رِعَاية لأُولىِ العِلْم والتَّقْوَى من أهلها (^١).
ومن اهتمامه بها أيضًا - كما يذكره المَقريزى أنّه أنشأ بها مَارِستَانًا ودارًا للِمَغَارِبة، ومَدْرَسة على ضَرِيح المُعَظَّم تُورَان شَاه، وشرع فى عمارة الخليج، ونَقَل فوهتَه إلى مكانٍ آخر (^٢) ونَقَل صاحب "تاريخ الاسكندرية" من كتاب "الاستبصار" ما نصُّه: والإِسكندرية تعَجّبَ كُلُّ من رَآها لبِهْجَتِها وحُسْن مَنْظَرها وارتفاعِ مَبَانِيها وإِتقانها وسِعَة شوارِعها وطُرُقاتِها (^٣)، ويقُول ابن جُبَيْرٍ: ومن مَنَاقِب هَذَا البلد ومَفَاخِره العائدة فى الحقيقة إلى سُلْطَانِه: المَدَارِس والمحارس المَوْضُوعَة فيه لأهل الطِّبِّ والتَّعبُّد، يَفِدُون من الأقطار النّائية، فَيَلْقَى كُلُّ وَاحدٍ منهم مَسْكَنًا يأوِي إليه، ومُدَرِّسًا يُعَلِّمُه الفَنّ الّذي يُريد تَعَلّمه، وإجراءً يقوم به فى جَمِيع أحْواله (^٤).
_________________
(١) تاريخ الاسكندرية وحضارتها فى العصر الإسلامى ص: ٢٣٣.
(٢) السلوك للمقريزى ١/ ١/ ٧٦.
(٣) تاريخ الاسكندية ص: ٢٥١ - ٢٥٢.
(٤) رحلة ابن جبير ص: ١٥.
[ ١ / ٢٥ ]
وقال أيضًا: هَذَا البلد أكثر بلاد الله مَسَاجِد، حتى أنّ تَقدير النَّاس لها يُطَفّف، فمنهم المُكْثِر والمُقَلِّل، فالمُكثِر ينتهى فى تَقْدِيره إلى اثنى عشر ألف مَسْجدٍ، والمُقلِّل ما دُوْن ذلك لا يَنْضبط، فمنهم من يقول: ثمانية آلاف ومنهم من يقول غير ذلك، وبالجملة فهى كَثيرةٌ جِدًّا، تكون منها الأربعة والخَمْسَة فى موضع، ورُبّما كانَتْ مركبة وكلها بأئمة مُرتّبين من قبل السُّلْطان وهَذَا يدُلّ دلالةً واضحةً على غلبة النَّزعة الدِّينِيَّة فى الإسكندرية فى عَصْر سَيطَرت فيه الرَّغْبة فى الجهاد والرّباط (^١).
ومثل ما اهتَمّ بها صَلَاح الدّين اهتَمّ بها كُلّ من جَاءَ بعده، خَاصَّة السُّلْطان المَلِك الظَّاهِر ركن الدين بيبرس، ولهذا يُعَدّ عَصر هذا السُّلْطان أزْهَى عُصُورِها الإسلامية فقد اهتَمّ هذا السُّلْطان المَمْلُوكي بثغر الإسكندرية اهتمامًا خاصًّا وعِناية فاقَتْ عنِايةَ من سَبَقه من المُلُوك والسَّلَاطِين، ومن خَلَفه على السَّوَاء وعلى الرّغم من المُشْكِلات الخَطيرة التى تُهَدِّد دَولتَه، وهذه المشكلات تتَمثل فى الخطرين الصَّليبِي والمَغُولِي، ويَبدُو أن هذين الخَطَرين كَانَا حَافِزين للسُّلْطان للاهتمام بتحصينات الثغور المِصْرِيّة بوجه عَام والإِسكندرية بِوَجهٍ خَاصّ وكان يَزُور الإسكندريّة بين حَينٍ وآخر، وكان يجرِي بعض الأعمال الإصلاحية فى كلِّ مَرَّة، فَتَرك فيها من الآثار فى كل زيارةٍ ما نَوَّه به المؤرّخون وأشادُوا بذكره. (^٢)
_________________
(١) رحلة ابن جبير ص: ١٧.
(٢) راجع تاريخ الإسكندرية للدكتور السيد عبد العزيز ص: ٢٧٥ وما بعده.
[ ١ / ٢٦ ]
وقد زارَ الإسكندريّة المَلِك الظَّاهِر بيبرس أربع مَرَّات، وكانت الزيارَة الأولِى عام (٦٦١) وتَقَدّمَه وَزِيره بهاء الدِّين ليمَهِّد له الطَّريق، فتحرك مَوْكب السُّلْطان إلى الإسكندريّة، فأَخْرج أهل الإسْكندريّة ما عندهم من العُدَد الخَاصَّة بالجهاد، مِنَ القِسِيّ والعَمَارِيّات والزَّرْد، والخوذ والطَّوَارق، والجوبان، والكزغندات، وزَيَّنُوا بها الشَّوَارع والأسْوَاق، وزَارَ فى أثناء وجُودِه فى الإِسكندريَّة الشَّيخَين القَباري محمد بن مَنْصُور، والشّاطِبِي محمد بن سُلَيمان، وهَذَا يَدُلّ على إجلاله للعُلَماء والعِلْم واحترامه لهم. وزار مَرَّة ثَانِية فى صَفَر سنة (٦٦٤) عندما بَلَغَه شَكْوَي أهل الإسْكَنْدرِيّةِ من عَدَمِ وصولِ الماء إليها فى سائر شهور السَّنَة بسبب ما تكَدَّس من الرِّمَال فى المجرى المُمْتَدّ من النَّقيدى إلى فم الخَلِيج فَسَيَّر لحَفْره الأمير عَلَمُ الدِّين سَنْجَر المَسْرُورِيّ، وهكذا زَارَ الإِسكَنْدرِيَّة مَرَّة ثَالِثَة ورابِعة، وذلك لشِدّة اهتمامه بها، بِحيث أصْبَح هَذَا الثَّغْر أعظم ثُغُور مِصر كما كان موضعًا للِنُّزْهَة والفرجة، فَتَطَوَّرت الإِسكندريَّة عِمرانيًّا وحَرْبيًّا، يَقُول الدكتور جَمَال الدِّين الشَّيَّال: ظَلَّت الإِسكندريّةُ نتيجةَ عناية مُلُوك بنى أيُّوب الدَّائبة بها تَنْمُو وتَزْدَهِر عمرانيًّا وتجاريًّا وحَرْبيًّا ما عدا سنوات المَجَاعة والوباء القَلِيلة أيَّام العَادِل، وسَرْعَان ما استعادت المدينة نَشَاطَها العِلْمِيّ والعِمْرانيّ بعد ذلك بقليل، فقد زارها الواعظ والمؤرخ الكبير سبط ابن الجَوزِيّ فى سنة (٦٤١) فى عهد الصَّالح نَجم الدِّين أيُّوب وَوَصَفَها بقوله: قدمتُ الإسكندريَّة فَوجَدتُها كما قال تَعالى: (ذَاتِ قَرَارٍ ومَعِين) مَغْمُورة بالعُلَمَاء، مَعْمُورَة بالأولياء، كالشيخ محمد القباريّ والشَّاطِبِيّ وابن أبى شَامَة، ووجدتُها كما قال القَيْسرانيّ في وصف دمشق:
[ ١ / ٢٧ ]
أرض تحل الأمَانِي فى أمَاكِنِها … بحيث تَجْتَمع الدُّنْيا وتَفْتَرق
إذَا شَدَا الطَّير فى أغصانِها وقفت … على حدائقها الأسْماع والحَدق (^١)
ولا شَكَّ أنّ مدينة كهذه الّتى عُنى بها الخُلَفَاء والسَّلَاطين من جميع النَّوَاحِي لا تَخْلُو من المَدَارِس الّتى تُخَرِّج العُلَمَاء العَاملِين المُتَضَلّعين بالعلُوم المُخْتَلِفَة، والرّأي المَعْرُوف أنَّ حَرَكَة إنشاء المَدَارِس فى مصر بدأت مع قيام الدَّولة الأيُّوبية فيها، وذَلك حينما أسَّسَ صَلَاح الدّين يُوسُف ابن أيُّوب وأسرته وكبار رِجَال دوْلته المَدَارِس المُختَلِفَة فى الفُسطَاط وغيرها من مُدُن مصر، إلّا أن الدكتور الشَّيَّال يَرَى أن المَدَارِس أنشئت أوّل ما أنشئت فى الإسكندريّة وفى العَصْر الفَاطِمِي أى قبل إنشاء صَلَاح الدِّين لمدارسه فى الفُسطَاط والقَاهِرَة، وقال: كَانَ صَلَاح الدِّين بإنشائه هذه المدارس يتبع سِيَاسَة مُوضوعة، ويُنَفّذ خطَّة مَدْرُوسةً للْقَضَاءِ على المَذْهَب الشِّيعيّ ونشر المَذْهَب السُّنيّ مُقتفيًا سياسَة أُستَاذِه نُور الدِّين محمود بن زَنكي، ففى سنة (٥٦٦) أنشأ صَلَاح الدِّين مدرسة النَّاصِرِيّة فى الفُسطَاط لتدريس المَذْهَب الشَّافِعِى، ثم نَقَل عن المقريزيّ قوله: وهى أوّل مَدْرسة عملت بِديار مصر، ثمَ عَقَّب الشَّيَّال على هذا فقال: يقول ابن خَلِّكان فى ترجمته للعادل أبى الحسن علي بن السَّلَار وزير الخَليفة الظَّاهِر الفَاطِمِيّ وكان ظَاهِرَ التَّسنّن شَافِعِيّ المَذْهَبَ، ولمَّا وصل الحافظ أبو طَاهِر السِّلَفِيّ إلى ثَغْر الإِسكندريَّة المَحْرُوس وأقام به ثم صَارَ العَادِل المذكور واليًا به (أى بالثَّغْر) احتفل به وزَادَ فى إكرامِه وعَمَّر له مَدْرسَة،
_________________
(١) تاريخ مدينة الإسكندريّة فى العصر الاسلامى ص: ١٠٠ - ١٠١.
[ ١ / ٢٨ ]
فَوَّض تدريسَها إليه، ثم قَالَ: ومن الممكن أن يُقَال اعتمادًا على نَصِّ ابن خَلِّكان: إنّ ابن السَّلَار لا صَلَاح الدين هو أوَّل من أوجَدَ المَدَارِس بديار مصر وإنّ الإسكندريّة هى أوَّل مدينة مصريّة عَرَفَتْ المَدَارِس، وعَقّب الشَّيَّال على قول ابن خَلِّكَان فقال: حَقيقةً إن الإسكندريّة كانت أوَّ مدينة مِصْرِيّة عَرَفَت المَدَارِس، ولكنّ مدرسةَ السِّلَفِيّ لم تكن أوَّل مدرسة أُنْشِأت فى الإسكندريّة، وإنَّما سَبَقَتْها مدرسةٌ أُخْرَى هى المدرسة الحَافِظيّة الَّتى أنشأها رضوان بن وخشيّ، وقد بُنِيَتْ هذه المدرسة الحَافِظيَّة قبل المدرسة السِّلَفِية (^١) باثنتى عشرة سَنَةً (^٢) فقد بُنِيت الأُولى فى سنة (٥٣٢) وبُنيت الثانية فى سَنَة (٥٤٤) وقد ذكر المؤلف مَنْصُور بن سَلِيم مَدْرَسَتَيْن أُخرَيَيْن فى هَذَا الكتاب، إحداهما مَدْرَسَة ابن حَبَاسَة، وهى التى أنشَأَها أبو منصور بن حَبَاسَة من تُجَّار الاسكندريّة وأعيانِها، أنشَأها لِلْعِلْم، ذَكَرَها فى ترجمة أبى الفتح مَنْصُور بن حَبَاسَة برقم (٢٠٥) وثَانيها مَدْرَسَة ابن حَدِيد، ذَكَرها فى ترجمة يَحْيي بن أبى مَلُّول الزَّناتِيّ برقم (٤٠١) هَذَا وقد نقلتُ فى بداية هذا البَحْث أنَّ صَلَاح الدِّين بنَى مَدْرَسَةً على ضريح المُعَظّم تُوران شَاه، ولم أجد غير هذه المَدَارس فيما لديّ من المَصَادِر، واعتقد أنّ مَا أهْمَل ذِكرَه المؤرِّخُون أكثر بِكَثِير مِمّا ذكروه، لأنَّ الإسكندريّةَ حَظِيتْ باهتمام المُلُوك والسَّلَاطين، خاصَّة فى العَصْر الأيُّوبيّ والمَمْلُوكيّ، وقد ذكر جَمَال الدِّين الشَّيَّال فى كتابه (^٣) بعض مَدَارس أخرى فى الإسكندريّة
_________________
(١) المَدْرَسة السِّلَفِيّة تُسَمَّى العادِليّة أيضًا، لأن الَّذِى بَنَاها المَلِك العَادِل وأَوقَفَهَا على أبى طَاهِر السِّلَفِيّ.
(٢) انتهى من تاريخ مدينة الإسكندريّة ص ك ٤٨ مختصرًا.
(٣) تاريخ الإسكندرية ص: ١٠٦ - ١١١.
[ ١ / ٢٩ ]
مثل "مدرسة عبد اللَّطِيف بن رشيد التكريتي" و"مَدْرَسة عبد اللّطيف بن محمد بن مسند" و"مدرسة عبد اللّطيف بن أحمد بن الكويك و"دار الحديث النَّبَهِيّة" و"المَدْرَسة الخَضْرَاء" و"مَدْرَسة الدَّمامِينِيّ" وغيرها، إلَّا أنَّ هذه المَدَارس أُنْشِئَت فى أواخِر حَيَاة المؤلِّف مَنْصُور بن سَلِيم أو بعده، وفى هذه البَلَد العَامِر الّذى ذكرت نُبذةً عنه وُلد مؤلّف هذا الكتاب وقَضَى مُعْظم حَيَاته فيه ثم مَاتَ فيه.
[ ١ / ٣٠ ]