عَاشَ مؤلِّفُنا مُعظم القَرْن السَّابِع، ويَعْتَبر المؤرخون هذا القَرنَ من النَّاحِية السِّيَاسِيَّة مُكملًا للسّياسة الَّتى كَانَ يَمرّ بها العَالَم الإسلامِيّ فى القَرنَين السَّابِقَيْن "الخَامسِ والسَّادِس" لأنَّ العَالَم الإِسلاميّ فى هذه القُرُون قد استُهدِف من قبل الأعداء الصَّلِيبيين الحَاقِدِين والمَغول العَابثِين ومَنْ تَبِعهم من المُنَافِقين، وذلك أنَّهم رَأوَا الفُرصَة مُتَاحَة لهم لانْشِغَال المُسْلمِين واختلافهم فيما بينهم ونشوب النزاعات المُسَلَّحة بين دويلاتهم التى تعَدَّدت وضعفت ورأوا أنَّ الخَليفة لَيْسَ له إلَّا الرُّسُوم إلَّا أن يكون فى عاصمة الخلافة بغداد.
واستعراض حَالة المُسْلمِين فى القُرُون الثَّلَاثة أمرٌ يَطُول، ولذا أُريد أن أستعرض الفَتْرة التى عَاشَها مؤلِّفُنا مَنْصُور بن سَلِيم الهَمْدَانيّ المَعْرُوف بابن فُتُوح وبابن العِماديَّة بالاختصار، وقد حَفِلت هذه الفترة بكثير من الأحْدَاث، خَاصَّة النّصف الأَوَّل من هذه الفترة من حَيَاتِه، وذلك أنَّ السُّلْطان الملك النَّاصرِ صَلَاح الدِّين يُوسُف بن أَيُّوب لَمَّا مَاتَ سَنَة (٥٨٩) تَقَسم ملكه بعده بين أبنائه، واختلفت كَلِمتُهم على المُلك، والأعداءُ بدأوا يَطْمَعُون فى أخذ الثَّأر من المسلمين والتَّشَفِّي من إهراق دمائهم، لَولَا أنَّ الله تَعَالَى جلّت قدرتُه تَدَاركَهُم بقدرته ولُطْفه على يد المَلكِ العَادِل سَيْف الدِّين المُتَوفَّى سنة (٦١٥) الَّذِى استطاع أن يُوَحِّد كَلِمةَ المسلمين (^١).
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ١٣/ ٢ وما بعده.
[ ١ / ١٨ ]
وبعد وفاة سَيْف الدين المَلِك العَادِلِ تَحْركت التَّتَار من الشَّرْق، وهم نوع من التُّرك، مَسَاكنِهم جِبال ضمعاج من نحو الصِّين، يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يُحَرِّمون شَيئًا، ولا يُحْصَون كَثْرَة، وبَدَأ تَحَرُّكُ الصَّلِيبِيِّين من الغرب، وكانوا ينتظرون انتهاء مدة الصُّلْح الَّتى كانت بينهم وبين المسلمين، والصَّليبيُّون فى أثناء الهُدْنَة يُهَيِّئُون أنْفسهم، ويُجْمِعُون جموعَهم لِشنِّ حَمْلَةٍ كُبْرَى على المُسْلِمين عند انتهاء الهُدنة وكانت مصْرُ عَاصِمَةً آنذاك فلذا حَوَّلوا وجهتَهم هذه المَرَّة إلى مصر بدل الشام فَاتَّجهوا إلى دميَاط، واستَوْلَوا عليها بعد مَعَارك ضارِيَة عام (٦١٦) (^١) وبقيت فى أيديهم حتى استنقذها الملك الكامل محمد بن عادل بن أيُّوب سنة (٦١٨) بعد مَوْت أبيه، ورَدَّهم على أعقابهم مُكْرَهين خَاسِرين (^٢).
وفى المشرق استَولَى التَّتَار على سَمَرقَنْد، وهَزَمُوا السُّلْطَان عَلَاء الدِّين، ومَلَكُوا الرّيّ وهَمَذَان وقَزْوِين، وحَارَبُوا الكَرَج، ومَلَكُوا فَرْغَانَة والتِّرمِذْ وخُوَارِزْم، وخُرَاسَان، ومرو، ونَيْسَابُور، وطُوس، وهَرَاة، وغَزْنَة (^٣).
وفى عام (٦٢٥) خَرَج التَّتَار إلى بلاد الإسلام، فكانت لهم عِدَّة حُرُوب مع السُّلْطان جَلَال الدِّين خوارزم شاه، كُسِر فيها غير مَرَّة، ثم ظَفِر أخيرا بهم، وهَزَمهم، فلما خَلا سره فيهم سَارَ إلى خِلَاط من بِلاد الأَشْرف، فَنَهَب وسَبَى الحَرِيم واسْتَرَقَّ الأَولَاد، وقتل الرِّجال، وخَرَّب القُرَي، وفعل ما لا يَفْعَله أهل الكُفْر، ثم عَادَ إلى بِلَادِه (^٤).
_________________
(١) البداية والنهاية ١٣/ ٨٠ وشذرات الذهب ٥/ ٦٥.
(٢) الكامل لابن الأثير ١٢/ ٣٣٠ والشذرات ٥/ ٧٩.
(٣) السلوك للمقريزي ١/ ١/ ٢٠٥ والبداية والنهاية ١٣/ ١٢٣ أيضًا.
(٤) راجع السلوك للمقريزى ١/ ١/ ٢٢٨.
[ ١ / ١٩ ]
ثم فى سنة (٦٢٨) وَصَل التَّتَر إلى إربل وإلى الجَزِيرَة ودِيَار بكر فَعَاثُوا بالفَسَاد يَمِينًا وشِمَالًا، وقَتَلُوا من المسلمين ما لا يُحْصي عَدَدَهم إِلَّا خَالِقُهم وفى عام (٦٢٩) تَمَّ استيلاءُ التَّتَر على إقليم أَرمِينِيَة وخِلَاط وسَائِر ما كان بِيَد الخوارِزمي (^١)، وبَقيت مَنَاطِق أخرى من بِلاد المُسْلِمين فى اضطِراب وتقلُّبات عَنيفة بين أُمراء المسلمين، حتى إنَّ الأفرنج طَمَعُوا فى المسلمين، واطمأنُّوا على ضَعْفِهم، فَعَمَّر الأفرنج فى القُدْس قَلْعَة، وجَعَلُوا بُرْج داود أحد أبراجها، فلما بَلَغ المَلِك النَّاصِر داود خَبَر بِنَاء هذا البُرج سَارَ إلى القُدْس، ورَمَى عليها بالمَجَانيق، حتى أخَذَها بعد واحدٍ وعشرين يومًا عَنْوَةً، وتأخر أخذ بُرْج داود أيامًا، ثم أخَذَ البُرْج من الأفرنج صُلْحًا على أنفسهم دون أموالهم، وهَدَم النَّاصِر برج داود، واستولى على القدس وأخرج منه الفرنج، فساروا إلى بلادهم، وهكذا رَجَعت القُدْس إلى حوزة المسلمين (^٢).
وفى عام (٦٣٧) أيضًا وَقَعَ بين الأَفْرنج وبين العَسْكر المصرىّ المسلم المُقيم بالسَّاحِل حَرْبٌ، وانكسر فيها الأفرنج، فقتل منهم حَوَالى ألفى شخص بينما لم يَتَعَدَّ عَدَد شُهَدَاء المسلمين العشر (^٣).
وفى عام (٦٥٦) مَلَك هلاكو سلُطان التَّتَار بغداد، وقَتَلُوا أكثر أهلِها، حتى الخَلِيفة، وهو المُستَعصم بالله عبد الله، وانقَرَضت بموته دَوْلَة بنى العَبَّاس منها، وقد تَكَلَّم ابن كَثِير عن سُقُوط بغداد فى يد التَّتَار وَتَسَلُّطِ هلاكو على بغداد، وكَيْفَ كانَت حَالةُ المسلمين وخليفتهم فى بغداد، ثم قَال: وذلك كُلُّه عن آراء الوَزِير ابن
_________________
(١) راجع السلوك ١/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) راجع السلوك ١/ ٢/ ٢٩١.
(٣) راجع البداية والنهاية ١٣/ ٢٠٠ والسلوك ١/ ٢/ ٤١٠.
[ ١ / ٢٠ ]
العَلْقَمِيّ الرَّافِضِيّ، وذَلك أنّه لَمّا كان فى السنة الماضِية بين أهل السُّنَّة والرَّافِضة حَرْب عَظيمة، نُهِبَت فيها الكرخ ومحلّة الرّافِضة، حتى نُهِبت دُوْر قَرَابات الوَزِير، فاشتَدَّ حنقهُ على ذَلك، فكان هذا مِما أهَاجَه على أنْ دَبَّر على الإسلام وأهْلِه ما وَقع من الأمر الفَظِيع الّذي لم يؤرّخ أبشع منه منذ بنيت بغداد، ثم ذكر الحَافِظ ابن كَثير ما يَدُلّ على أنّ هلاكو خان استعَدّ لِلصُّلح مع خَلِيفة المسلمين على أن يكون نِصْف خِراج العِرَاق لهم ونصفه لِلخَلِيفَة، إلَّا أنّ مَلأ من الرَّافِضَة وغيرهم من المُنَافِقين أشَارُوا على هلاكو خان أن لا يُصَالح الخَليفَة، وَقَال الوَزير، وهو العَلْقَمِي الرّافِضِي وزير خَلِيفَة المسلمين: متى وقع الصلح على المُنَاصَفَة لا يَسْتَمِر هَذَا إلّا عامًا أو عَامَيْن، ثم يَعُود الأمر إلى مَا كان عليه قبل ذلك، وحَسَّنُوا له قتل الخَلِيفَة، ويُقَال: إنّ الّذي أشَارَ بقتله الوَزير ابن العَلْقَمِى والمَوْلَى نَصِير الدِّين الطُّوسِّي (^١).
وفى عام (٦٥٨) حَاصَرَ التَّتَار مَدينة حَلب سَبْعَة أيَّام، ثم افتتحوها بالأمَان ثم غَدَرُوا بأهلها، وقتلوا خلقًا كثيرًا، وأسروا النساء والذريّة، ونَهَبوا الأموالَ واستَبَاحُوا فيها دِمَاء الخَلْق، وامَتَلأت الطُّرُقَات من القَتْلَى، وَصَارت عَسَاكِر التَّتَار تَمشِي على جيف من قُتِل، وأُسِرَ أكثر من مائة ألْفٍ من النساء والصِّبْيَان (^٢) وبعد أن مَلَك هلاكو حَلب، اتّجَه نَحْوَ دمشق، ليفعلُوا فيها نحو ما فَعَلُوا فى بغداد وحَلب، فقام الأمير سليمان بن المؤيّد وأغلق أبواب دمشق واستَشار مَنْ بَقِي بها
_________________
(١) راجع البداية والنهاية ١٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ انظر ترجمة ابن العلقمى المبير الرافضي فى سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٣٦١.
(٢) السلوك للمقريزي ١/ ٢/ ٤٢٢ والبداية والنهاية ٣/ ٢١٨.
[ ١ / ٢١ ]
وقَرَّر معهم تَسلِيم المدينة إلى هلاكو، وأظهروا له الانقياد والطَّاعَة، ودَخَل المغول المدينة دون إراقة دماء، فتسلمها منه فخر الدين المردغائي وابن صاحب أرزن والشريف عليّ، فَكَتَبُوا بذلك إلى هلاكو، فأوصَاهُم بأهل دمشق ونَهَاهم أن يأخُذُوا لأحد درهما فما فوقه. (^١)
ولقد تَشَجَّع النَّصَارى فى عهد التَّتَار، لأنّهم سَلّمُوا البلد إلى أمير منهم يقال له: ابل سَيَّان، وكان لعنة الله عليه - مُعَظِّمًا لدين النَّصَارَى فَكَانَ يُعَظِّم أسَاقِفَتَهم وقِسّيسَهم ويَزُور كَنَائسَهم، فَصَارَت لهم دولة وصَوْلَة بِسَبَبِه.
وكانت النَّصَارَى فى عهده يُنَادُون بِشعارهم الخَاصّ، ويَقُولُون: ظَهَر الدِّين الصَّحِيح دينُ المَسيح، ويَذُمُّون دينَ الإسلام وأهلَه، وكانوا يُنَظِّمون مَوَاكب عَامّة يُنْشِدُون فيها الأنَاشِيد ويحملون الصّلبان، ويُجْبِرُون المُسْلمِين على أن يَقُومُوا احتِرامًا لها، ومن أبَى تَعَرّضَ لِلسَّبِّ والشَّتْم والإهانَة، كما أنَّهم يَحْمِلُون الخَمْر يرشُّونَه على ثِيابِ المُسْلِمين ويَصُبُّون على أبواب المَسَاجد، ولما وَقَع هَذَا اجتمع قُضَاة المسلمين والشُّهُود والفُقَهاء ودَخَلُوا القَلْعَة يَشْكُون هذا الحَال إلى مُتَسلمها أمير التَّتَار "ابل سيَّان" ولكنه أهَانَهم وطَرَدَهم وقَدَّم كلَام رؤساء النّصَارَى عليهم، بدل أن يُنْصِفَهم ويَمْنَع النَّصَارَى عن فِعْلَتِهم النكْراء، فَإنّا لله وإنا إليه راجعون (^٢).
ولم يكتفِ هذا العابثُ بما فَعَل فى العِراق، وحَلَب والشام إضافة إلى ما سبق له فى البِلَاد الأخرى الَّتى دَخَلَها، بل أمر قَائدَه (كتبغانوين) بِتحريض من الصَّلِيبِيّين أن يَغْزُوا أرض مصر عَاصِمة المُسْلِمين بعد سُقُوط
_________________
(١) السلوك ١/ ٢/ ٤٢٤.
(٢) البداية والنهاية ١٣/ ٢١٨ - ٢٢٠ وعيون التواريخ ٢٠/ ٢٢٢ - ٢٢٧.
[ ١ / ٢٢ ]
بغداد فَاتّجَه إليها بِجيشِه المُكَوَّن من عَشْرة آلاف مقاتل، فأرسَل رسالة إلى المَلِك المُظَفّر قطز يُهَدِّده إن لم يُسَلِّم البلاد طَائعًا بنحو ما فعل فى بغداد، وحلب، ودمشق، وغيرها من الأرض، إلّا أنَّ تَهْدِيدَه لم يُحَرِّك سَاكِنًا عند قطز، بل قَتَل رُسلَه، واستَعَدَّ لِلِقائه، وبَادَرهم قبل أن يُبَادِروه، وأقْدَم عليهم قبل أن يُقْدِموا عليه، وسَارَ بجيشه فى قِيَادَة قائدِه "بيبرس البندقدارِيّ"، فَالتَقَى الجَيْشان عند عين جالوت فى الخامس والعشرين من رمضان، فَاقْتَتَلوا قِتَالًا شديدًا، فكَانت النّصرة للإِسلام وأهله - ولله الحمد، فهَزَمهم المُسْلِمون هَزِيمَة نَكراء، وقتل أمير المَغُول (كتبغانوين) ولم يَنْجُ من سُيُوف المسلمين أحدٌ من الصَّلِيبِيّين والمغول إلّا من وَلّى الأدبار وفَرَّ إلى وكره (^١).
فلما انجلَى غُبَارُ هذه المَعركة بالنَّصْر المؤزّر، دخل المَلِك المظَفَّر بلاد الشام دمشق، وحلب، وغيرها دخول الظّافر من غير مُنازع ولا مُنافس، بل دخلها فى أبّهة عَظيمة، فرح به النّاس فرحًا شديدًا ودعوا له دعاء كثيرا.
ثم جعل عليها وُلَاتَه وقُضَاتَه، ثم اتَّجَه بعد ذلك إلى مصر عاصِمة دولته فلم يكتب له الوُصُول إليها، بل أدركَتْه المَنِيَّة فى الطَّريق شَهيدًا على يد قائده الظّاهِر بيبرس، لما لَمْ يُكَافِئه على انتصَارِه الساحق على التَّتَار بولاية حَلَب حَسب ما كان قد وعده بها، وبعد ذلك اعتلى بيبرس البندقدَارِيّ عَرْش السلطنة بمصر، وَتَلَقّب بالمَلِك الظَّاهر، فَحَكم وعَدَل، وقَطَع، ووَصل، وولى، وعَزَل، وكان شَهْما شُجَاعًا، ونَظّم الأمُور، وأرسل العَسَاكر بالأسلحة لِحفظ الثُّغُور وَالمَعَاقِل، فلم
_________________
(١) راجع المختصر فى أخبار البشر ٣/ ٢٠٥ والبداية والنهاية ١٣/ ٢٢٠ - ٢٢١.
[ ١ / ٢٣ ]
يقدر التَّتَار على الدُّنُوّ من بلاد المسلمِين، واستمر بيبرس فيها يجاهد ضد الصَّلِيبِيين والمَغول، فاستَرَدّ الشويك، وعكا، والكَرَك، وفتح القَيْسَارِيّة عام (٦٦٣) وخَلّصَ حِمص من حملة الأفرنج، وهَاجَمَ صَفَد واستخلَصَها من أيدى الصَّلِيبِيين إلى أن جاء أجَلُه سنة (٦٧٦) (^١).
_________________
(١) راجع فوات الوفيات ١/ ٢٣٥ والوافى بالوفيات ١٠/ ٣٢٩.
[ ١ / ٢٤ ]