- يَبْدُو لِي أَنَّ أَوَّلَ مَنْ اخْتَصَرَهُ تِلْمِيْذُهُ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ أَبي الكَرَمِ المَقْدِسِيُّ الحَنْبَلِيُّ (ت: ٨١٩ هـ) - ﵀ - وَهُوَ الَّذِي اخْتَصَرَ "القَوَاعِدَ" لابنِ رَجَبٍ أَيْضًا، كَمَا في الجَوْهَرِ المُنَضَّدِ (٦٩).
وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ هَذَا أَخُو الشَّيْخِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ سُلَيْمَانَ بنِ أَبي الكَرَمِ المَعْرُوْفِ بِـ "أَبِي شَعْرٍ" (ت: ٨٤٥ هـ) الفَقِيهِ المَشْهُوْرِ، وَهُوَ أَيْضًا وَالِدُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ القَاضِي الحَنْبَلِيِّ (ت: ٨٤٧ هـ) الَّذِي ذَكَرَهُ السَّخَاوِيُّ فِي الضَّوْءِ اللَّامِعِ (١/ ٣٤٦)، وَقَالَ: "كَانَ ثَرِيًّا، مَعْدُوْدًا فِي رُؤَسَاءِ "دِمَشْقَ" مَذْكُوْرًا بِحُسْنِ المُبَاشَرَةِ، وَبِخَيْرٍ وَبِرٍّ. . ." وَأَخُوْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَهُمَا أَوْلَادٌ وَأَحْفَادٌ وَهُمْ مِنْ "آلِ قُدَامَةَ المَقَادِسَةِ".
- وَاخْتَصَرَهُ تِلْمِيْذُهُ أَيْضًا: عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عُرْوَةَ المَشْرِقِيُّ المَعْرُوْفُ
[ المقدمة / ٨٧ ]
بِـ "ابنِ زَكْنُونٍ" (ت: ٨٣٨ هـ) - ﵀ - كَمَا فِي الجَوْهَر المُنَضَّدِ (٩٦). قَالَ: "وَاخْتَصَرَ طَبَقَاتِ القَاضِي أَبي الحُسَيْنِ، وَطَبَقَاتِ ابنِ رَجَبٍ".
أَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: لا أَدْرِي أَضَمَّهُمَا في كِتَابٍ وَاحِدٍ، أَمْ هُمَا كِتَابَانِ، وَلَعَلَّ ابنَ عُرْوَةَ أَدْخَلَهُمَا في كِتَابِهِ الكَبِيْرِ "الكَوَاكِبُ الدَّرَارِيُّ في تَرْتِيْبِ مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى أَبْوَابِ البُخَارِي" فَإنَّ مُؤَلِّفَهُ يُدْخِلُ كُتُبًا كَامِلَةً دَاخِلَ الكِتَابِ. وَهُوَ في مَجلَّدَاتٍ كَثِيْرَةٍ جِدًّا، قَالَ ابنُ حُمَيْدٍ فِي السُّحُبِ الوَابِلَةِ (٢/ ٧٣٥) لَمَّا ذَكَرَ مُؤَلَّفَاتِهِ: "وَقَدْ رَأَيْتُ فِي رِحْلَتِي سَنَةَ (١٢٨١ هـ) فِي مَدْرَسَةِ شَيْخِ الإسْلَامِ أَبِي عُمَرَ مِنْهَا الكَثِيْرَ الطَّيِّبَ، مِنْهَا شَرْحُهُ المَذْكُوْرُ لـ "المُسْنَدِ" فِي مَائَةٍ وَسَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ مُجَلَّدًا مَكْتُوْبٌ عَلَيْهِ: وَقْفُ شَيْخِنَا المُؤَلِّفُ فِي مَدْرَسَةِ شَيْخِ الإِسْلَامِ أَبِي عُمَرَ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى آمِيْنَ". وَأَغْلَبُ هَذِهِ المُجَلَّدَاتِ الآنَ فِي المَكْتَبَةِ الظَّاهِرِيَّةِ، وَدَارِ الكُتُبِ المِصْرِيَّةِ. وَاسْتُخْرِجَ مِن هَذِهِ المُجَلَّدَاتِ بَعْضُ كُتُبِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهَا اسْتُخْرِجَ نُسْخَةٌ مِنَ "التَّوْضِيْحِ" لابنِ نَاصِرِ الدِّيْنِ الدِّمَشْقِيِّ. فَلَعَلَّ مُخْتَصَرَيْهِ هَذَيْنِ كَذلِكَ.
- وَاخْتَصَرَهُ تِلْمِيْذُهُ أَيْضًا: أَحْمَدُ بنُ نَصْرِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ التُّسْتَرِيُّ، البَغْدَايُّ، ثُمَّ المِصْرِيُّ، مُحِبُّ الدِّيْنِ (ت: ٨٤٤ هـ) - ﵀ -. وَقَبْلَ أَنْ أَتَحَدَّثَ عَنْ مُخْتَصَرِهِ هَذَا أُحِبُّ أَنْ أُشِيْرَ إِلَى أَنَّ ابنَ عَبْدِ الهَادِي فِي الجَوْهَرِ المُنَضَّدِ (٧) ذَكَرَ لَهُ كِتَابَ "الطَّبَقَاتِ" وَقَالَ: "أَرْبَعُ مُجَلَّدَاتٍ" وَاخْتَصَرَ "القَوَاعِدَ" وَأَظُنُّ ابنَ عَبْدِ الهَادِي خَلَطَ بَيْنَ أَحْمَدَ بنِ نَصْرِ اللهِ هَذَا، وأَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ نَصْرِ اللهِ (ت: ٨٧٦ هـ) وَهُوَ تِلْمِيْذُهُ، وَهَذَا الأَخِيْرُ أَكْثَرُ شُهْرَةً،
[ المقدمة / ٨٨ ]
وَأَكْثَرُ مُصَنَّفَاتٍ مِنْهُ، بَلْ هُوَ مُكْثِرٌ جِدًّا مِنَ التَّصْنيْفِ. يُرَاجَعُ مَا كَتَبَهُ فِي تَرْجَمَتِهِ الإِمَامُ السَّخَاوِيُّ فِي الضَّوْءِ اللَّامِعِ (١/ ٢٠٥) وَالذَّيْل عَلَى رَفْعِ الأُصُرِ (١٢ - ٦٢)، وَالدَّلِيْلُ عَلَى خَلْطِهِ أَنَّهُ لَقَّبَهُ (عِزَّ الدِّيْنِ)، وَهُوَ لَقَبُ (أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ) كَذلِكَ خَلَطَ فِي مُؤَلَّفَاتِهِمَا. وَمَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا "ابنُ نَصْرِ اللهِ" فَإِنَّهُ لَا تُوْجَدُ صِلَةُ نَسَبٍ بَيْنَهُمَا فَمُخْتَصَرُ "الذَّيْلِ. . ." تُسْتَرِيٌّ، بَغْدَادِيٌّ، ثُمَّ مِصْرِيٌّ، فَلَعَلَّهُ مِنْ أَصْلٍ فَارِسِيٍّ. وَأَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ كِنَانِيُّ عَسْقَلَانِيُّ الأَصْلِ، ثُمَّ مِصْرِيٌّ، لَعَلَّهُ مِنْ أَصْلٍ عَرَبِيٍّ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أُسْرَةٌ عِلْمِيَّةٌ، فِيْهَا كَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاءِ. وَأَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ أَلَّفَ ثَلَاثَةَ كُتُبٍ فِي "طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ" كَمَا سَيَأْتِي.
ومُخْتَصَرُ "الذَّيْلُ" هَذا تَحْتَفِظُ مَكْتَبَةُ عُمُوْميَّةِ بايَزِيْد في تُركِيَّا بِنُسْخَةٍ مِنْهُ رقم (٥١٣٥) في (١١٦) وَرَقَةً، أَغْلَبُهُ بِخَطِّ مُصَنِّفِهِ، وَفِيْهِ أَوْرَاقٌ بِخَطِّ أَحْمَدَ بنِ إبْرَاهِيْمَ بنِ نَصْرِ اللهِ المَذْكُوْرِ، وَهِيَ أَوْرَاقٌ مُتَفَرِّقَةٌ، جَاءَ عَلَى غُلَافِ النُّسْخَةِ: ". . . وَهُوَ بِخَطِّهِ إِلَّا مَوَاضِعَ يَسِيْرَةً بَعْضُهَا بِخَطِّ شَيْخِنَا قَاضِي القُضَاةُ عِزِّ الدِّيْنِ الكِنَانِيِّ، وَبَعْضُهَا بِخَطِّ غَيْرِهِ" قَالَ فِي المُخْتَصَرِ في المُقَدِّمَةِ: "الحمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ، والصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ المُرْسَلِيْنَ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّيْنَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِيْنَ. وَبَعْدُ فَقَدِ اسْتَخَرْتُ اللهَ تَعَالَى فِي اخْتِصَارِ" طَبَقَاتِ الأصْحَابِ" الَّذِيْنَ دَوَّنَهُمْ شَيْخُنَا حَافِظُ وَقْتِهِ وَزَمَانِهِ، فَرِيْدُ دَهْرِهِ وَأَوَانِهِ، الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ [أَحْمَدَ] بنِ رَجَبٍ البَغْدَادِيُّ، الحَنْبَلِيُّ، تَغَمَّدَهُ اللهُ برَحْمَتِهِ وَأَسْكَنَهُ فَسِيْحَ جَنَّتِهِ".
وَقَالَ في خَاتِمَتِهِ: تَمَّ الكِتَابُ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى وَتَوْفِيْقِهِ، مَعَ اخْتِصَارِ
[ المقدمة / ٨٩ ]
كَثِيْرٍ مِنْ التَّرَاجِمِ أَوْ أَكْثَرِهَا، وَكَثِيْرٌ مِنْهَا نُقِلَتْ بِكَمَالِهَا، عَلَّقَهُ لِنَفْسِهِ فَقِيْرُ رَحْمَةِ رَبِّهِ أَحْمَدُ بنُ نَصْرِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ البَغْدَادِيُّ الحَنْبَليُّ - غَفَرَ اللهُ ذُنُوْبَهُ - وَكَانَ الفَرَاغُ مِنْهُ يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَمَانِمَائَةَ بِالمَدْرَسَةِ المَنْصُوْرِيَّةِ بِـ "القَاهِرَةِ" المَحْرُوْسَةِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ" وَكَلَامُ المُؤَلِّفُ (المُخْتَصِرُ) يُغْنِيْنَا عَنْ وَصْفِ عَمَلِهِ.
وَتَأْتِي أَهَمِّيَّةُ هَذَا المُخْتَصَرِ مِنْ طَرِيْقَيْنِ:
الطَّرِيْقُ الأُوْلَى: ضَبْطُ وَتَصْحِيْحُ كِتَابِ "الذَّيْلِ. . ." لابنِ رَجَبٍ عِنْدَ اخْتِلَافِ نُسَخِهِ؛ لأَنَّ أَغْلَبَ هَذِهِ النُّسْخَةِ بِخَطِّ مُؤَلِّفَهَا (مُخْتَصِرِهَا)، وَهُوَ عَالِمٌ فَاضِلٌ مِنْ تَلَامِيْذِ المُؤَلِّفِ. رَوَى الكِتَابَ عَنْهُ، وَالَّذِي قَامَ بِتَرْمِيْمِ النُّسْخَةِ عَالِمٌ، فَاضِلٌ، مُتَخَصِّصٌ بِتَرَاجِمِ الحَنَابِلَةِ هُوَ القَاضِي عِزُّ الدِّيْنِ مِمَّا يُعْطِي طُمَأْنِيْنَةً كَامِلَةً لِسَلَامَةِ نُصُوْصِهِ مِنَ التَّصْحِيْفِ وَالتَّحْرِيْفِ.
وَالطَّرِيْقُ الثَّانِيةُ: أَنَّ عَلَى بَعْضِ هَوَامِشِ النُّسْخَةِ تَعْلِيْقَاتٌ - وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ قَلِيْلَةً - فَهِيَ مُفَيْدَةٌ عَلَّقَهَا المُخْتَصَرُ (ابنُ نَصْرِ اللهِ) بِعُنْوَانَ "حَاشِيَةٌ" لِيُدَلِّلَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ سَقْطًا مِنْ كَلَامِ ابنِ رَجَبٍ. وَهَذِهِ النُّسْخَةِ لَا تَخْلُو مِنْ بَعْضِ النَّقْصِ وَالطَّمْسِ، لَا سِيَّمَا أَنَّ الصُّوْرَةَ الَّتِي وَصَلَتْنِي لَمْ تَكُنْ بِالجَيِّدَةِ، وفي تَصْوِيْرِهَا اهْتِزَازٌ في بَعْضِ الصَّفَحَاتِ.
- وَاخْتَصَرَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ إِبْرَاهِيْمُ بنُ صَالِحِ بن عِيْسَى المُؤَرِّخُ، النَّجْدِيُّ، النَّسَّابَةُ (ت: ١٣٤٣ هـ) - ﵀ -، وَلَسْتُ عَلَى يَقِيْنٍ مِنْ ذلِكَ، وَإِنَّمَا
[ المقدمة / ٩٠ ]
رَأَيْتُ أَوْرَاقًا بِخَطِّهِ، ذَكَرَ فِيْهَا أَنَّهُ اخْتَصَرَهَا مِنْ كِتَابِ ابنِ رَجَبٍ، فَهَلْ فَعَلَ ذلِكَ، أَوْ هُوَ مَشْرُوْعٌ لَمْ يَتِمَّ؟ وَرَأَيْتُ لَهُ بِخَطِّهِ أَوْرَاقًا قَلِيْلَةً بِخَطِّهِ أَيْضًا بَعْضُهَا مُخْتَصَرَةٌ مِنْ كَلَامِ ابنِ رَجَبٍ وَبَعْضُهَا بَعْدَ فَتْرَتِهِ، فِي المَكْتَبَةِ السُّعُوْدِيَّةِ التَّابِعَةِ لإدَارَاتِ البُحُوْثِ العِلْمِيَّةِ وَالإفْتَاءِ، هِيَ الآنَ فِي مَكْتَبَةِ المَلِكَ فَهْدٍ الوَطَنِيَّةِ، لِذلِكَ هَلْ كَانَ الشَّيْخُ يَهْدِفُ لاخْتِصَارِ كِتَابِ ابنِ رَجَبٍ حَقًّا؟ أَوْ كَانَ يَهْدِفُ لِجَمْعِ كِتَابٍ شَامِلٍ مُخْتَصَرٍ فِي طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ، كَمَا فَعَلَ الشَّيْخُ جَمِيْلٌ الشَّطِّيُّ؟ أَوْ هِيَ اخْتِيَارَاتٌ لِتَرَاجِمٍ بِأَعْيَانِهَا، جَعَلَهَا كَالتَّذْكَرَةِ؟ كَذَا أَظُنُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.