لَمَّا حَصَّلَ الحَافِظُ العِلْمَ في رِحْلَتِهِ، وَأَفَادَ مِمَّا عِنْدَ شُيُوْخِهِ مِنَ العِلْمِ،
_________________
(١) الذَّيْلُ عَلَى الطَّبَقَاتِ (١/ ٤٤٦).
(٢) أَخْبَارُهُ فِي: الدُّرَرِ الكَامِنَةِ (٢/ ١٦٥)، وَالدَّارِسِ (١/ ٤٨٩)، وَالقَلَائِدِ الجَوْهَرِيَّةِ (١/ ٢٢٦)، وَالشَّذَرَاتِ (٦/ ٢١٤).
(٣) الجَوْهَرُ المُنَضَّدِ (٣٧). وَابنُ شَيْخِ السَّلَامِيَّةِ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي شُيُوْخِهِ. اسْمُهَا: التُّرْبَةُ العِزِّيَّةُ البَدْرَانِيَّةُ الحَمْزِيَّةُ كَمَا فِي الدَّارِسِ (٢/ ٢٠١) وَنَقَلَ عَنِ ابنِ قَاضِي شُهْبَةَ قَوْلُهُ: "وَوَقَفَ دَرْسًا بِتُرْبَتِهِ بِـ "الصَّالِحِيَّةِ" وَكُتُبًا، وَعَيَّنَ لِذلِكَ الشَّيْخَ زَيْنَ الدِّيْنِ بنِ رَجَبٍ".
(٤) مَنْسُوْبَةٌ إِلَى وَاقِفِهَا شَرَفِ الدِّيْنِ السُّكَّرِيِّ (ت: ٦٧١ هـ) وَهِيَ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُها شَيْخُ الإسْلَامِ تَقيُّ الدِّين أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الحَلِيْمِ بنِ تَيْمِيَّةَ الحَرَّانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. وَأَلَّفَ الأُسْتَاذُ مُحَمَّدُ مُطِيْع الحَافِظ "دَارَ الحَدِيْثِ السُّكَّرِيَّةِ" (ط) فِي دَارَ البَشَائِرِ هَذَا العَامِ ١٤٢٤ هـ.
[ المقدمة / ٣٣ ]
وَرَوَى الحَدِيْثَ عَنْهُمْ، وَأَصْبَحَ مُتَمَكِّنًا مِنَ العِلْمِ تَصَدَّرَ لِلْعِلْمِ وَتَصَدَّى لِلتَّدْرِيْسِ وَالتَّأْلِيْفِ. أَثْنَى عَلَيْهِ كَثِيْرٌ مِنْ مُعَاصِرِيْهِ وَمَنْ أَتَى بَعْدَهُمْ بِالتَّقَدُّمِ فِي العِلْمِ وَالرِّوَايَةِ وعَدُّوْهُ مِنْ كِبَارِ الحُفَّاظِ الثِّقَاتِ في زَمَنِهِ، صَادِقَ اللَّهْجَةِ، زَاهِدًا، وَرِعًا، مُجْتَهِدًا في العِبَادةِ وَطَلَبِ العِلْمِ وَالتَّهَجُّدِ.
قَالَ تِلْمِيْذُهُ ابنُ اللَّحَّامِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ (ت: ٨٠٣ هـ) (^١): "سَيِّدُنَا وشَيْخُنَا الإِمَامُ، العَالِمُ، العَلَّامَةُ، الأَوْحَدُ، الحَافِظُ، شَيْخُ الإسْلَامِ، مُجَليِّ المُشْكِلَاتِ، ومُوَضِحُ المُبْهَمَاتِ"، وَقَالَ: "شَيْخُنَا الإِمَامُ، العَالِمُ، الحَافِظُ، بَقِيَّةُ السَّلَفِ الكِرَامِ، وَحِيْدُ عَصْرِهِ، وَفَرِيْدُ دَهْرِهِ، شَيْخُ الإِسْلَامِ. . .".
قَالَ شِهَابُ الدِّيْنِ ابنُ حِجِّي (ت: ٨١٦ هـ) (^٢): - فِيْمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابنُ قَاضِي شُهْبَةَ - قَالَ (^٣): "قَالَ شَيْخُنَا: كَانَ قَدْ قَرَأَ، وَأَتْقَنَ الفَنَّ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَى الاشْتِغَالِ بِمَعْرِفَةِ فُنُوْنِ الحَدِيْثِ وَعِلَلِهِ وَمَعَانِيْهِ، وَانْفَرَدَ وَحْدَهُ بِكُتُبٍ، …، وَكَانَ يَحْفَظُ كَثِيْرًا مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ، وَكَانَ مُنْجَمِعًا عَنِ النَّاسِ، لا يُخَالِطُ، وَلَا يَتَرَدَّدُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ ذَوِي الوِلَايَاتِ وَكَانَ فَقِيْرًا، مُتَعَفِّفًا، غَنِيَّ النَفْسِ، وَحَجَّ، وَبِالجُمْلَةِ فَلَمْ يَخْلُفْ بَعْدَهُ مِثْلَهُ".
_________________
(١) الجَوْهَرُ المُنَضَّدِ (٤٧).
(٢) هُوَ أَحْمَدُ بنُ حِجِّي بنِ مُوْسَى الحُسْبَانِيُّ الأَصْلِ، الدِّمَشْقِيُّ (ت: ٨١٦ هـ) لَهُ تَارِيْخٌ ذَيْلَ بِهِ عَلَى تَارِيْخِ الحَافِظِ ابنِ كَثيْرٍ "البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ" طُبِعَ أَخِيْرًا في هَذَا العَامِ سَنَةَ (١٤٢٤ هـ) في دَارِ ابنِ حَزْمٍ بِبَيْرُوت، وَالنُّسَخُ الَّتي اعْتَمَدَ عَلَيْهَا المُحَقِّقُ نَاقِصَةُ الأَوَّلِ تَبْدَأُ بِحَوَادِثِ وَوَفَيَات سَنَةِ (٧٩٦ هـ)، أَيْ: بَعْدَ وَفَاةِ الحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ بِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
(٣) تارِيْخُ ابنِ قَاضِي شُهْبَةَ (١/ ٣/ ٤٨٨)، وَعَنْهُ فِي الجَوْهَرِ المُنَضَّدِ (٤٨).
[ المقدمة / ٣٤ ]
وَنَقَلَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ في "إِنْبَاءِ الغُمُر" (^١) عَنِ ابنِ حِجَّي قَوْلَهُ فيه: "أَتْقَنَ الفَنَّ، وَصَارَ أَعْرَفَ أَهْلِ عَصْرِهِ بِالعِلَلِ وَتَتَبُّعِ الطُّرُقِ، وَكَانَ لا يُخَالِطُ أَحَدًا، وَلَا يَتَرَدَّدُ إِلَى أَحَدٍ".
وَقَالَ ابنُ نَاصِرِ الدِّين الدِّمَشْقِيُّ (ت: ٨٤٢ هـ) (^٢): "الشَّيْخُ، الإِمَامُ، العَلَّامَةُ، الزَّاهِدُ، القُدْوَةُ، الحَافِظُ، العُمْدَةُ، الثِّقَةُ، الحُجَّةُ، وَاعِظُ المُسلِمِينَ مُفِيْدُ المُحَدِّثِيْنَ … أَحَدُ الأَئِمَّةِ الزُّهَّادِ، وَالعُلَمَاءِ العُبَّادِ. . ." وَعَدَّةُ فِي بَدِيْعِيَّتِهِ "البَيَانِ .. " مِنْ كِبَارِ الحُفَّاظِ فَقَالَ:
وَالرَّجَبِيُّ المُحَرِّرُ السَّلَامِي … ذُو هِمَّةٍ صَالِحَةِ النِّظَامِ
قَالَ فِي شَرْحِهَا (^٣): "هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَحْمَدَ بنِ رَجَبٍ … الدِّمَشْقِيُّ، أَبُو الفَرَجِ. . .".
وَقَالَ ابنُ قَاضِي شُهْبَةَ (ت: ٨٥١ هـ) (^٤): "الشَّيْخُ، الإِمَامُ، العَلَّامَةُ، الحَافِظُ، الزَّاهِدُ، الوَرِعُ، شَيْخُ الحَنَابِلَةِ، وَفَاضِلُهُم، أَوَحَدُ المُحَدِّثِيْنَ".
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ (ت: ٨٥٢ هـ) (^٥): "وَمَهَرَ فِي فُنُوْنِ الحَدِيْثِ أَسْمَاءً وَرِجَالًا وَعِلَلًا، وَطُرُقًا، وَاطِّلَاعًا عَلَى مَعَانِيْهِ … وَكَانَ صَاحِبَ عِبَادَةٍ وَتَهَجُّدٍ".
_________________
(١) إنْبَاءُ الغُمُرِ لِلْحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ (١/ ٤٦١).
(٢) الرَّدُّ الوَافِرُ (١٧٦)، وَعَنْهُ فِي الجَوْهَرِ المُنَضَّدِ (٤٧).
(٣) التِّبْيَانُ شَرْحُ بَدِيْعِيَّةِ البَيَانِ (وَرَقَة: ١٥٩).
(٤) تَارِيْخُ ابنُ قَاضِي شُهْبَةَ (١/ ٣/ ٤٨٨).
(٥) إنْبَاءُ الغُمُر (١/ ٤٦١).
[ المقدمة / ٣٥ ]
وَقَالَ ثَانِيَةً (^١): "الشَّيْخُ، المُحَدِّث، الحَافِظُ. . .".
وَقَالَ التَّقِيُّ الفَاسِيُّ (^٢) (ت: ٨٧١ هـ): "الإِمَامُ، الحَافِظُ، الحُجَّةُ، وَالفَقِيْةُ، العُمْدَةُ، أَحَدُ العُلَمَاءِ الزُّهَّادِ، وَالأَئِمَّةِ العُبَّادِ، مُفِيْدُ المُحَدِّثِيْنَ، وَاعِظُ المُسْلِمِيْنَ … وَكَانَ إِمَامًا، وَرِعًا، زَاهِدًا، مَالَتْ القُلُوْبُ بِالمَحَبَّةِ إِلَيْهِ، وَاجْتَمَعَتِ الفِرَقُ عَلَيْهِ، كَانَتْ مَجَالِسُ تَذْكِيْرِهِ لِلنَّاسِ عَامَّةً نَافِعَةً، وَللقُلُوْبِ صَادِعَةً. . .".
وَقَالَ ابنُ مُفْلِحٍ (^٣) (ت: ٨٨١ هـ): "وَكَانَ لا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ أُمُوْرِ النَّاسِ، ولَا يَتَرَدَّدُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ ذَوِي الوِلَايَاتِ".
وَقَالَ ابنُ عَبْدِ الهَادِي (ت: ٩٠٩ هـ) (^٤): الشَّيْخُ، الأَوْحَدُ، قُدْوَةُ الحُفَّاظِ، جَامِعُ الشَّتَّاتِ وَالفَضَائِلِ … الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، البَارِعُ، الأُصُوْلِيُّ، المُفِيْدُ، المُحَدِّثُ".
قال السَّخَاوِيُّ (^٥) (ت: ٩٠٢ هـ): ". . . مَعَ العِبَادَةِ والتَّهَجُّدِ، وَعَدَمِ التَّرَدُّدِ إِلَى النَّاسِ، بَلْ جَمَعَ نَفْسَهُ عَلَى التَّصْنِيْفِ وَالإِقْرَاءِ. . .".
وَقَالَ السُّيُوْطِيُّ (^٦) (ت: ٩١١ هـ): "الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُحَدِّثُ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ … أَكْثَرَ الاشْتِغَالَ حَتَّى مَهَرَ، وَصَنَّفَ. . .".
_________________
(١) الدُّرَرُ الكَامِنَةِ (٢/ ٤٢٨).
(٢) ذَيْلُ التَّقْيِيْدِ (٢/ ٧٢).
(٣) المَقْصَدُ الأَرْشَدُ (٢/ ٨١).
(٤) الجَوْهَرُ المُنَضَّدُ (٤٨).
(٥) الذَّيْلُ التَّام (١/ ٣٧٣).
(٦) ذَيْلُ تَذْكَرةُ الحَفَّاظ (٣٦٧).
[ المقدمة / ٣٦ ]
وَقَالَ العُلَيْمِيُّ (^١) (ت: ٩٢٨ هـ): "الشَّيْخُ، الإِمَامُ، العَالِمُ، العَامِلُ، العَلَّامَةُ، الزَّاهِدُ، القُدْوَةُ، البَرَكَةُ، الحَافِظُ، العُمْدَةُ، الثِّقَةُ، الحُجَّةُ، زَيْنُ المِلَّةِ وَالشَّرِيْعَةِ وَالدُّنْيَا وَالدِّيْنِ، شَيْخُ الإسَلَامِ، وَاحِدُ الأَعْلَامِ، وَاعِظُ المُسْلِمِيْنَ، مُفِيْدُ المُحَدِّثِيْنَ، جَمَالُ المُصَنِّفِيْنَ، أَبُو الفَرَجِ … كَانَ أَحَدَ الأَئِمَّةِ الحُفَّاظِ الكِبَارِ، والعُلَمَاءِ الزُّهَّادِ الأَخْيَارِ، وَكَانَتْ مَجَالِسُهُ تَذْكِرَةً لِلْقُلُوْبِ صَادِعَةٌ، وللنَّاسِ عَامَّةً مُبَارَكَةً نَافِعَةً، اجْتَمَعَتِ الفِرَقُ عَلَيْهِ وَمَالَتْ القُلُوْبُ بِالمَحَبَّةِ إِلَيْهِ".
وَتَكَادُ تُجْمِعُ أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِيْهِ عَلَى بَرَاعَتِهِ فِي الوَعْظِ، وَمَعْرِفَتِهِ التَّامَّةِ في الفِقْهِ، وَأَنَّهُ ثِقَةٌ في الحَدِيْثِ، دِرَايَةً وَرِوَايَةً، ذُو مَعْرِفَةٍ بالعِلَلِ وَالرِّجَالِ. وَأَنَّه كَانَ مِنَ القُرَّاءِ، لكِنَّهُ لم يَتَمَيَّز فيها تَمَيّزًا ظَاهِرًا كَتَمَيُّزُ فِي الفُنُوْنِ المَذْكُوْرَةِ، وَلَا كَتَمَيُّزِ وَالِدِهِ فِيْهَا، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِالنَّحْوِ وَاللُّغةِ وَالأَدَبِ. والمُطَّلعُ عَلَى مُؤَلَّفَاتِهِ يُدْرِكُ ذلِكَ، ومِثْلُ ذلِكَ يُقَالُ في مَعْرِفَتِه للعَقَائِدِ وَاطِّلاعِهِ التَّامِّ عَلَى المَذَاهِبِ المُختَلِفَةِ في ذلِكَ واتِّباعِهِ مَذْهَبَ السَّلَفِ الَّذِي كَانَ يَحْفَظُ كَثِيْرًا مِنْهُ (^٢)، وَكَانَ جُلُّ اهْتِمَامِهِ بالحَدِيْثِ وَالوَعْظِ وَالفِقْهِ، مُتَخَصِّصًا بِهَا، بَارِعًا كُلَّ البَرَاعَةِ فِيْهَا.