لَا أَعْلَمُ أَحَدًا اسْتَدْرَكَ عَلَى كِتَابِ الحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ، أَوْ رَدَّ عَلَيْهِ وَانْتَقَدَهُ فِيْهِ في مُؤَلَّفٍ خَاصٍّ، إِلَّا أَنَّ ابنُ حُمَيْدٍ مُؤَلِّفُ "السُّحُبِ الوَابِلَةِ" وَقَفَ عَلَى نُسْخَةِ (أ) مِنَ "الذَّيْلِ عَلَى الطَّبَقَاتِ" وَقَرَأَهَا، ثُمَّ تَتَبَّعَ تَرَاجِمَهَا، فَوَجَدَ الاسْتِدْرَاكُ عَلَيْهِ مُمْكِنًا، فَقَيَّدَ بَعْضَ التَّرَاجِمِ فِي هَوَامِشِ النُّسْخَةِ مِنْ مَصَادِرَ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَلْحَقَ أَوْرَاقًا فِي آخِرِ النُّسْخَةِ فِيْهَا تَرَاجِمُ أُخْرَى، اسْتَدْرَكَ أَغْلَبَهَا
_________________
(١) لَا تَرْبِطُنِي بالشَّيْخِ المَذْكُوْرِ - ﵀ - صِلَةُ قَرَابَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقٌ بِاسْمِ الجَدِّ الأعْلَى "عُثَيْمِيْن" تَصْغِيْرُ عُثْمَان عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَأُسْرَتُنَا تُعْرَفُ بِـ "آلِ مُقْبِلٍ" من آلِ بَسَّامٍ وَأَصْلُهَا مِنْ بَلَدِ "أُشَيْقِرَ" وَارْتَحَلَ جَدُّنا الأَعْلَى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) إِلَى "عُنَيْزَةَ" وفي القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ الهَجْرِيِّ تَقْرِيْبًا. وَيُرَاجع: المُنْتَخَبُ في أَنْسَابِ العَرَبِ لابنِ زَيْدٍ: ١٧٢. قَالَ: وَمِنْ آلِ بَسَّامِ بنِ عَسَاكِرِ … آلُ عُثَيْمِيْنَ بنُ مُقْبِلٍ المَعْرُفُوْنَ فِي "شَقْرَاءَ" وَ"القَرَائِنَ" وَ"عُنَيْزَةَ".
[ المقدمة / ٩٧ ]
مِنَ "الدُّرَرِ الكَامِنَةِ" رِجَالًا وَنِسَاءً. قَالَ ابنُ حُمَيْدٍ - ﵀ -: "الحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ [وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ] إِعْلَمْ أَنَّ المُؤَلِّفَ [ابنَ رَجَبٍ - ﵀ -] لَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ الخَمْسِيْنَ وَسَبْعِمَائَةَ [أَحَدًا] كَمَا تَرَى، مَعَ أَنَّ وَفَاتَهُ تَأَخَّرَتْ إِلَى سَنَةِ (٧٩٥ هـ) لَكِنْ كَأَنَّ المَنِيَّةَ اخْتَرَمَتْهُ، وَقَدْ تَرَكَ جَمًّا غَفِيْرًا، خُصُوْصًا مِنْ أَهْلِ المَائَةِ الثَّامِنَةِ الَّذِيْنِ هُمْ فِي عَصْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرَ مِنْهُمُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ أَيْضًا جُمْلَةً. فَأَمَّا مَنْ بَعْدَ الخَمْسِيْنَ وَسَبْعِمَائَةَ فَجَمَعْتُهُم إِلَى زَمَنِي فِي طَبَقَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ سَمَّيْتُهَا "السُّحُبَ الوَابِلَةَ عَلَى ضَرَائِحِ الحَنَابِلَةِ" وَأَمَّا مَنْ أَهْمَلَ ذِكْرَهُمْ مِمَّنْ قَبْلُ فَتَتَبَّعْتُ جُمَلًا مِنْهُمْ، وَجَمَّعْتُهُ، لَكِنْ لَمْ يَتَّسِعْ هَامِشُ هَذِهِ النُّسْخَةِ لِنَقْلِ عُشْرِهِمْ، فَنَقَلْتُ بعْضَهُ فِي أَوْرَاقٍ، وَأَنَا عَلَى عَزْمٍ أَنْ أَجْمَعَهُمْ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، مِنْ أَوَّلِ ابْتِدَائِهِ إِلَى انْتِهَائِهِ، وَأُرَتِّبُهُ إِمَّا عَلَى السِّنِيْنِ كَالأصْلِ، وَإِمَّا عَلَى الأَسْمَاءِ وَهُوَ أَسْهَلُ وَأُسَمِّيْهِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - "غَايَةَ العَجَبِ فِي تَتِمَّةِ طَبَقَاتِ ابنِ رَجَبٍ".
أَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: لَا أَدْرِي بَعْدَ ذلِكَ، هَلْ تَمَّ لَهُ مَا أَرَادَ، وَجَمَعَ الكِتَابَ، أَوْ اخْتَرَمَتْهُ هُوَ المَنِيَّةُ وَلَمْ يَفْعَلْ؟ وَقَدْ جَمَعْتُ كُلَّ مَنِ اسْتَدْرَكَهُ فِي هَوَامِشِ النُّسْخَةِ، وَمَنْ ذَكَرَهُمْ فِي الأَوْرَاقِ المُرْفَقَةِ بالنُّسْخَةِ، وَرَتَّبْتُهَا عَلَى حُرُوْفِ المُعْجَمِ وَخَرَّجْتُ التَّرَاجِمِ وَعَلَّقْتُ عَلَيْهَا، وَأَلْغَيْتُ المُكَرَّرَ، تَمْهِيْدًا لِنَشْرِهَا، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ رَجَعْتُ إِلَى المَصَادِرِ الَّتِي رَجَعَ إِلَيْهَا وَأَغْرَبُهَا تَارِيْخُ ابنِ رَسُوْلٍ "نُزْهَةُ العُيُوْنِ. . ." في مُجَلَّدَيْنِ كَبِيْرَيْنِ جِدًّا في دَارِ الكُتُبِ بِالقَاهِرَةِ، وَهُوَ مِنْ مَصَادِرِي، وَللهِ المِنَّةُ. وَعَدَدُ التَّرَاجِمِ الَّتِي اسْتَدْرَكَهَا
[ المقدمة / ٩٨ ]
(١٥٢) تَرْجَمَةً.
وَعَدَدُ مَنْ ذَكَرَهُم ابنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ مِنَ العُلَمَاءِ (٦٠٠) سِتُّمَائَةَ تَرْجَمَةً، وَهَذَا العَدَدُ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ وَرَدَ لَهُ ذِكْرٌ في كِتَابِ الحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ، يَسْتَوِي فِي ذلِكَ مَنْ خَصَّهُم بِالتَّرَاجِمِ، أَوْ ذَكَرَهُمْ فِي سِيَاقِ تَرَاجِمِ غَيْرِهِمْ. وَهَذَا عَدَدٌ قَلِيْلٌ مِنْ كَثِيْرٍ، فَقَدِ اسْتَدْرَكْتُ عَلَيْهِ مَا يَزِيْدُ مِنْ (١٥٥٠) خَمْسِيْنَ وَخَمْسِمَائَةٍ وَأَلْفِ تَرْجَمَةَ وَلَا يَزَالُ الاسْتِدْرَاكُ عَلَيْهِ مُمْكِنًا أَيْضًا، وَقَدْ سَلَكْتُ فِي إِيْرَادِ هَذَا الاسْتِدْرَاكِ المَنْهَجِ الَّذِي سَلَكَهُ المُؤَلِّفُ نَفْسُهُ فِي إِيْرَادِ التَّرَاجِمِ لِيَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَى الاسْتِدْرَاكِ.
وَرُبَّمَا قِيْلَ: هَؤُلَاءِ الَّذِيْنِ اسْتَدْرَكْتَهُم عَلَى الحَافِظ - وَإِنْ كَانُوا حَنَابِلَةً - لَيْسُوا مِنَ الفُقَهَاءِ أَوْ عَلَى الأقَلِّ لَمْ يَشْتَهِرُوا بِالفِقْهِ، فَلَمْ يَكُنِ الفِقْهُ مِنْ بَيْنِ اهْتِمَامَاتِهِم الرَّئِيْسَةِ، وَهُوَ إِنَّمَا خَصَّ كِتَابَهُ بِالفُقَهَاءِ مِنَ الحَنَابِلَةِ، يُفْهَمُ ذلِكَ مِن قَصْدِ المُؤَلِّفِ فِي جَمْعِ الكِتَابِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحِ بِهِ.
فَالجَوَابُ: أَنَّ الحَافِظَ - ﵀ - لَمْ يَشْتَرِطْ فِي كِتَابِهِ أَنْ يَكُوْنُوا فُقَهَاء، فَلَم ينُصَّ عَلَى ذلِكَ فِي مُقَدِّمَتِهِ، وَلَا ضَمِنَهَا عُنْوَانَهُ، هَذَا مِنْ نَاحِيَةٍ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ المُتَتَبِّعَ لِتَرَاجِمِ الكِتَابِ يَجِدُ أَنَّ فِي كِتَابِهِ (٨١) وَاحِدًا وَثَمَانِيْنَ تَرْجَمَةً لَيْسَ فِيْمَا نَقَلَ المُؤَلِّفُ مِنْ أَخْبَارِهِم مَا يَدُلُّ عَلَى أَيِّ اهْتِمَامٍ لَهُم بِالفِقْهِ، لَا تَعَلُّمًا وَلَا تَعْلِيْمًا (^١). تُرَاجَعُ التَّرَاجِمُ ذَاتُ الأَرْقَامِ التَّالِيَةِ:
_________________
(١) مَقْصُوْدُنا بِالاهْتِمَامِ بالفِقْهِ أَن يَقْرَأ الفِقْهَ وَالأُصُوْلَ، وَالفَرَائِضَ عَلَى مَشَاهِيرِ الفُقَهَاءِ في زَمَنِهِ، أَوْ يُقْرَأُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذلِكَ، أَوْ يَشْتَهِرُ عَنْهُ أَنَّهُ حَفِظَ كِتَابًا فِي الفِقْهِ، وَالأُصُوْلِ، =
[ المقدمة / ٩٩ ]
(٣، ٤، ٧، ٢١، ٢٢، ٢٣، ٣٢، ٣٩، ٤٠، ٤٦، ٤٩، ٧٨، ١١٠، ١١٩، ١٢١، ١٣٠، ١٣٢، ١٣٥، ١٤٣، ١٥٢، ١٥٩، ١٦٤، ١٦٨، ١٧٦، ١٧٨، ١٨٢، ٢٠٢، ٢٠٩، ٢١٠، ٢٢٤، ٢٣١، ٢٣٩، ٢٤٢، ٢٥٢، ٢٦٣، ٢٧٤، ٢٨٤، ٢٨٧، ٢٩٩، ٣١١، ٣١٧، ٣٢٧، ٣٢٨، ٣٣٠، ٣٥٢، ٣٥٩، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٤، ٣٦٧، ٣٧٠، ٣٧٣، ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٨١، ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٨، ٤٠٣، ٤٠٥، ٤١١، ٤١٢، ٤١٤، ٤١٧، ٤١٩، ٤٢٢، ٤٢٧، ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣٢، ٤٣٣، ٤٣٩، ٤٤٨، ٤٥٩، ٤٦١، ٤٦٨، ٥١٨، ٥٣٥، ٥٦٦، ٥٧٨، ٥٩٢). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُؤَلِّفَ لَا يَقْصُدُ بِجَمْعِهِ للكِتَابِ الفُقَهَاءِ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ يَنْتَمِي لِمَذْهَبِ أَحْمَدَ - ﵀ - كَمَا أَشَرْتُ.
وَرُبَّمَا قِيْلَ أَيْضًا: إِنَّمَا ذَكَرَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ - ﵀ - المَشَاهِيْرَ وَأَغْفَلَ - عَمْدًا - غَيْرَ المَشَاهِيْرِ، وَمَا اسْتَدْرَكْتَهُمْ أَغْلَبُهُمْ لَمْ يَكُوْنُوا - فِي نَظَرِ الحَافِظِ عَلَى الأَقَلِّ - كَذلِكَ، وَأَمَّا مَا اسْتَدْرَكْتَهُ مِنَ المَشَاهِيْرَ فَعَدَدٌ قَلِيْلٌ إِذَا قِيْسَ بِضَخَامَةِ العَدَدِ المُسْتَدْرَك، وَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ إِذَا سَقَطَ عَلَيْهِ عَدَدٌ قَلِيْلٌ، لَمْ يَتَعَمَّدِ الإِخْلَالِ بِعَدَمِ ذِكْرِهِمْ، وَإِنَّمَا زَاغَ بَصَرُهُ عَنْهُمْ، وَكَثِيْرٌ مَا يَحْدُثُ ذلِكَ؟
_________________
(١) = وَالفَرَائِضِ أَوْ رَوَاهُ بِسَنَدِهِ، أَوْ وَلِيَ مَنْصبًا فِقْهِيًا كَتَوَلي القَضَاء، والفَتْوَى، والوَعْظ، وَالحِسْبَة … أوْ عَلَى الأَقل يُوْصَفُ في تَرْجَمَتِهِ بِأَنَّهُ الفَقِيْهُ أَو المُفْتِي … وكُلُّ هَؤُلَاءِ الـ (٨١) وَاحِدٍ وَثَمَانِيْنَ لَمْ يَتَّصِفُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ وَلَيْسَ لَهُم مِنَ الحَنْبَلِيَّةِ إِلَّا الانْتِمَاءِ إِلَى هَذَا المَذْهَبِ، والالْتِزَامِ بِأُصُوْلِهِ وَفُرُوْعِهِ المَعْرُوْفَةِ.
[ المقدمة / ١٠٠ ]
فَالجَوَابُ: أَنَّ الحَافِظَ - ﵀ - لَمْ يَشْتَرِطْ ذلِكَ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ، وَالمُتَتَبِّعُ لِتَرَاجِمَ العُلَمَاءِ فِي الكِتَابِ يَلْحَظُ أَنَّهُ أَوْرَدَ تَرَاجِمَ غَيْرَ مَشَاهِيْرَ وَاخْتَصَرَهَا اخْتِصَارًا ظَاهِرًا؛ وَمِنْ خِلَالِ عَرْضِهِ لِسِيَرِهِمْ وَرُجُوْعِي إِلَى مَصَادِرِ تَرَاجِمِهِمْ أَيْضًا تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ خَامِلُوا الذِّكْرِ جِدًّا، إِذًا فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الكِتَابِ شُهْرَةُ المُتَرْجَمِ وَتَمَيُّزُهُ لِكَيْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ المُسْتَدْرَكِيْنَ - فِي أَغْلَبِهِم - لَيْسُوا مَشَاهِيْرَ - مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ المُؤَلِّفِ عَلَى الأَقَلِّ - كَمَا قُلْتَ - تَرَكَهُمُ المُؤَلِّفُ قَصْدًا. وَفِي الكِتَابِ (٨٢) اثْنَتَانِ وَثَمَانُوْنَ تَرْجَمَةً مُخْتَصَرَةً أَغْلَبُهُم غَيْرُ مَشَاهِيْرَ، تُرَاجَعُ التَّرَاجِمُ ذَاتُ الأَرْقَامِ التَّالِيَةِ: (٢، ٣، ٦، ١٦، ١٧، ٣٠، ٣٢، ٣٧، ٣٨، ٤٣، ٤٩، ٧١، ٧٨، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٠١، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦، ١١٦، ١٣٦، ٢٠٩، ٢١٠، ٢١٩، ٢٤٣، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٩، ٢٨٠، ٢٨٧، ٢٩٩، ٣١٧، ٣٢٢، ٣٢٧، ٣٣٤، ٣٤٩، ٣٥٢، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٦، ٣٦٧، ٣٧٣، ٣٨١، ٤٠٩، ٤١٠، ٤١١، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٤، ٤١٧، ٤٢٢، ٤٣٠، ٤٣٤، ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٠، ٤٦١، ٤٦٨، ٤٧٠، ٤٧٨، ٤٨٢، ٤٨٨، ٤٨٩، ٤٩٨، ٥٠٤، ٤١٤، ٥٢٠، ٥٣٢، ٥٣٤، ٥٦٤، ٥٦٩، ٥٩٢، ٥٩٩). وَمِنَ التَّرَاجِمِ المُخْتَصَرَةِ: تَرَاجِمُ لَمْ يَخُصُّهَا الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ - ﵀ - بِالتَّرْجَمَةِ، وَإِنَّمَا جَاءَتْ فِي سِيَاقِ تَرَاجِم أُخْرَى لَهَا صِلَة مَا بالمُتَرْجَمِ كَذِكْرِ أَبِيْهِ، أَوِ ابْنِهِ، أَوْ أَبْنَائِهِ، أَوْ أَخِيْهِ، أَوِ ابنِ أَخِيْهِ، أَوْ عَمِّهِ، أَو ابنِ عَمِّهِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِه، أَوِ المُعِيْدِيْنَ عِنْدَهُ، أَوِ المُشْتَغِلِيْنَ عَلَيْهِ (تَلَامِيْذِهِ) كُلُّ هَذِهِ العِبَارَاتِ
[ المقدمة / ١٠١ ]
وَرَدَتْ في سِيَاقِ بَعْضِ التَّرَاجِمِ، وَعَدَدُهَا ثَلَاثٌ وَأَرْبَعُوْنَ تَرْجَمَةٍ. تُرَاجَعُ التَّرَاجِمُ ذَاتُ الأرْقَامِ التَّالِيَةِ: (٣٢، ٣٣، ٣٧، ٩١، ١٢٧، ١٥٧، ١٥٨، ١٧١، ١٧٢، ١٨٦، ١٨٧، ١٩٤، ١٩٥، ١٩٦، ١٩٧، ٢٢١، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٤١، ٢٥٦، ٢٧١، ٢٨٥، ٣٠١، ٣٠٢، ٣٣١، ٣٣٥، ٣٤٧، ٣٦١، ٣٨٣، ٣٨٩، ٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥، ٤٠٠، ٤٠١، ٤٠٧، ٤١٨، ٤٢٣، ٤٧٣، ٥٠٠، ٥٦٣، ٥٦٧، ٥٧٧).
وَمِنْهَا: مَا أَوْرَدَ المُؤَلِّفُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ أَحْيَانًا، دُوْنَ ذِكْرِ أَخْبَارِهِ وَعَدَدُهَا تِسْعَةَ عَشَرَ اسْمًا ذَاتُ الأَرْقَامِ مِنْ (٩٦ - ١٠٦) وَمِنْ (٥٧١ - ٥٧٥)، وَمِنْ (٥٩٤ - ٥٩٨). وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحَافِظَ ابنَ رَجَبٍ يَهْدِفُ إِلَى الاسْتِقْصَاءِ وَالتَّتَبُّعِ، فَكَيْفَ فَاتَتْ عَلَيْهِ هِذِهِ الأَعْدَادُ الكَبِيْرَةُ، وَهِيَ تَقْرُبُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَضْعَافِ مَا أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِهِ؟! سُؤَالٌ يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ مُقْنِعٍ.
وَالسُّؤَالُ الآخَرُ الَّذِي لَا أَجِدُ لَهُ جَوَابًا أَيْضًا: أَنَّهُ أَغْفَلَ تَرَاجِمَ أَغْلَبِ شُيُوْخِهِ وَمُعَاصِرِيْهِ، وَشُيُوْخِ وَالِدِهِ الَّذِيْنَ ذُكِرُوا فِي "مُعْجَمِهِ" وَقَدْ نَصَّ هُوَ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُمْ مِنَ الحَنَابِلَةِ وَبَعْضُهُم مِنْ أُسَرٍ مَشْهُوْرَةٍ جِدًّا، وَفِي مُعْجَمِ وَالِدِهِ تَرَاجِمُ نُقِلَتْ مِنْ خَطِّ وَلَدِهِ زَيْنِ الدِّيْنِ؟! إِذا فَهُوَ يَعْرِفُهُمْ، وَهُمْ جَمِيْعا دَاخِلُوْنَ فِي فَتْرَتِهِ الَّتِي يُؤَرِّخُ لَهَا، أَيْ: قَبْلَ سَنَةَ (٧٥١ هـ) وَلَا وُجُوْدَ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ؟! مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضَهُمْ فِي سِيَاقِ تَرَاجِمَ أُخْرَى.
وَسُؤَالٌ آخَرُ أَيْضًا يَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ مُقْنِعٍ أَيْضًا: لِمَاذَا تَوَقَّفَ قَلَمُهُ عَنِ الكِتَابَةِ فِي وَفَيَاتِ سَنَةِ (٧٥١ هـ) وَهِيَ السَّنَةُ الَّتي مَاتَ فِيْهَا شَيْخُهُ شَمْسُ
[ المقدمة / ١٠٢ ]
الدِّيْنِ ابنُ القَيِّمِ، ذَكَرَهُ فِي وَفَيَاتِ هَذِهِ السَّنَةِ دُوْنَ سِوَاهُ مِنْ شُيُوْخِهِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الحَنَابِلَةِ مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيْهَا، وَبَقِيَ بَعْدَهُ مَا يَزِيْدُ عَلَى (٤٥) خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ عَامًا وَلَمْ يُسَجِّلْ تَرَاجِمَهَا؟!. وَيُمْكِنُ الإِجَابَةُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ المُؤَلِّفَ - ﵀ - فَعَلَ ذلِكَ فِي أَوْرَاقٍ لَمْ يُبَيِّضْهَا ذَهَبَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ. هَذَا احْتِمَالٌ. وَالاحْتِمَالُ القَوِيُّ أَنَّ كَثِيْرًا مِنَ المُؤَلِّفِيْنَ فِي التَّرَاجِمِ يَتَحَاشَى الكِتَابَةَ عَنِ المُعَاصِرِيْنَ وَالأحْيَاءِ خَاصَّةً؛ لِمَا فِي ذلِكَ مِنْ وُقُوعِ الحَرَجِ عِنْدَ وُقُوْفِ الرَّجُلِ عَلَى تَرْجَمَتِهِ، وَبَعْضُ العُلَمَاءِ مَهْمَا قِيْلَ فِي مَدْحِهِ فَإِنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ أَعْظَمَ مِنْ ذلِكَ وَأَجَلَّ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّ المُؤَلِّفَ لَمْ يُنْصِفْهُ، وَرُبَّمَا قَارَنَ مَا كَتَبَهُ عَنْهُ بِمَا كَتَبَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ مُعَاصِرِيْهِ فَيَرَى أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ هَضَمَهُ حَقَّهُ … وَأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَأَجْدَرُ بِالثَّنَاءِ … فَتَقَعُ الفُرْقَةُ وَالنُّفْرَةُ، وَيَتَوَلَّدُ الحِقْدُ وَالضَّغِيْنَةُ، فَالمُؤَلِّفُ يَرْبأُ بِنَفْسِهِ عَنْ ذلِكَ، وَيُؤْثِرُ السَّلَامَةَ والعَافِيَةَ. وَمَعَ هَذَا فَابْنُ رَجَبٍ لَمْ يَسْلَمْ، فَقَدْ اتُّهِمَ بِأَنَّهُ أَغْفَلَ تَرْجَمَةَ شَمْسِ الدِّيْنِ مُحَمَّدُ بنُ مُفْلِح (ت: ٧٦١ هـ) لِشَيْءِ كَانَ بَيْنَهُمَا؟! وَهَذَا غَيْرُ صَحِيْحُ؛ فَابْنُ مُفْلِحٍ المَذْكُوْرُ تُوُفِّيَ بَعْدَ فَتْرَةِ الحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ.
وَأَمَّا كَيْفَ فَاتَ الحَافِظ ابنُ رَجَبٍ هَذَا العَدَدَ الكَبِيْرَ فَأَنَّنِي أَقُوْلُ إِنَّ الحَافِظَ بَذَلَ جُهْدًا، وَجَمَعَ تَرَاجِمَ وَأَخْبَارًا مِنْ مَصَادِرِ مُخْتَلِفَةٍ هِيَ مِنْ أَهَمِّ الأُصُوْلِ فِي بَابِهَا كَمَا سَيَأْتِي في "مَصَادِرِهِ" وَمِنَ المَعْلُوْمِ أَنَّ الحَافِظَ - ﵀ - يُؤَرِّخُ لِفَتْرَةٍ وَصَلَ فِيْهَا المَذْهَبُ الحَنْبَلِيُّ أَوْجَ ازْدِهَارِهِ وَتَوَسُّعِهِ فِي "العِرَاقِ" وَ"الشَّامِ" وَ"مِصْرَ" - كَمَا قُلْنَا - وَكَثُرَ فِيْهَا العِلْمُ وَالعُلَمَاءُ، وفِيْهَا مِنَ الأُسَرِ العِلْمِيَّةِ الَّذِيْنَ تَوَارَثُوا العِلْمَ عَدَدٌ كبِيْرٌ كَـ "آلِ أَبِي يَعْلَى" و"آلِ عَبْدِ القَادِرِ
[ المقدمة / ١٠٣ ]
الجِيْلَانِي" وَ"آلِ شَافِعٍ" و"آلِ ابنِ الجَوْزِيِّ" فِي بَغْدَادَ، وَ"آلِ تَيْمِيَّةَ" في "حَرَّانَ" وَ"دِمَشْقَ" و"آلِ الحَنْبَلِيِّ" وَ"آلِ المُحِبِّ" وَ"آلِ المُنَجَّى" وَ"آلِ قُدَامَةَ" وَ"آلِ عَبْدِ الهَادِي" وَهُمْ مِنْ آلِ قُدَامَةَ، وَ"آلِ رَاجِحٍ" فِي "دِمَشْقَ" وَ"آلِ الأَرْتَاحِيِّ" وَ"آلِ عَوَضٍ" فِي مِصْرَ" و"آلِ الحَافِظِ عَبْدِ الغَنِيِّ" وَ"آلِ المَقْدِسِيِّ السَّعْدِيِّ" أُسْرَةِ الحَافِظِ الضِّيَاءِ، وَابنِ البُخَارِيِّ، وَابنِ الكَمَالِ … في "مِصْرَ" وَ"دِمَشْقَ". . . وَغَيْرِهِمْ كَثِيْر مِنَ الأُسَرِ العِلْمِيَّةِ الَّذِيْنَ يَصْعُبُ جِدًّا الإِحَاطَةُ بِهِم، فِيْهِمْ مِنَ العُلَمَاءِ أَعْدَادٌ كَبِيْرَةٌ جِدًّا، وَبَرَزَ فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ عُلَمَاءُ كِبَارٌ، لَهُمْ ذِكْرٌ وَاسِعٌ، لَيْسَ عَلَى مُسْتَوَى المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ عَلَى مُسْتَوَى الحَيَاةِ العِلْمِيَّةِ وَالحَضَارِيَّةِ فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ، وَلَا يَزَالُ ذِكْرُهُمْ رَفِيْعًا حَتَّى الآنَ، مِثْلُ شَيْخِ الإسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ (ت: ٤٨١ هـ) وَعَوْنِ الدِّيْنِ ابنِ هُبَيْرَةَ الوَزِيْرِ (ت: ٥٦٠ هـ) وَأَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوْزِيِّ (ت: ٥٩٧ هـ) وَالمُوَفَّقِ بنِ قُدَامَةَ (ت: ٦٢٠ هـ) وَشَيْخِ الإسْلَامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧١٨ هـ) وَغَيْرِهِم نَشَرُوا المَذْهَبَ، وَجَعَلُوْا لَهُ شُهْرَةً وَاسِعَةً وَصَلَ إِلَى أَوْجِ ازْدِهَارِهِ، فَكَثُرَ مُنْتَسِبُوْهُ حَتَّى أَصْبَحَ لَهُمْ بِالمَسْجِدِ الحَرَامِ فِي "مَكَّةَ" شَرَّفَهَا اللهُ حَطِيْمًا يُعْرَفُ بِهِم - كَمَا أَسْلَفْنَا -، هَذَا التَّوَسُّعُ وَالانْتِشَارُ للمَذْهَبِ وَكَثْرَةُ عُلَمَائِهِ فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ جَعَلَتْ مُهِمَّةَ الحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ صَعْبَةً جِدًّا؛ لِذلِكَ لَمَا جَمَعَ فَاتَهُ الكَثِيْرَ؛ لأنَّهُ أَمَامَ أَعْدَادٍ كَبِيْرَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ عَرَفَ مِنْهُم مَنْ عَرَفَ وَجَهِلَ مَنْ جَهِلَ. وَمَعَ هَذَا فَإِنِّي أَظُنَّ أَنَّ الحَافِظَ ابنَ رَجَبٍ لَمْ يُوْلِ هَذَا التَأْلِيْفُ جُلَّ اهْتِمَامِهِ فَهُوَ المُحَدِّثُ، الفَقِيْهُ، المُدَرِّسُ، المُؤَلِّفُ ذُو التَّصَانِيْفِ الكَثِيْرَةِ فُرُبَّمَا لَا يَجِدُ مِنَ الوَقْتِ مَا يُطَالِعُ فِيْهِ
[ المقدمة / ١٠٤ ]
المُجَلَّدَاتُ الكَثِيْرَةُ مِنْ كُتُبِ التَّوَارِيْخِ وَالرِّجَالِ لِيَسْتَنْفِدَ مَا جَاءَ فِيْهَا مِنْ عُلَمَاءِ المَذْهَبِ؛ لِذلِكَ نَجِدُهُ يَأْخُذُ مِنْها وَيَدَعُ، مَعَ أَنَّهُ مِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّهَا لَا تتَوَفَّرُ لَهُ أَغْلَبُ المَصَادِرُ المُهِمَّةِ؛ لأنَّهُ وُصِفَ بأَنَّهُ "كَانَ فَقِيْرًا مُتَعَفِّفًا"؛ إِذًا فَمَوَارِدُهُ المَالِيَّة مَحْدُوْدَةٌ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الثَّرَاءِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يُوْصَفْ بِأَنَّهُ مِمَّنْ يُعْنَى عِنَايَةً خَاصَّةً بِجَمْعِ الكُتُبِ وَاقْتِنَائِهَا، وَمَنْ أَرَادَ التَّصَدِّي للتَّأْلِيْفِ فِي هَذَا الفَنِّ يَلْزَمُهُ ذلِكَ. وأَمَّا مَصَادِرُهُ الكَثِيْرَةُ المُتَنَوِّعَةُ فَلَعَلَّهُ كَانَ يُطَالِعُهَا فِي مَكْتَبَاتِهَا هُنَا وَهُنَاكَ، وَكَثِيْرٌ مِنْ كُتُبِ التَّوَارِيْخِ ذَاتِ الأَجْزَاءِ الكَثِيْرَةِ قَدْ لَا تَتَوَافَرُ كَامِلَةً حَتَّى في المَكْتَبَاتِ العَامَّةِ، فَيَقِفُ عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهَا وَيَفُوْتُهُ بَعْضُهَا الآخَرُ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الحَافِظَ ابنَ رَجَبٍ - ﵀ - فِي تأْلِيْفِهِ هَذَا أَكْثَرُ جَمْعًا وَاسْتِيْعَابًا لِرِجَالِ مَذْهَبِهِ مِنَ المُؤَلِّفِيْنَ فِي طَبَقَاتِ الفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ المَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ الأُخْرَى - أَعْنِي (الحَنَفِيَّةَ)، وَ(المَالِكِيَّةَ)، وَ(الشَّافِعِيَّةَ) -، فَهُوَ بِلَا شَكٍّ أَكْثَرُ جَمْعًا مِنَ القُرَشِيِّ (ت: ٧٧٥ هـ) فِي كِتَابِهِ "الجَوَاهِرِ المُضِيَّةِ" وَأَكْثَرُ جَمْعًا مِنِ ابنِ فَرْحُوْنَ المَدَنِيِّ المَالِكِيِّ (ت: ٧٩٩ هـ) في كِتَابِهِ: "الدِّيْبَاجِ المُذْهَبِ"، كَمَا أَنَّهُ أَكْثَرُ جَمْعًا مِنَ القَاضِي السُّبْكِيِّ (ت: ٧٧١ هـ) فِي "طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى"، وَضَخَامَةُ هَذَا الكِتَابِ، وَكَثْرَةُ فَوَائِدِهِ أَمْرٌ آخَرَ، لَكِنَّهُم جَمِيْعًا تَرَكُوا أَعْدَادًا كَبِيْرَةً مِنْ أَهْلِ مَذَاهِبِهِمْ وَلَوْ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِمْ مُسْتَدْرِكٌ لَكَانَتْ أَضْعَافَ مَا ذَكَرُوْهُ أَيْضًا وَهَذِهِ المَذَاهِبُ الثَّلَاثَةُ أَكْثَرُ انْتِشَارًا، وَأَكْثَرُ شُهْرَةً مِنَ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيِّ، فَمِنْ ثَمَّ فَهِيَ أَكْثَرُ رِجَالًا، وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هَذِهِ الكُتُبِ؛ لأنَّ مُؤَلِّفِيْهَا جَمِيْعًا مِنْ مُعَاصِرِي الحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ،
[ المقدمة / ١٠٥ ]
وَلأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَشْهَرُ مَا أُلِّفَ فِي مَذْهَبِهِ.
وَيَبْقَى كِتَابُ الحَافِظُ ابنِ رَجَبٍ مُتأَلِّقًا بَيْنَ هَذِهِ المُصَنَّفَاتِ مِنْ حَيْثُ عَدَدِ المُتَرْجِمِيْنَ إِذَا قِيْسَ بِقِلَّةِ اتِّبَاعِ المَذْهَبِ، وَكَثْرَةِ أَتْبَاعِ المَذَاهِبِ الأُخْرَى. فَعَدَدُ تَرَاجِمِ طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ الكُبْرَى للسُّبْكِيِّ (١٤١٩) تَرْجَمَةً، وَعَدَدُ تَرَاجِمِ الجَوَاهِرِ المُضِيَّةِ للقُرَشِيِّ (١٨٧١) وَاحِدٌ وَسَبْعُوْنَ وثَمَانِمَائَةَ وَأَلْفٌ تَرْجَمَةً، وَلَمْ تُرَقَّمْ تَرَاجِمُ "الدِّيْبَاجُ المُذْهَبِ" لابنِ فَرْحُوْنَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا لَا تَرْقَى إِلَى هَذَيْنِ الرَّقَمَيْنِ. وَعَدَدُ تَرَاجِمِ "طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ" وَ"ذَيْلِهَا" لابنِ رَجَبٍ (١٢٩٥) تَرْجَمَةٍ بَعْدَ حَذْفِ المُكَرَّرِ. وَإِنَّمَا أَضَفْتُ تَرَاجِمَ "الطَّبَقَاتِ" لابنِ أَبِي يَعْلَى إِلَى تَرَاجِمِ "الذَّيْلِ. . ." لابنِ رَجَبٍ؛ لأنَّ الكُتُبَ الثَّلَاثَةَ الأُخْرَى بَدَأَتْ بِالإِمَامِ فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى عَصْرِهِمْ فَأَضَفْتُ مَا فِي "الطَّبَقَاتِ" لِتَصِحَّ المُقَارَنَةُ. وَهُمْ جَمِيْعًا مَعْذُوْرُوْنَ فِيْمَا قَصَّرُوا فِيْهِ، فَالمُهِمَّةُ شَاقَّةٌ جِدًّا - كَمَا قُلْتُ - فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَوَافَرَ المَصَادِرُ لَهُمْ كَمَا تَتَوَافَرُ لَنَا الآنَ، فَمَكْتَبَاتُ الدُّنْيَا مُشْرَعَةُ الأَبْوَابِ أَمَامَنَا، وَمَا فِيْهَا مِنْ كُتُبٍ مَطْبُوْعَةٍ وَمَخْطُوْطَةٍ مُفَهْرَسَةٌ، وَفَهَارِسُهَا مَبْذُوْلَةٌ لِلجَمِيْعِ، وَوَسَائِلُ الاتِّصَالِ وَالتَّصْوِيْرِ مِنْ أَنْحَاءِ العَالَمِ مُتَاحَةٌ دُوْنَ مَشَقَّةٍ تُذْكَرُ، وَقَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْنَا بِتَوَافُرِ مَرَاكِزِ البُحُوْثِ فِيْهَا مِنَ التَّقْنِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَا يُقَدِّمُ للبَاحِثِ المَعْلُوْمَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا بِأَدْنَى كُلْفَةٍ، وَيَحْصُلُ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَقُوْمَ مِنْ مَقَامِهِ. فَإِذَا وُجِدَتْ العَزِيْمَةُ الصَّادِقَةُ، وَالدَّأَبُ وَالحِرْصُ الشَّدِيْدُ لِتَحْصِيْلِ المَعْلُوْمَاتِ، مَعَ عَقْلِيَّةٍ وَاعِيَةٍ، وَذِهْنٍ صَافٍ، وَمَحَبَّةٍ شَدِيْدَةٍ للوُصُوْلِ إِلَى الحَقَائِقِ، بَعِيْدٍ كُلِّ البُعْدِ عَنِ الهَوَى،
[ المقدمة / ١٠٦ ]
أَضِفْ إِلَى ذلِكَ مَا مَنَّ اللهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْنَا مِنَ القُدْرَةِ المَادِيَّةِ، لِهَذِهِ مُجْتَمِعَةً يَجِدُ البَاحِثُ مُهِمَّتَهُ سَهْلَةً، وَالتَّوْفِيْقَ حَلِيْفِهِ بِإِذْنِ اللهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَارَنَ جَمْعُنَا بِجَمْعِ السَّابِقِيْنَ الَّذِيْنَ تَعُوْزُهُمْ المَصَادِرُ وَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمُ الوُقُوْفُ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ قَرِيْبَةً مِنْهُمْ؛ لِضَعْفِ وَسَائِلِ الاتِّصَالِ، وَقِلَّةِ ذَاتِ اليَدِ عِنْدَ بَعْضِهِم، وَكَثْرَةِ مَشَاغِلِهِم وَأَشْغَالِهِمْ، وَضَعْفِ أَدَوَاتِ البَحْثِ عِنْدَهُم - ﵏ وَعَفَا عَنَّا وَعَنْهُم، وَجَزَاهُمُ الله عُنِ العِلْمِ وَطُلَّابِهِ خَيْرَ الجَزَاءِ.