طُبِعَ كِتَابُ "الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ" لأوَّلِ مَرَّةٍ فِي المَعْهَدِ الفَرَنْسِيِّ للدِّرَاسَاتِ اللُّغَوِيَّةِ بِـ "دِمَشْقَ" سَنَةَ (١٩٥١ م) بِتَحْقِيْقِ هنري لاوُوسْت، وَسَامِي الدَّهَّانِ. وَطُبِعَ فِي المَطْبَعَةِ الكَاثُوْلِيْكِيَّةِ بـ "بَيْرُوْتَ" الجُزْءُ الأوَّلُ، فِيْهِ الوَفَيَاتُ مِنْ سَنَةِ (٤٦٠ - ٥٤٠ هـ) وَقَدْ حَقَّقَاهُ تَحْقِيْقًا عِلْمِيًّا، مُعْتَمِدَيْنِ عَلَى أُصُوْلٍ خَطِّيَّةٍ، وِفْقَ المَنْهَجِ السَّلِيْمِ لِتَحْقِيْقِ النُّصُوْصِ، كَمَا رَجَعَا إِلَى نُسْخَةٍ خَطِيَّةٍ مِنَ "المَنْهَجِ الأَحْمَدِ"؛ لأنَّ "الذَّيْلَ عَلَى الطَّبَقَاتِ" مَصْدَرُهُ الأَسَاسُ فِي أَهْلِ فَتْرَتِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ إِلَّا يَسِيْرًا؛ فَاحْتَفَظَ بِعِبَارَاتِ النَّصِّ. كَمَا رَجَعَا إِلَى غَيْرِهِ مِنَ المَصادِرِ، وَخَرَّجَا التَّرَاجِمَ، وَقَدْ أَجَادَا فِي تَحْقِيْقِهِمَا إِجَادَةً تَامَّةً، مَعَ أَنَّ لِي عَلَى تَحْقِيْقِهِمَا مَلْحُوْظَاتٍ كَثِيْرَةً، وَوَقَعَا فِي أَخْطَاءٍ أَشَرْتُ
_________________
(١) إِلَى ذلِكَ ذَهَبَ الأُسْتَاذ مُصْطَفَى جَوَاد - ﵀ - فِي تَعْلِيْقَاتِهِ عَلَى "المُخْتَصَر المُحْتَاج إِلَيْهِ".
[ المقدمة / ١٠٨ ]
إِلَيْهَا فِي هَامِشِ الصَّفَحَاتِ، وَقَدْ أَكَثَرَا مِنْ ذِكْرِ فُرُوْقِ النُّسَخِ؛ لاعْتِمَادِهِمَا عَلَى نُسَخٍ رَدِيْئَةٍ كَثِيْرَةِ الأَخْطَاءِ كَمَا ذَكَرَا، وَغَرَّهُمَا تَقَدُّمُ تَارِيْخِ نَسْخِ نُسْخَةِ (ظ) حَيْثُ نُسِخَتْ سَنَةَ (٨٠٠ هـ) بَعْدَ وَفَاة المُؤَلِّفِ بِخَمْسِ سَنَوَاتٍ، وَقُرْبُهَا مِنْ زَمَنِ المُؤَلِّفِ بِحَدِّ ذَاتِهِ لَا يُعْطِيْهَا كَامِلَ الأهَمِّيَّةِ، فَالمُعْتَبَرُ صِحَّةُ النُّسْخَةِ، وَسَلَامَتُهَا، وَتَصْحِيْحُهَا. وَطَبْعَتُهَا هَذِهِ - فِي جُمْلَتَهَا - جَيِّدَةٌ كَمَا قُلْتُ، وَلَوْ أَنَّهُمَا أَكْمَلَا تَحْقِيْقَ الكِتَابِ عَلَى هَذَا المَنْهَجِ لَمْ أَقْدِمْ عَلَى تَحْقِيْقِهِ، وَمَا جَاءَ فِيْ عَمَلِهِمَا مِنْ تَصْحِيْفٍ وَتَحْرِيْفٍ مَعْفُوٌّ عَنْهُ فِي نَظَرِي؛ وَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْلَمُ مِنَ التَّصْحِيْفِ وَالتَّحْرِيْفِ.
وَقَدْ قَدَّمَا لَهُ بِمُقَدِّمَةٍ عَنْ حَيَاةِ المُؤَلِّفِ وَأَخْبَارِهِ، وَوَصَفَا الكِتَابَ وَصَنَعَا لَهُ فَهَارِسَ مُتَنَوِّعَةً فِي آخِرِ الجُزْءِ، وَهَذَا كُلُّ مَا يَطْلُبُهُ البَاحِثُ.
ثُمَّ أَعَادَ طَبْعَهُ كَامِلًا فِي مُجَلَّدَيْنِ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ حَامِد الفَقِي (وَقَفَ عَلَى طبْعِهِ وَصَحَّحَهُ) سَنَةَ (١٩٥٢ م)، وَطُبِعَ فِي مَطْبَعَةِ السُّنَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِـ "مِصْرَ" بِأَمْرٍ مِنَ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الفَيْصَل آل سَعُوْدٍ - ﵀ - وَقَدْ نَقَلَ طَبْعَةُ الجُزْءِ الأوَّلِ المَطْبُوْعِ بـ "دِمَشْقَ" الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا وَأَعَادَ صَفَّهَا دُوْنَ ذِكْرِ هَوَامِشِهَا، وَبِخَطَئِهَا وَصَوَابِهَا، دُوْنَ إِشَارَةٍ إِلَى ذلِكَ مِنْ قَرِيْبٍ أَوْ بَعِيْدٍ هذَا - فِي نَظَرِي - سَطْوٌ وَاعْتِدَاءٌ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذلِكَ فِي هَوَامِشِ الكِتَابِ فِي طَبْعَتِي هَذِهِ. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الجُزْءِ الأوَّلِ ظَهَرَ الضَّعْفُ فِي القِرَاءَةِ وَكَثْرَةِ التَّصْحِيْفِ وَالتَّحْرِيْفِ فِي بَقِيَّةِ الكِتَابِ. وَلَمْ يُقَدِّمْ لَهُ بِمُقَدِّمَةٍ، وَلَا خَرَّجَ تَرَاجِمَهُ وَلَا صَنَعَ لَهُ فَهَارِسَ إِلَّا لأَسْمَاءِ المُتَرْجِمِيْنَ، وَبِعِبَارَاتِ مُلْبِسَةٍ
[ المقدمة / ١٠٩ ]
أَحْيَانًا، وَفِي هَوَامِشِ الكِتَابِ يَظْهَرُ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ تَعْلِيْقَاتٌ بَارِدَةٌ، وَفِي النَّصِّ حَذْفٌ، وَتَحْرِيْفٌ، وَزِيَادَةٌ، وَنَقْصٌ مُتَعَمَّدٌ أَحْيَانًا - تَوَرُّعًا -؟! وَرُبَّمَا فَسَّرَ بَعْضَ العِبَارَاتِ تَفْسِيْرًا اجْتِهَادِيًّا دُوْنَ ذِكْرِ المَصْدَرِ؟! وَهَذَا غَيْرُ مَقْبُوْلٍ، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنِ النُّسْخَةِ الَّتِي اعْتَمَدَهَا فِي إِخْرَاجِ الكِتَابِ، وَيَصِفُهَا، وَيَذْكُرُ فَضَائِلَهَا، كَمَا هِيَ عَادَةُ المُحَقِّقِيْنَ قَالَ في (١/ ١٤٣): "مَخْطُوْطَةٌ بِأَيْدِيْنا" وَرُبَّمَا أَشَارَ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ إِلَى المُقَابَلَةِ إِلَى نُسْخَةٍ يُسَمِّيْهَا "خَطِّيَّةُ الإدَارَةِ الثَّقَافِيَّةِ" (١/ ٧٤، ٨٠، ٨٤، ٨٦، ٨٩، ٩٢، ١٢٦ …) وَتَصْحِيْحَاتُهُ مِنْهَا هِيَ الأَكْثَرُ صَوَابًا فِي الغَالِبِ يَجْعَلُهَا فِي الهَامِشِ وَيُبْقِي عَلَى الخَطَإِ فِي الأَصْلِ. وَمَعَ هَذَا فَالطَّبْعَةُ - في جُمْلَتِهَا - جَيِّدَةٌ، لَكِنَّهَا غَيْرُ مُتْقَنَةٍ، فَلَيْسَ فِيْهَا نَقْصٌ فِي التَّرَاجِمِ. وَيَظْهَرُ أَنَّ العَجَلَةِ المُذْهِلَةَ الَّتِي يُرِيْدُ الشَّيْخُ مِنْ وَرَائِهَا نَشْرَ أَكْبَرِ عَدَدٍ مُمْكِنٍ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي كُلِّفَ بِنَشْرِهَا، فَهِيَ كَثِيْرَةُ العَدَدِ، ضَعِيْفَةُ النَّشْرِ جِدًّا. وَكِتَابُنَا هَذَا أَحْسَنُ حَالًا مِنْ غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي وَقَفَ الشَّيْخُ مُحَمَّد حَامِد الفَقِي عَلَى طَبْعِهَا وَتَصْحِيْحِهَا مِنْ مُؤَلَّفَاتِ السَّلَفِ - ﵏ -، لِذَا قُلْتُ: جَيِّدَةٌ فَالجَوْدَةُ نِسْبِيَّة إِذًا.
فَهَلْ جَنَى الشَّيْخُ مُحَمَّد حَامِد الفَقِي عَلَى مُؤَلَّفَاتِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ وَفَضْلِهِ؟ أَظُنُّ ذلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْذُوْرٍ، فَإِذَا كَانَ مُسْتَعْجِلًا لَا يَسْتَطِيْعُ بِالتَّأَنِّي وَالدِّرَاسَةِ وَالتَّوْثِيْقِ أَنْ يَطْبَعَ هَذَا العَدَدَ مِنَ الكُتُبِ عَلَى مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ صَحِيْحٍ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِيْنَ بِغَيْرِهِ، ولَنْ يُعْدَمَ الرِّجَالَ فِي أَرْضِ الكِنَانَةِ آنَذَاكَ، غَفَرَ اللهُ لَهُ، وَسَامَحَهُ، وَعَفَا عَنَّا وَعَنْهُ. وأَلْحَقَ فِي آخِرِ الكِتَابِ تَرْجَمَةَ ابنِ قَاضِي الجَبَلِ
[ المقدمة / ١١٠ ]
أَحْمَدَ بنَ الحَسَنِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي عُمَرَ المَقْدِسِيُّ (ت: ٧٧١ هـ) وَمَعْلُوْمٌ أَنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لَيْسَتْ مِنْ كِتَابِ الحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مُلْحَقَةٌ بِهِ عَنِ "المَقْصَدِ الأَرْشَدِ" يُرَاجَعُ المَقْصَدُ: (١/ ٩٣).
ثُمَّ قَالَ: "وَيَلِيْهِ مُلْحَقٌ فِيْهِ تَرَاجِمُ الحَنَابِلَةِ الَّذِيْنَ ذَكَرَهُمُ السُّيُوْطِيُّ فِي "بُغْيَةِ الوُعَاةِ" ثُمَّ ذَكَرَ تَرْجَمَةَ عَلِيِّ بنِ فَضَّالٍ المُجَاشِعِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ (٥٨) ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ تَرْجَمَةً بَعْدَ تَرْجَمَةِ ابنِ فَضَّالٍ، وَهِيَ تَرَاجِمُ مُخْتَصَرَةٌ جِدًّا.
أَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: الصَّحِيْحُ إِنَّ السُّيُوْطِيَّ - ﵀ - لَمْ يَذْكُرْ في "البُغْيَةِ" مِنْ هَذِهِ التَّرَاجِمِ إِلَّا تَرْجَمَةَ ابنِ فَضَّالٍ، وَمَا عَدَاهَا مِنْ مَصَادِرَ مُخْتَلفَةٍ، وَهَذِهِ التَّرَاجِمُ وَغَيْرُهَا اسْتَدْرَكَهَا ابنُ حُمَيْدٍ النَّجْدِيُّ صَاحِبُ "السُّحُبِ الوَابِلَةِ" عَلَى نُسْخَةِ (أ) وَهِيَ أَصلُ النُّسْخَةِ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الشَّيْخُ مُحَمَّد حَامِد الفَقي في نَشْرِ الكِتَابِ، وَهِيَ نُسْخَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّد حُسَيْن نَصِيْف الَّتِي نَقَلَهَا فِيْمَا يَظْهَرُ مِنْ نُسْخَةِ (أ) وَالَّتِي نَقَلَ مِنْهَا أَيْضًا الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنِيْع، وَصَحَّحَهَا وَقَابَلَهَا بِمُسَاعَدَةِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُطْلِق الفُهَيْد سَنَةَ (١٣٥١ هـ). وَقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ، وَهِيَ الآنَ فِي مَكْتَبَةِ الحَرَمِ المَكِّيِّ، وَلَمْ أَبْحَثْ عَنْ نُسْخَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّد حَامِد الفقي؛ لأنَّهُمَا مَعًا يِرْجِعَانِ إِلَى نُسْخَةِ (أ)، وَهِيَ الَّتِي قَالَ: إِنَّهَا يَرْجِعُ عَهْدُ كِتَابَتِهَا إِلَى القَرْنِ التَّاسِعِ تَقْرِيْبًا. وَهَذَا المُلْحَقُ الَّذِي أَلْحَقَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّد حَامِد الفَقِي غَرَّ كَثِيْرٌ مِنْ كِبَارِ البَاحِثِيْنَ وَالمُحَقِّقِيْنَ فَظَنُّوا أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابنِ رَجَبٍ فَرَاحُوا يَعْزُوْنَ فِي هَذِهِ التَّرَاجِمِ إِلَى "الذَّيْلِ عَلَى الطَّبَقَاتِ" وَرُبَّمَا قَالُوا: "قَالَ ابنُ رَجَبٍ"؟! وَمَعْلُوْمٌ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ
[ المقدمة / ١١١ ]
كَلَامِ ابنِ رَجَبٍ؛ وَكَثِيْرٌ مِنَ المُسْتَدْرَكَاتِ الَّتِي تُلْحَقُ بِالكُتُبِ مِنَ النُصُوْصِ إِنَّمَا تَكُوْنَ مِنْ كَلَامِ المُؤَلِّفِ الَّذي لَمْ تَرِدْ فِي النُّسْخَةِ المُحَقَّقَةِ؛ لِنَقْصٍ فِيْهَا، أَوِ اخْتِصَارِهَا …