_________________
(١) = وَالمُنْتَظَمُ (٨/ ٣٣٣)، وَتَرْجَمَتُهُ حَافِلَةٌ، وَمَصَادِرُ تَرْجَمَتِهِ كَثيْرَةٌ جِدًّا. وَسَيَأْتِي اسْتِدْرَاكُ ابنُهُ: الحُسَيْنُ (ت: ٤٩٧ هـ) فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. يسْتَدْرَكُ عَلَى المُؤَلِّفِ - ﵀ - في وَفيَّات سنة (٤٧٥ هـ):
(٢) أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرٍو المُنْتَابِ. من أُسْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ حَنْبَلِيَّةٍ، ذَكَرْنَا بَعْضَ عُلَمَائِهَا في هَامِشِ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ للقَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ (٣/ ٢٩٨، ٢٩٩). وَأَخْبَارُ المَذْكُوْرِ هُنَا فِي: المُنتظمِ (٨/ ٣٣٢)، وَتَارِيخِ الإسلامِ (١٠٦)، وَأَخُوْهُ: أَبُو الغَنَائِمِ بنُ أَبِي عُثْمَانَ؟ وَتَقَدَّم ذِكْرُ أَخِيه مُحَمَّدٍ فِي اسْتِدْرَاكِ وَفَيَاتِ سَنَةِ (٤٦٥ هـ).
(٣) عَبْدُ الوَهَّابِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَنْدَه، أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ت: ٤٧٠ هـ) الَّذِي ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ، وَعُبَيْدِ اللهِ الَّذي سَبَقَ فِي اسْتِدْرَاكِنَا فِي وَفَيَاتِ (٤٦٢ هـ)، وَعَبْدِ الرَّحِيْمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَقَ (ت: ٤٢٤ هـ)، وَإِسْحَقَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَقَ (ت؟) ذَكَرَهُ ابنُ الجَزَرِيِّ في طَبَقَاتِ القُرَّاء (١/ ١٥٧). ولِعَبْد الوَهَّابِ أَوْلَادٌ وأَحْفَادٌ نَذْكُرُ مَنْ عَرفنا وَفَيَاتهم في مَوَاضِعِهم إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَمِمَّن لَمْ نَعْرِفْ وَفَيَاتَهم: - وَإِبْرَاهِيْمُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَالِدُ عَبْدِ الجَبَّاِر (ت: ٥٢١ هـ) الآتي اسْتِدْراكُهُ فِي مَوْضِعِهِ إن شَاءَ اللهُ تَعَالَى. - وإِسْحَقُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، مَذْكُوْرٌ في تَلامِيْذِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى في الطَّبقات (٣/ ٣٨١). - وَعَبْدُ المَلِكِ بنُ عَبدِ الوَهَّاب، والدُ الوَلِيْدُ بنِ عَبْدِ المَلِك (ت: ٤٨٢ هـ) الآتي فِي الاسْتِدْرَاكِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. - الفَضْلُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَالدُ الخَضِرِ الَّذي ذَكَرَهُ ابنُ النَّجَّارِ في ذَيْلِ تَارِيْخِ بَغْدَادَ (٥/ ٣٦).
(٤) ١٩ - أَبُو الوَفَاءِ بنُ القَوَّاسِ (٣٩٠ - ٤٧٦ هـ): أَخْبَارُهُ في: طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (٣/ ٤٥١)، وَمُخْتَصَرِهِ (٣٩٨)، وَمَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (٦٣٠)، وَمُخْتَصَرِهِ (٧٢)، وَمُخْتَصَرِ الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ لابنِ نَصْرِ اللهِ =
[ ١ / ٨٤ ]
الزَّاهِدُ الوَرِعُ، أَبُو الوَفَاءِ. وُلِدَ سَنَةَ تِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ، وَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ مِنْ هِلَالٍ الحَفَّارِ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَانَ، وَأَبِي نَصْرِ بنِ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ الفَضْلِ القَطَّانِ، وَأَبِي سَهْلٍ العُكْبَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَتَفَقَهَ أَوَّلًا عَلَى القَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ، ثُمَّ تَرَكَهُ وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَلَازَمَهُ حَتَّى بَرَعَ فِي الفِقْهِ، وَأَفْتَى، وَدَرَّسَ، وَكَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِـ "جَامِعِ المَنْصُوْرِ" للفَتْوَى وَالمُنَاظَرَةِ (^١)، وَكَانَ يُلْقِي المُخْتَصَرَاتِ مِنْ تَصَانِيْفِ شَيْخِهِ القَاضِي أَبِي يَعْلَى دَرْسًا، وَيُلْقِي مَسَائِلَ الخِلَافِ دَرْسًا، وَكَانَ إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي العِبَادَةِ، وَالزُّهْدِ، وَالوَرَعِ. ذَكَرَ ابنُ نَاصِرٍ أَنَّهُ كَانَ زَاهِدَ وَقْتِهِ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (^٢). وَذَكَرَهُ ابنُ السَّمْعَانِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ" فَقَالَ: مِنْ أَعْيَانِ فُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ وَزُهَّادِهِمْ، كَانَ قَدِ أَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي الطَّاعَةِ وَالعِبَادَةِ، وَاعْتَكَفَ فِي بَيْتِ اللهِ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ يُوَاصِلُ الطَّاعَةَ لَيْلَهُ بِنَهَارِهِ، وَكَانَ قَارِئًا للقُرْآنِ، فَقِيْهًا، وَرِعًا، خَشِنَ العَيْشِ - انْتَهَى كَلَامُهُ - وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ (^٣). ذَكَرَ ابنُ شَافِعٍ فِي تَرْجَمَةِ صَاحِبِهِ أَبِي الفَضْلِ
_________________
(١) = (ورقة: ٥)، وَالمَقْصَدِ الأَرْشَدِ (١/ ٤٥٧)، وَالمَنْهَجِ الأَحْمَدِ (٢/ ٤١٢)، وَمُخْتَصَرِهِ "الدُّرِّ المُنَضَّدِ" (١/ ٢١١). وَيُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٩/ ٨)، وَسِيرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٨/ ٤٥٢)، وَالعِبَرُ (٣/ ٣٥١)، وَتَارِيْخُ الإِسْلامِ (١٦٤)، وَمِرْآةُ الجِنَانِ (٢/ ١١٩)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (١٦/ ٣٩٤)، وَالبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٢/ ١٢٥)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٣/ ٣٥١) (٥/ ٣٢٦).
(٢) في (أ): "وَالمُنَاظَرَاتِ" مُعَلَّقَةٌ عَلَى الهَامِشِ.
(٣) في (أ) و(ب) و(هـ): "عشر".
(٤) في هامش (أ): "ظَاهِرَاتٌ" قِرَاءةُ نُسْخةٍ أُخْرَى، وَهِيَ كَذلِكَ في (هـ).
[ ١ / ٨٥ ]
ابنِ العَالِمَةِ الإِسْكَافِيِّ المُقْرِئِ (^١): أَنَّهُ كَانَ يَحْكِي مِنْ كَرَامَاتِ الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ أَشْيَاءَ عَجِيْبَةً.
مِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَحْمِلُ مَعِي رَغِيْفَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ فَأَعْبُرُ - يَعْنِي فِي السَّفِيْنَةِ - بِرَغِيْفٍ، وَأَمْشِي إِلَى مَسْجِدِ الشَّيْخِ فَأَقْرَأُ، ثُمَّ أَعُوْدُ مَاشِيًا إِلَى ذلِكَ المَوْضِعِ، فَأَنْزِلُ بِالرَّغِيْفِ الآخَرِ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ (^٢) يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ أَعْطَيْتُ المُلَّاحَ الرَّغِيْفَ فَرَمَى بِهِ وَاسْتَقَلَّهُ، فَأَلْقَيْتُ إِلَيْهِ الرَّغِيْفَ الآخَرَ، وَتَشَوَّشَ قَلْبِي لِمَا جَرَى، وَجِئْتُ الشَّيْخَ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ عَادَتِي، وَقُمْتُ عَلَى العَادَةِ، فَقَالَ لِي: قِفْ - وَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ قَطُّ بِذلِكَ - ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ وَطَائِهِ قُرْصًا فَقَالَ لِي: أُعْبُرْ بِهَذَا، فَلَحِقَنِي مِنْ ذلِكَ أَمْرٌ بَانَ عَلَيَّ. وَمَضَيْتُ فَعَبَرْتُ بِهِ، وَكَانَ ابنُ العَالِمَةِ - هَذَا - قَدْ قَرَأَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ القُرْآنَ بِالرِّوَايَاتِ.
وَقَالَ أَبُو الحُسَيْنِ، وَابْنُ الجَوْزِيِّ في "الطَّبَقَاتِ": كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ يُفْتِي وَيَعِظُ، وَكَانَ يُدَرِّسُ الفِقْهَ، وَيُقْرِئُ القُرْآنَ، وَكَانَ زَاهِدًا، أَمَّارًا بِالمَعْرُوْفِ، نَهَّاءً عَنِ المُنْكَرِ، أَقَامَ فِي مَسْجِدِهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِيْنَ سَنَةً، وَأَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي العِبَادَةِ وَخُشُوْنَةِ العَيْشِ.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الوَهَّابِ بنَ المُبَارَكِ الحَافِظَ يَقُوْلُ: سَأَلَ وَاحِدٌ أَبَا الوَفَاءِ بنَ القَوَّاسِ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي حَلْقَتِهِ بِـ "جَامِعِ المَنْصُوْرِ"،
_________________
(١) هُوَ أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ بنِ هِبَةِ اللهِ، أَبُو الفَضْلِ البَغْدَادِيُّ (ت: ٥٣٠ هـ). أَخْبَارُهُ فِي: المَنْتَظَمِ (١٠/ ٦٢)، وَمَعْرِفَةِ القُرَّاءِ الكِبَارِ (١/ ٤٧٨)، وَغَايَةِ النِّهَايَةِ (١/ ٤٧). وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ حَنْبَلِيٌّ.
(٢) في (ط) بطبعتيه: "كان يوم. . ." وهي كذلك في (هـ).
[ ١ / ٨٦ ]
وَكَانَ الشَّيْخُ مِمَّنْ قَدْ رَأَى السَّائِلَ فِي الحَمَّامِ بِلَا مِئْزَرٍ، مَكْشُوْفَ العَوْرَةِ، فَقَال لَهُ: لَا أُجِيْبُكَ عَنْ مَسْأَلَتَكَ حَتَّى تَقُوْمَ هَهُنَا فِي وَسَطِ الحَلْقَةِ، وَتَخْلَعَ قَمِيْصُكَ وَسَرَاوِيْلُكَ، وَتَقِفُ عُرْيَانًا، فَقَالَ السَّائِلُ: يَا سَيِّدِنَا، أَنَا أَسْتَحْيِيْ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ، فَقَالَ لَهُ: يَا فُلَانُ، فَهَؤُلَاءِ الحُضُوْرُ، أَوْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الَّذِيْنَ كَانُوا فِي الحَمَّامِ، وَدَخَلْتَ مُكَشَفًا بلَا مِئْزَرٍ، أَيْشٍ الفَرْقُ بَيْنَ جَامِعِ المَنْصُوْرِ وَالحَمَّامِ؟ فَاسْتَحْيَى الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ فَصْلًا طَوِيْلًا فِي النَّهْيِ عَنْ كَشْفِ العَوْرَةِ، وَأَجَابَ عَنْ سُؤَالِهِ.
وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ: كَانَ حَسَنَ الفَتْوَى، مُتَوَسِّطًا فِي المُنَاظَرَة فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ، إِمَامًا فِي الإِقْرَاءِ، زَاهِدًا، شُجَاعًا، مِقْدَامًا، مُلَازِمًا لِمَسْجِدِهِ، يَهَابُهُ المُخَالِفُوْنَ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ ابنُ الزَّوْزَنِيِّ (^١)، وَحَضَرَهُ أَصحَابُ الشَّافِعِيِّ - عَلَى طَبَقَاتِهِمْ وَجُمُوْعِهِمْ - فِي فَوْرَةِ أَيَّامِ القُشَيْرِيِّ (^٢) وَقُوَّتِهِمْ بِنِظَامِ المُلْكِ حَضَرَ، فَلَمَّا بَلَغَ الأَمْرُ إِلَى تَلْقِيْنِ الحَفَّارِ قَالَ لَهُ: تَنَحَّ حَتَّى أُلَقِّنَهُ أَنَا، فَهَذَا كَانَ عَلَى مَذْهَبَنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ وَابنَ أَمَتِهِ إِذَا نَزَلَ عَلَيْكَ
_________________
(١) ابنُ الزَّوْزَنِيِّ هُوَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ مَحْمُوْدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ (ت: ٤٥١ هـ) من كِبَارِ صُوْفِيَّةِ "بَغْدَادَ" في زَمَنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ ابنُ الزَّوْزَنِيِّ عَلَى مَذْهَبِ ابنِ القَوَّاسِ الفِقْهِيِّ الحَنْبَلِيِّ، وَإِلَّا كانَ مُستدْرَكًا عَلَى المُؤَلِّفِ، لَكنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَبِهِ في الاعتِقَادِ، فَهُوَ سَلَفِيُّ المُعْتَقَدِ، وَهَذَا لا يَتَعَارَضُ مَعَ أنَّه صُوْفِيُّ المَنْزَعِ، وَقَوْلُهُ: "بَلْ حَنْبَلِيٌّ سُنِّيٌّ" أَيْ: عَلَى عَقِيْدَةِ الحَنَابِلَةِ، عَقِيْدَةِ السَّلَفِ - ﵏ - فِي الأُصُوْلِ.
(٢) سَاقِطٌ من (هـ) و(ط) بطبعتيه، وهي معلقة بخطٍّ دَقِيْق في (ب) وَابْن القُشَيْرِيِّ هو عَبْدُ الرَّحِيْمِ بنُ عَبْدِ الكَرِيْمِ (ت: ٥١٤ هـ) تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ.
[ ١ / ٨٧ ]
مَلَكَانَ فَظَّانِ غَلِيْظَانِ فَلَا تَجْزَعْ وَلَا تُرَعْ، فَإِذَا سَأَلَاكَ فَقُلْ: رَضِيْتُ باللهِ رَبًّا، وَبالإِسْلَامِ دِيْنًا، لَا أَشْعَرِيٌّ، وَلَا مُعْتَزِليٌّ، بَلْ حَنْبَلِيٌّ سُنِّيٌّ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ، وَلَوْ تَكَلَّمَ أَحَدٌ لَفَضَخَ رَأْسَهُ أَهْلُ "بَابِ البَصْرَةِ" (^١)، فَإنَّهُمْ كَانُوا حَوْلَهُ قَدْ لَقَّنَ أَوْلَادَهُم القُرْآنَ وَالفِقْهَ، وَكَانَ فِي شَوْكَةٍ وَمَنَعَةٍ، غَيْرَ مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِمْ؛ لأَنَّهُ أُمَّةٌ فِي نَفْسِهِ.
حَدَّثَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الوَفَاءِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُم عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وَعَلِيُّ بنُ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيُّ، وَالقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ (^٢)، وَغَيْرُهُمْ.
_________________
(١) بَابُ البَصْرَةِ مِنْ أَشْهَرِ مَحَالِّ بَغْدَادَ، أَغْلَبُ سُكَّانِهِ مِنَ الحَنَابِلَةِ، وَهَذَا الخَبَرُ دَلِيْلُ ذلِكَ، وَهُوَ - في الأَصْلِ - أَحَدُ أَبْوَابِ "بَغْدَادَ" عَلَى سُوْرِهَا العَظِيْمِ مِنَ النَّاحِية الجَنُوبِيَّةِ مِمَّا يَلِي طَرِيْقَ "البَصْرَةِ"، وَمِنْ أَبْوَابِ سُوْرِ "بَغْداد" "بَابِ الكُوفَة"، و"بَابِ الشَّامِ"، و"بَابَ خُرَاسَانَ" .. وَغَيْرِهَا، ثُمَّ أَصْبَحَ مَا حَوْلَهُ مِنْ أَكْبَرِ أَحْيَاءِ "بَغْدَادَ" وَقَدْ بَنَى الوَزِيْرُ عَوْنُ الدِّين يَحْيَى بنُ هُبِيْرَة (ت: ٥٦٠ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ، لِلحَنَابِلَةِ هُنَاكَ مَدْرَسَةً مَشْهُوْرَةً. ودُفِنَ فِيْها الوَزِيْرُ المَذْكُوْرُ كَمَا في المُنْتَظَمِ (١٠/ ٢١٧)، ودَرَّسَ فِيْهَا الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ البَرَنْدَاسِيُّ الحَنْبَلِيُّ (ت: ٥٨٦ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي تَرْجَمَةِ ابنِ القَوَّاسِ هَذَا فِي تَارِيْخِ الإِسْلامِ (١٦٤): "مِنْ أَهْلِ بَابِ البَصْرَةِ". وَمِثْلُ "بَابِ البَصْرَةِ" أَيْضَا: "بَابُ الأَزَجِ" قَالَ الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ في الأَنْسَاب (١/ ١٩٧): "وَهِيَ مَحَلَّةٌ كَبِيْرَةٌ ببَغْدَادَ … كَانَ بِهَا جَمَاعةٌ كَثِيْرةٌ مِن العُلَمَاء وَالزَّهَّادِ وَالصَّالِحِيْنَ، وَكُلُّهُمْ - إِلَّا مَا شَاءَ الله - عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ - ﵀ - وَكَتَبْتُ عَنْ جَمَاعةٍ كَثِيرَة مِنْهُمْ. . .".
(٢) ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الأَنْصَارِيُّ "قَاضِي المَارِسْتَانَ" (ت: ٥٣٥ هـ) في مَشْيَخَتِهِ "أَحَادِيْثُ الشُّيُوْخِ الثِّقَاتِ" (ورقة: ٧٢) الشَّيخُ الخَمْسُوْنَ، قَالَ: "أَخْبَرَنَا أَبُو الوَفَاء طَاهِرُ بنُ =
[ ١ / ٨٨ ]
وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَابِعَ عَشَرَ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ الشَّرِيْفِ أَبي جَعْفَرٍ بِدَكَّةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ -، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ غَيْرُ قَبْرِ الشَّرِيْفِ (^١).
قُرِئَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الأَيُّوْبِيُّ بِـ "القَاهِرَةِ" وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَ أَبُو العَزِّ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ الحَرَّانِيُّ (أَنَا) أَبُو عَلِيِّ بنُ أَبِي القَاسِمِ بنِ الخُرَيْفِ (^٢) (أَنَا) القَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي، أَخْبَرَنَا
_________________
(١) = الحُسَيْنِ بنِ أَحْمَدَ المَعْرُوْفُ بِـ "ابنِ القَوَّاسِ" الفَقِيْهُ الحَنْبَلِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ"، وَأَسْنَدَ عَنْهُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَبِي الحُسَيْنِ القَطَّانِ، وأَبِي سَهْلٍ مَحْمُوْدِ بنِ عُمَرَ العُكْبَرِيِّ.
(٢) في (ط) بطبعتيه: "رَحِمَه اللهُ تَعَالَى" جَاءَ فِي هَامِشِ (أ): "انْظُر إلى قَوْلِهِ: "لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِلَّا قَبْرُ الشَّرِيْفِ" معَ قَوْلِهِ فِي تَرْجَمَة الشَّرِيفِ إِنَّه دُفِنَ في قَبْرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فَبَيْنَهُمَا تنَافُرٌ".
(٣) في (ط) بطبعتيه: "الحريف" بالحَاءِ المُهْمَلَةِ، وَصَوَابُهُ بالخَاءِ المُعْجَمَةِ كَمَا هُوَ مُثْبَتٌ. قَالَ ابنُ نُقْطَةَ: "بِضَمِّ الخَاءِ المُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ. . ." وَالتَّوْضِيْحِ لابنِ نِاصِر الدِّيْن (٣/ ٢١١)، وَهُوَ ضِيَاءُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ، أَبُو عَلِيٍّ بنُ النَّجَّارِ السَّقْلَاطُوْنِيُّ المَعْرُوْفُ بِـ "ابنِ الخُرَيْفِ" (ت: ٦٠١ هـ) مِنْ تَلَامِيْذِ القَاضِي أَبي الحُسَيْنِ بن أَبِي يَعْلَى، والقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ قَاضِي المَارِسْتَان … وَغَيْرِهِمَا، وَمِن شُيُوْخِ النَّجِيْبِ الحَرَّانِيِّ كَمَا فِي "مَشْيَخَتِهِ"، لَهُ شُهْرَةٌ. أَخْبَارُهُ في: تَكْمِلَةِ المُنْذِرِيِّ (٢/ ٨٦)، وَالمُخْتَصر المُحْتَاجِ إليه (٢/ ١١٦)، وَتَكْمِلَةِ الإِكْمَالِ (٢/ ٢٤٣)، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ مِنَ الحَنَابِلَةِ، وَلَمْ أَجِدْ مَا يُؤَكِّدُ ذَلك، لِذَا لَم أَسْتَدْرِكْهُ عَلَى المُؤَلِّفِ. قَالَ ابنُ نُقْطَة: "وَكَانَ سَمَاعُهُ صَحِيْحًا" وَوَصَفَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي السِّير (٢١/ ٤١٨) بِـ "الشَّيْخِ المُسْنِدِ، وَقَالَ: مِكْثِرٌ عَن قَاضِي المَارِسْتَان". وَالحَدِيثُ المَذْكُوْرُ هُنَا بِسَنَدِهِ فِي مَشْيَخَةِ قَاضِي المَارِسْتَانِ أَبِي بَكْرٍ الأَنْصَارِيِّ =
[ ١ / ٨٩ ]
أَبُو الوَفَاءِ بنُ القَوَّاسِ (أَنَا) أَبُو سَهْلٍ العُكْبَرِيُّ (ثَنَا) إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَحْمَدَ الخِرَقِيُّ (ثَنَا) أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَابُوْرَ (ثَنَا) إِسْحَقُ بنُ إِسْرَائِيْلَ (ثَنَا) الفَضْلُ بنُ حَرْبٍ البَجَلِيُّ (ثَنَا) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ بديلٍ، عَنْ أَبِيْهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: "لِكُلِّ شَيْءٍ حِلْيَةٌ، وَإِنَّ حِلْيَةَ القُرْآنِ الصَّوْتُ الحَسَنُ".
ذَكَرَ أَبُو الحَسَنِ بنُ البَنَّاءِ فِي كِتَابِ "أَدَبِ العَالِمِ وَالمُتَعَلِّمِ": أَنَّهُ حَدَثَ فِي زَمَانِهِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ: هَلْ يَجُوْزُ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى المُحَدِّثِ الثِّقَةِ كِتَابٌ، ذَكَرَ أنَّهُ سَمَاعُهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ خَطُّ يَشْهَدُ بِهِ مِنْ شَيْخٍ وَلَا غَيْرِهِ؟ وَأَنَّ فُقَهَاءَ عَصْرِهِمْ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ ذلِكَ وَكَتَبُوا بِهِ خُطُوْطَهُمْ، وَذَكَرَ خَلْقًا مِمَّنْ أَفْتَى بِذلِكَ، أَوَّلُهُم أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ: الخَطُّ عَادَةٌ مُحْدَثَةٌ، اسْتَظْهَرَهَا المُحَدِّثُوْنَ مِنْ غَيْرِ إيْجابٍ لَهَا. وَكَتَبَ أَبُو إِسْحَقَ الشِّيْرَازِيُّ تَحْتَ خَطِّهِ جَوَابِي مِثْلُهُ. قَالَ ابنُ البَنَّاءِ: وَكَتَبْتُ أَنَا: المُحَدِّثُ الثِّقَةُ القَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذلِكَ، وَلَوْ رَأَوا سَمَاعَهُ فِي كِتَابٍ، حَتَّى يَقُوْلَ المُحَدِّثُ: مَا سَمِعْتُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ، وَالسَّلَفُ - ﵃ - عَلَى هَذَا، كَانُوا يُحَدِّثُوْنَ (^١) بالأَحَادِيْثِ وَأَكْثَرُهُمْ يَذْكُرُهَا مِنْ حِفْظِهِ، وَيَسْمَعُوْنَهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُظْهِرُوا خَطَّ مَنْ حَدَّثَهُمْ بِهِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الشَّرِيْفَ الأجَلَّ أَبَا جَعَفَرِ بنِ أَبِي مُوْسَى (^٢) كَذلِكَ أَفْتَى. وَذَكَرَ أَجْوِبَةً كَثِيْرَةً مِنْهَا جَوَابُ ابنِ القَوَّاسِ، وَلَفْظُهُ: الظَّاهِرُ العَدَالَةِ،
_________________
(١) = في ذِكْرِ أَبِي الوَفَاءِ ابنِ القَوَّاسِ "الشَّيْخِ الخَمْسِيْنَ" وَيُرَاجَعُ: مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (٢/ ٤٨٤).
(٢) في (أ) فقط: "يجزمون" تَحْرِيْفٌ.
(٣) (ت: ٤٧٠ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ.
[ ١ / ٩٠ ]
يُقْنَعُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَلَا يُطَالَبُ بِخَطِّ مَنْ أَسْنَدَ عَنْهُ مِنْ شُيُوْخِهِ، وَكَتَبَهُ ابنُ القَوَّاسِ الحَنْبَلِيُّ. وَذَكَرَ مِثْلَ ذلِكَ عَنْ قَاضِي القُضَاةِ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ الدَّامَغَانِيِّ (^١)، وَأَبي نَصْرِ بنِ الصَّبَّاغِ (^٢)، وَأَبِي بَكْرٍ الشَّامِيِّ (^٣) وَغَيْرِهِمْ.
وَذَكَرَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ فِيْمَا تَقَدَّمَ، وَأَنَّ الفُقَهَاءَ وَالمُحَدِّثِيْنَ اتَّفَقُوا عَلَى السَّمَاعِ بِذلِكَ، مِنْهُمْ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الصُّوْرِيُّ (^٤) قَالَ:
_________________
(١) سبَقَ ذِكْرُهُ.
(٢) أبُو نَصْرِ بنُ الصَّباغِ عَبْدُ السَّيِّدُ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت: ٤٧٧ هـ) شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي وَقْتِهِ، مُؤَلِّفُ كِتَابَ "الشَّامِل" قَالَ الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ: "كَانَ أَبُو نَصْرٍ يُضَاهِي أبَا إِسْحَق الشِّيْرَازِيَّ، وَكَانُوا يَقُوْلُوْنَ: هُوَ أَعْرَفُ بِالمَذْهَبِ مِنْ أَبِي إِسْحَقَ. أَخْبَارُهُ فِي: المُنْتَظَمِ (٩/ ١٢)، وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ للسُّبْكِيِّ (٥/ ١٢٢)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٨/ ٤٦٤)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَبِ (٣/ ٣٥٥).
(٣) أَبُو بَكْرٍ الشَّامِيُّ مُحَمَّدُ بنُ المُظَفَّرِ الحَمَوِيُّ الشَّافِعِيُّ الزَّاهِدُ (ت: ٤٨٨ هـ). قَالَ السَّمْعَانيُّ: "هُوَ أَحَدُ المُتْقِنِينَ لِلْمَذْهَب، وَلَهُ اطِّلاعٌ عَلَى أَسْرَارِ الفِقْهِ … وَلِيَ قَضَاءَ القُضَاةِ بَعْد أَبي عَبْدِ الله الدَّامَغَانِيِّ". أَخْبَارُهُ في: المُنْتَظَمِ (٩/ ٩٤)، وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ لِلْسُبْكِيِّ (٤/ ٢٠٤)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ٨٥)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٣٩١).
(٤) الصُّوْرِيُّ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الصُّوْرِيُّ الشَّامِيُّ الحَافِظُ (ت: ٤٤١ هـ)، قَالَ الحَافظُ الخَطِيْبُ: "كَانَ مِنْ أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى الحَدِيْثِ، وَأَكْثَرِهِمْ كَتْبًا لَهُ، وَأَحْسَنِهِمْ مَعْرِفَةً بِهِ، لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْنَا مِنَ الغُرَبَاءِ الَّذيْن لَقَيْتُهُم أَفْهَمَ مِنْهُ، كَانَ دَقِيْق الخَطِّ، صَحِيْحَ النَّقْلِ". وَنَقَلَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ عن الحَافظُ السِّلَفِيِّ قَوْلَهُ: كَتَبَ الصُّورِيُّ "صَحِيْحَ البُخَارِيِّ" فِي سَبْعَةِ أَطْبَاقٍ مِنَ الوَرَقِ البَغْدَادِيِّ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى عَيْنٍ وَاحِدَةٍ .. ". أَخْبَارُهُ في: تَارِيْخِ بَغْدَادَ (٣/ ١٠٣)، وَالإِكْمَالِ (٤/ ٤٩)، وَمُعْجَمِ الأُدَبَاءِ (١/ ٢٤٩)، وَالأَنْسَابِ =
[ ١ / ٩١ ]
وَامْتَنَعَ مِنَ السَّمَاعِ بِذلِكَ نَفَرٌ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُخَالِفُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةَ مِنْ فُقَهَاءِ العَصْرِ وَالمُتَقَدِّمِيْنَ قَبْلَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ المُتَقَدِّمِيْنَ العُلَمَاءِ، وَالمُتَأَخِّرِيْنَ البُلَغَاءِ. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ فِي المَائَةِ السَّابِعَةِ مِثْلُ هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِي "صَحِيْحِ مُسْلِمٍ" لَمَّا قَالَ القَاسِمُ الإِرْبِلِيُّ (^١):
_________________
(١) = (٨/ ١٠٦)، وَتَارِيْخِ إِرْبلَ (١/ ٤٠)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٧/ ٦٢٧)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٤/ ١٢٨)، وَالشُّعُوْر بِالعُوْرِ (٢١١)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَبِ (٣/ ٢٦٧).
(٢) هُوَ القَاسِم بنُ أَبِي بَكْرِ بنِ القَاسِمِ بنِ غَنِيْمَةَ الإِرْبِلِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ المُلَقَّبُ بـ "الأَمْينِ" (ت: ٦٨٠ هـ). قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في العِبَر (٥/ ٣٣٠): "رَحَلَ مَعَ أَبِيْهِ بَضْعَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، فَذَكَرَ - وَهُوَ صَدُوْقٌ - أَنَّهُ سَمِعَ جَمِيْعَ "صَحِيْحِ مِسْلِمٍ" مِنْ المُؤَيَّدِ الطُّوْسِيِّ، وَرَوَاهُ بِدِمَشْقَ فَسَمِعَهُ مِنْهُ الكِبَار" ويُرَاجَعُ: شَذَرَات الذَّهَب (٥/ ٣٦٧). وَبَيَّنَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الكِبَارِ في تَارِيْخِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: "رَوَى "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" عَنْ المُؤَيَّدِ الطُّوْسِيِّ بِدِمَشْقَ مِنْ غَيْرِ أَصْلِ فَسَمِعَ مِنْهُ ابنُ تَيْمِيَّة، وابنُ أَبِي الفَتْحِ، وَابنُ الوَكِيْلِ، وَالمِزِّيُّ، وَالبَرْزَالِيُّ، وَالفَقِيْهُ عُبَادَةٌ، وَطَائِفَةٌ سِوَاهُمْ". أَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: في المُقْتَفَى لِلْبَرْزَالِيِّ (١/ ورقة: ٩٦) قَالَ البَرْزَالِيُّ: "كَانَ مِنْ أَعْيَانِ التُّجَّارِ، وَدَخَلَ العَجَمَ، و[انْثَنَى] إِلَى "خُوَارِزْمَ"، وسَمِعَ "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" عَلَى المُؤَيَّدِ الطُّوسِيِّ … ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلَيْهِ "صحِيْحَ مُسْلِمِ" بِكَمَالِهِ بِقِرَاءَةِ شَمْسِ الدِّيْنِ بْن أَبِي الفَتْحِ البَعْلَبَكِيِّ بِإِفَادَةِ وَالِدِي وَحُضُوْرِهِ". ثُمَّ قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: "سَأَلْتُ أَبَا الحَجَّاجِ الحَافِظُ عَنْهُ فَقَالَ: شَيْخٌ، جَلِيْلٌ، قَدِيْمُ المَوْلِدِ، كَانَ يَذْكُرُ أَنَّ أَبَاهُ سَفَّرَهُ إِلَى "نَيْسَابُوْرَ" مَعَ إِخْوَتِهِ لِذلِكَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ "صَحِيْحَ مُسْلِمٍ" مِنْ المُؤَيَّدِ، وَسَمِعْنَاهِ مِنْه اعْتِمَادًا عَلَى قَوْلِهِ، بَعْدَ أَنْ سَأَلْنَا عَنْهُ القَاضِيَ شَمْسَ الدِّيْنِ بنَ خِلِّكَان وَغَيْرَهُ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا. قُلْتُ: وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ أَنَّه قَالَ لَهُمْ: كَانَ لِي فَوْتٌ في الكِتَابِ، وَأُعِيْدَ بالقَصْدِ عَلَى المُؤيَّدِ .. وَذَكَرَ أَمِيْنُ الدِّيْنِ =
[ ١ / ٩٢ ]
سَمِعْتُهُ مِنَ المُؤَيَّدِ الطُوْسِيِّ (^١)، فَقُبِلَ ذلِكَ مِنْهُ، وَسُمِعَ عَلَيْهِ الكِتَابُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَسَمِعَهُ مِنْهُ الحُفَّاظُ وَالفُقَهَاءُ، وَأَفْتَى بِالسَّمَاعِ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَاضِي القُضَاةِ شَمْسُ الدِّيْنِ بنُ أَبي عُمَرَ المَقْدِسِيُّ.