دَرَجَ كَثِيْرٌ مِنَ البَاحِثِيْنَ عَلَى عَقْدِ مَبْحَثٍ لِتَوْثِيْقِ نِسْبَةِ الكِتَابِ إِلَى مُؤَلِّفِهِ؛ لأنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِمَّا كُتِبَ عَلَى النُّسْخَةِ صِحَّةُ هَذِهِ النِّسْبَةِ، فَقَدْ يَكُوْنُ مُخْتَصَرًا للأَصْلِ، وَقَدْ تَكُوْنُ النِّسْبَةُ خَطَأً مَحْضًا؛ لأسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ لَيْسَ هَذَا مَحَلُّ ذِكْرِهَا؛ لِذلِكَ رَاحُوا يَبْحَثُوْنَ عَنْ أَدِلَّةٍ يَقِيْنِيَّةٍ أَوْ تَرْجيْحِيَّةٍ - عَلَى الأقَلِّ - لِتَأْكِيْدِ هَذِهِ النِّسْبَةِ أَوْ نَفْيِهَا. وَيَلْزَمُ أَنْ تَكُوْنَ هَذِهِ الأَدِلَّةُ مِنْ دَاخِلِ النَّصِّ وَخَارِجِهِ، وَهَذَا التَّوْثِيْقُ يَتَحَتَّمُ إِذَا اكْتَنَفَ النُّسْخَةَ شَيْءٌ مِنَ الغُمُوْضِ، أَوْ حَامَتْ حَوْلَهُ الشُّكُوْكُ، أَوْ فُقِدَتْ مِنْهُ وَرَقَةُ العُنْوَانِ، وَمُقَدِّمَةُ المُؤَلِّفُ. وَهَذَا التَّوْثِيْقُ لَا يَلْزَمُ إِذَا كَانَ الكِتَابُ مَشْهُوْرَ النِّسْبَةِ إِلَى مُؤَلِّفِهِ، أَوْ كَانَ مَرْوِيًّا بِالسَّنَدِ إِلى مُؤَلِفِهِ، بِطَرِيْقٍ صَحِيْحٍ، أَوْ بِعِدَّةِ طُرُقٍ؛ لأنَّ تَوْثِيْقَهُ في هَذِهِ الحَالِ تَحْصِيْلُ حَاصِلٍ.
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ … إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيْلِ
[ المقدمة / ٥٦ ]
وَكِتَابُ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ هَذَا مِنَ الكُتُبِ المَشْهُوْرَةِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى مِثْلَ هَذَا التَّوْثِيْقِ؛ فَالأَدِلَّةُ مُتَوَافِرَةٌ مِنْ دَاخِلِ النَّصِّ وَخَارِجِهِ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ النِّسْبَةِ. فَقَدْ ذَكَرَ المُؤَلِّفُ فِي ثَنَايَا الكِتَابِ وَالِدَهُ "أَحْمَدَ" وَجَدَّهُ "رَجَبًا" كَمَا ذَكَرَ جَمْعًا مِنْ شُيُوْخِهِ، رَوَى عَنْهُمْ، وَأَسْنَدَ إِلَيْهِمْ، وَأَحَالَ فِيْهِ عَلَى كِتَابِهِ: "الكَشْفُ وَالبَيَانُ. . ." وَهُوَ ثَابِتُ النِّسْبَةِ إِلَيْهِ، مَذْكُوْرٌ فِي مُؤَلَّفَاتِهِ، ونَسَخَهُ بَعْضُ تَلَامِيْذِ المُؤَلِّفِ، وَاخْتَصَرَهُ آخَرُوْنَ. لِذلِكَ لَا نَحْتَاج إِلَى جُهْدٍ لإِثْبَاتِ نِسْبَتُهُ. وَقَدْ قَرَأَهُ، وَصَحَّحَ نُسَخَهُ، وَاقْتَبَسَ مِنْ فَوَائِدِهِ جَمْعٌ مِنَ العُلَمَاءِ كَمَا هُوَ مُثْبَتٌ عَلَى نُسَخِهِ الآتي وَصْفُ بَعْضِهَا "النُّسَخُ المُعْتَمَدَةِ".