_________________
(١) هَذِهِ العبارة جَاءَتْ في آخِرِ التَّرْجَمَةِ في (ط) الفقي مُخَالفة للأُصُوْلِ المُعْتَمَدَةِ كُلِّها، وَلِطَبْعَةِ الجُزْءِ الأوَّلِ من الكِتَابِ تَحقيق الدُّكتور هنري لاووُست والدُّكتور سَامِي الدَّهَّان، وَتَأخَّرَتْ لَفْظَةُ "أَبُو بَكْرٍ" إِلَى آخِرِ نَسَبِهِ.
(٢) ٢٦ - أَبُو بَكْرِ بنُ القَيِّم الحَرِيْمِيُّ (؟ - ٤٨٠ هـ): لَمْ يَذْكُرْهُ القَاضِي أَبُو الحُسَين بنُ أَبِي يَعْلَى فِي "الطَّبَقَاتِ" وَلَا ابنُ مُفْلِحٍ في "المَقْصَدِ الأَرْشَدِ". وَأَخْبَارُهُ في: المَنْهَجِ الأَحْمَدِ (٢/ ٤٢٥)، وَمُخْتَصَرِهِ "الدُّرِّ المُنَضَّدِ" (١/ ٢١٣). وَيُرَاجَعُ: شَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٣/ ٣٦٦٤) (٥/ ٣٤٨).
(٣) في (ط) تَحْقِيْق الدُّكتور هنري لاوُوست، والدُّكتور سامي الدَّهَّان: "الخزيمي" وفِي نَشْرَةِ الفَقِي: "الخُريمي".
(٤) ٢٧ - شَيْخُ الإِسْلامِ الأنْصَارِيُّ (٣٩٦ - ٤٨١ هـ): لَمْ يَذْكُرْهُ ابنُ مُفْلِحٍ في "المَقْصَدِ الأَرْشَدِ". وَأَخْبَارُهُ فِي: طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (٣/ ٤٥٨)، وَمُخْتَصَرِهِ (٤٠٠)، وَمَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (٦٣٢)، وَمُخْتَصَرِهِ (٧٢)، وَمُخْتَصَرِ الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ لابنِ نَصْرِ اللهِ (ورقة: ٦)، وَالمَنْهَجِ الأَحْمَدِ =
[ ١ / ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (٢/ ٤٢٧)، وَمُخْتَصَرِهِ "الدُّرِّ المُنَضَّدِ" (١/ ٢١٥). وَيُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٩/ ٤٤)، وَدُمَيةُ القَصْرِ (٢/ ٨٨٨)، وَالمُنْتَخَبُ مِنَ السِّيَاقِ (٢٨٤)، وَالكَامِلُ فِي التَّارِيْخِ (١/ ١٦٨)، وَالتَّقْيِيْدُ لابنِ نُقْطَةَ (٣٢٢)، وَطَبَقَاتُ عُلَمَاءِ الحَدِيْثِ (٣/ ٣٧٦)، وَتَارِيخُ الإِسْلامِ (٥٣)، وَسِيَرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٨/ ٥٠٣)، وَالإِعْلامُ بِوَفَيَاتِ الأَعْلَامِ (١٩٨)، وَدُوَلُ الإِسْلَامِ (٢/ ١٠)، وَتَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ (٣/ ١١٨٣)، وَالعِبَرُ (٣/ ٢٩٦)، وَمِرْآةُ الجِنَانِ (٣/ ١٣٣)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (١٧/ ٥٩٧)، وَالبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٢/ ١٣٥)، وَتَارِيخُ الخَمِيْسِ (٢/ ٤٠٢)، وَطَبَقَاتُ الحُفَّاظِ (٤٤١)، وَطَبَقَاتُ المُفَسِّرِيْنَ للسُّيُوْطِيِّ (٢٥)، وَطَبَقَاتُ المُفَسِّرِيْنَ لِلدَّاوُدِيِّ (١/ ٢٤٩)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٣/ ٣٦٥) (٥/ ٣٤٩)، وَالرِّسَالَةُ المُسْتَطْرَفَةُ (٤٥). وَلَهُ ذِكْرٌ فِي طَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ لِلسُّبْكِيِّ (٤/ ٢٧٢)، وَكَشْفِ الظُّنُونِ (١/ ٥٦، ٤٢٠، ٨٢٨، ٢/ ١٨٢٨، ١٨٣٦)، وَإِيْضَاحِ المَكْنُوْنِ (١/ ٣١٠، ٢/ ١١٨). وَطُبِعَتْ دِرَاسَاتٌ عَنْ حَيَاتِهِ وَأَخْبَارِهِ وَآثَارِهِ. وَ"الهَرَوِيُّ" مَنْسُوْبٌ إِلَى "هَرَاةَ"، بَلْدَةٌ كَبِيْرَةٌ جِدًّا، مِنْ أُمَّهَاتِ مُدُنِ "خُرَاسَان" مَشْهُوْرَةٌ، مَعْرُوْفَةٌ. قَالَ يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ في "مُعْجَمِ البُلْدَانِ": "هَرَاةُ: - بِالفَتْحِ - مَدِيْنَةٌ عَظِيْمَةٌ مَشْهُوْرةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ مُدُنِ "خُرَاسَان"، لَمْ أَرَ بِـ "خُرَاسَان" - عِنْدَ كَوْنِي بِهَا سَنة (٦٠٧ هـ) - مَدِيْنَةً أَجَلَّ، وَلَا أَعْظَمَ، وَلَا أَفْخَمَ، وَلَا أَحْسَنَ، وَلَا أَكْثَرَ أَهْلًا مِنْهَا، فِيْهَا بَسَاتِيْنُ كَثيْرَةٌ، وَمِيَاهٌ غَزِيْرَةٌ، وَخَيْرَاتٌ كَثِيْرَةٌ، مَحْشُوَّةٌ بالعُلَمَاءِ، وَمَمْلُوءَةٌ بأَهْلِ الفَضْلِ وَالثَّرَاءِ، وَقَدْ أَصَابَهَا عَيْنُ الزَّمَان، وَنَكَبَتْهَا طَوَارِقُ الحَدَثَانِ، فَجَاءَهَا الكُفَّارُ مِنَ التَّتَر فخَرَّبُوهَا حَتَّى أَدْخَلُوْهَا فِي خَبَرِ كَانَ، فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ، وَذلِكَ فِي سَنَة (٦١٨ هـ) ". يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ مَا اسْتَعْجَمَ (٢٨٥، ١٠٤٢)، وَمُعْجَمُ البُلْدَانِ (٥/ ٤٥٦)، وَالرَّوْضُ المِعْطَارِ (٥٩٤)، وَالأَنْسَابُ لأبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ (١٢/ ٣٢٤). أَقُوْلُ وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ: وَهِيَ الآنَ مِنْ كُبْرَيَات مُدُنِ "أَفْغَانِسْتَانَ" أَعَادَ اللهُ لَهَا الأَمْنَ وَالأَمَانَ. ولأَبِي إِسْمَاعِيل الأَنْصَارِيِّ المُتَرْجَمِ أَوْلَادٌ وَأَحْفَادٌ وَقَرَابَاتٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ
[ ١ / ١١٤ ]
مَنْصُوْرِ بنِ مَتَّ الأنْصَارِيُّ، الهَرَوِيُّ، الفَقِيْهُ، المُفَسِّرُ، الحَافِظُ، الصُّوْفِيُّ، الوَاعِظُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، أَبُو إِسْمَاعِيْلَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أَبِي أَيُّوبَ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الأَنْصَارِيُّ (^١)، صَاحِبُ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -.
وُلِدَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ. ذَكَرَهُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ فِي كِتَابِ "المَادِحِ وَالمَمْدُوْحِ" وَهُوَ مُجَلَّدٌ ضَخْمٌ يَتَضَمَّنُ (^٢) مَنَاقِبَ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ وَمَا يَتَعَلَّقَ بِهَا، قَالَ: رَأَيْتُهُ فِي "تَارِيْخِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيِّ الكُتْبِيِّ" الَّذِي ذَيَّلَ بِهِ عَلَى تَارَيْخِ أَبِي (^٣) إِسْحَقَ القَرَّابِ
_________________
(١) = ذَكَرْتُهُمْ في هَامِشْ تَرْجَمَتِهِ فِي "طَبَقَاتِ الحَنَابِلَة" وَسَنَأْتِي عَلَى ذَكْرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعِه مِنْ اسْتِدْرَاكِنَا عَلَى المُؤَلِّفِ إِنْ شَاءَ اللهِ تَعَالى.
(٢) كَذَا فِي النُّسَخِ كُلِّهَا المُعْتَمَدَةِ وَغَيْرِ المُعْتَمَدَةِ، وَ(ط) بطبعتيه، وَمُختَصَرِهِ لابنِ نَصْرِ اللهِ، وَيَظْهَرُ أَنَّهُ خَطَأٌ مِنَ المُؤَلِّفِ، سَهْوٌ مِنْهُ - ﵀ - انْقَلَبَ عَلَيْهِ اسمُ أَبِي أيُّوب، وَالصَّوَابُ، أنَّه خَالِدُ بنُ زَيْدٍ، كَمَا في الاسْتِيْعَابِ (٢/ ٤٢٤)، وَأُسْدِ الغابة (٢/ ٩٤)، وَالإِصَابَةِ (١/ ٤٠٥). وَنَبَّهَ عَلَى ذلِكَ مُحَقِّقُ "المَنْهج الأَحْمَدِ" جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا. إِلَّا أَنَّهُ انْتَقَدَ (ط) السَّابِقَةِ مِنَ "المَنْهَجِ". وَ"ذَيْلِ الطَّبَقَاتِ" مَعَ أنَّه أَبْقَاهُ فِي طَبْعَتِهِ هُوَ عَلَى القَلْبِ أَيْضًا؟! فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُوْلَ: "كَذَا جَاءَ في الأُصُوْلِ وَ(ط). . ." كَمَا فَعَلْنَا أَوْ يُصَحِّحَ في الأَصْلِ وَيُعَلِّقَ؛ وَلَكِنَّه سَهَا عَنْهُ فَلَمْ يُصَحِّحْهُ؟!.
(٣) في (أ) و(ب): "تَتَضَمَّنُ".
(٤) في (ط): "تَارِيْخ إِسْحَق"، وَقَبْلَ الحَدِيْثِ عَنْ "تَاريخ الكُتْبِيِّ" المَذْكُوْرِ يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِفَ أَوَّلًا أَصْلَهُ، وَهُوَ "تَارِيْخُ القَرَّابِ"، وَالقَرَّابُ: أَبُو إِسْحَقَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ يَاسِيْنَ الهَرَوِيُّ الحَدَّادُ (ت: ٣٣٤ هـ). قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلاءِ (١٥/ ٣٣٩): "الشَّيْخُ الحَافِظُ، المُحَدِّثُ، المُؤرِّخُ … صَاحِبُ تَارِيْخِ هَرَاةِ". =
[ ١ / ١١٥ ]
الحَافِظِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ عَنْ سِنِّهِ؟ فَأَخْبَرَهُ بِذلِكَ، وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ نُقْطَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ ابنِ الجَوْزِيِّ أَنَّهُ وُلِدَ فِي ذِيْ الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ. وَذَكَرَ عَبْدُ الغَافِرِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيُّ (^١) فِي "ذَيْلِ تَارِيْخِ نَيْسَابُوْر" أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ. وَسَمِعَ الحَدِيْثَ بِـ "هَرَاةَ" مِنْ يَحْيَى بنِ عَمَّارٍ السِّجْزِيِّ (^٢)، وَأَخَذَ مِنْهُ عِلْمَ التَّفْسِيْرِ، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ الأَزْدِيِّ، وَأَبِي
_________________
(١) = وَيُراجَعُ: الإعْلَانُ بالتَّوْبِيْخِ (٦٥٢)، قَالَ: "في تَصْنِيْفَيْنِ" وَكَشْفِ الظُّنُوْنِ (٣٠٩). أَمَّا الكُتْبِيُّ المَذْكُوْرُ فَهُوَ - كَمَا يَقُوْلُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ أيْضًا -: الإمَامُ، الحَافِظُ، مُحَدِّثُ "هَرَاةَ" الحَاكِمُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ الكُتْبِيُّ الهَرَوِيُّ المُؤَرِّخ" (ت: ٤٩٦ هـ). قَالَ السَّمْعَانِيُّ: "لَهُ عِنَايَةٌ تَامَّةٌ بِالتَّوَارِيْخ، يُلَقَّبُ بِـ "حَاكِمِ كُرَّاسَةَ"، قَالَ عَبْدُ الغَافِرِ الفَارِسِيُّ: "طَالَعْتُهُ واسْتَفَدْتُ مِنْهُ شَيْئًا". - وَذَيَّلَ عَلَى كِتَابِ الكُتْبِيِّ هَذَا في "تَاريخ هَرَاة": المُخْتَارُ بنُ عَبْدِ الحَمِيْدِ بنِ المُنْتَصِرِ (ت: ٥٣٦ هـ) مِنْ شُيُوْخِ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ، جَاءَ فِي المُنْتَخَبِ منْ شُيُوْخِ أَبِي سَعْدٍ (٣/ ١٧١١): "جَمَعَ تَارِيْخَ وَوَفَياتِ الشُّيُوْخِ بَعْدَ مَا جَمَعَهُ الحَاكِمُ الكُتْبِيُّ". - وَلِـ "هَرَاةَ" تَوَارِيْخُ أُخَرُ مِنْهَا: تَارِيْخُ شِيْرَوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ (ت: ٥٠٩ هـ) صَاحِبِ "تَارِيْخِ هَمَذَانَ". وَجَمَعَ أَبُو النَّضْرِ عَبْدُ الرَّحْمن بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ الهَرَوِيُّ الفَامِيُّ ثِقَةُ الدِّيْنِ (ت: ٥٤٦ هـ) لَهَا تَارِيْخًا، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في السِّيَرِ (٢٠/ ٢٩٨): "لَهُ تَارِيْخٌ صَغِيْرٌ". يُرَاجَعُ: كَشْفُ الظُّنُون (٣٠٩)، وَالإِعْلانُ بِالتَّوْبِيْخِ (٦٥٢، ٦٥٣) وهُنَاكَ تَوَارِيْخُ أُخَرُ لَمْ نَذْكُرْهَا، لَمْ يَكُنْ قَصْدُنَا هُنَا جَمْعَهَا، وَلَا ذِكْرَهَا مُفصَّلةً، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ لِـ "هَرَاةَ" فِي الوَقْتِ الرَّاهِنِ سَنَةَ (١٤٢٤ هـ) تَارِيْخًا مَوْجُوْدًا مِنْ هَذِهِ أَوْ غَيْرِهَا، لَا مَخْطُوْطًا وَلَا مَطْبُوْعًا، ولَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله.
(٢) تَقَدَّمَ التَّعْرِيْفُ بِهِ، وَذَكَرْنَا فِي مَصادِرِ التَّرْجَمَةِ.
(٣) ذَكَرْتُ في التَّعْلِيْقِ عَلَى الطَّبَقَاتِ (٣/ ٤٥٨) أنَّه حَنْبَلِيٌّ مُسْتَدْرَكٌ عَلَى القَاضِي أَبِي =
[ ١ / ١١٦ ]
الفَضْلِ الجَارُوْدِيِّ الحَافِظِ، وَأَخَذَ مِنْهُ عِلْمَ الحَدِيْثِ، وَشُعَيْبٍ البُوْشَنْجِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَبِـ "نَيْسَابُوْرَ" مِنْ أَبِي سَعِيْدٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَأَبِي نَصْرٍ المُفَسِّرِ المُقْرِئِ، وَأَبِي الحَسَنِ الطَّرَازِيِّ (^١)، وَجَماعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الأَصَمِّ. وَرَأَى القَاضِي أَبَا بَكْرٍ الحِيْرِيَّ (^٢)، وَحَضَرَ مَجْلِسَهُ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَكَانَ يَقُوْلُ: تَرَكْتُهُ للهِ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ فِي مَجْلِسِهِ مَا يُنْكِرُهُ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةَ السُّنَّةِ، ذَكَرَهُ الرُّهَاوِيُّ، عَنْ السِّلَفِيِّ، عَنِ المُؤْتَمِنَ السَّاجِيِّ، عَنْهُ. وَسَمِعَ بـ "طُوْسَ" (^٣) وَ"بِسْطَامَ" (^٤) مِنْ خَلْقٍ يَطُوْلُ ذِكْرُهُمْ (^٥)، وَصَحِبَ الشُّيُوْخَ، وَتَأَدَّبَ بِهِمْ،
_________________
(١) = الحُسَيْنِ - ﵀ - وَذَكَرْتُ طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِهِ، وَبَعْضَ مَصَادِرِ تَرْجَمَتِهِ.
(٢) ذَكَرْتُ في التَّعَليق عَلَى الطَّبَقَاتِ (٣/ ٢٣١) أَنَّهُ حَنْبَلِيٌّ مَسْتَدْرَكٌ عَلَى القَاضِي أبي الحُسَيْن أَيْضًا. وَذَكَرْتُ طَرَفًا مِنْ أَخْبَارِهِ وَبَعْضَ مَصَادِرِ تَرْجَمَتِهِ.
(٣) هُوَ الإِمَامُ العَلَّامَةُ، المُحَدِّث، مُسْنَدِ "خراسان" أَحْمَدُ بنُ أَبِي عَلِيٍّ الحَسَنِ (ت: ٤٢١ هـ). يُرَاجَعُ: الأَنْسَابُ (٤/ ١٠٨)، وَسِيَرُ أَعلامِ النُّبَلاءِ (١٧/ ٣٥٦)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٦/ ٣٠٦)، وَالشَّذَرَاتُ (٣/ ٢١٧).
(٤) مَدِيْنَةٌ بِـ "خُرَاسَانَ" بَيْنَهَا وَبَيْنَ "نَيْسَابُوْرَ" نَحْوَ عَشَرَةِ فَرَاسِخَ. مُعْجَمُ البُلْدَانِ (٤/ ٥٥)، وَهِي المَعْرُوْفَةُ الآنَ بِـ "مَشْهَد" مِنْ كُبْرَيَاتِ المُدُن الإِيرانِيَّة، بِهَا قَبْرُ عَلِيِّ بنِ مُوْسَى الرِّضَا؛ لِذلِك سَمُّوْهَا "مَشْهَدَ الرِّضَا"؛ وَبِهَا قَبْرُ أَمِيْرِ المُؤْمِنِين هَارُوْنَ الرَّشِيْدِ أيضًا.
(٥) بالكَسْرِ، ثُمَّ السُّكُوْنِ بَلْدَةٌ كَبِيْرَةٌ بِـ "قَوْمَسَ" عَلَى جَادَّةِ الطَّرِيْقِ إِلَى "نَيْسَابُوْر" بَعْدَ "دَامَغَانَ" بِمَرْحَلَتَيْنِ. مُعْجَمُ البُلْدَانِ (١/ ٥٠٠)، وَ"نَيْسَابُورُ" مَشْهُورَةٌ جِدًّا.
(٦) جَمَعَ شُيُوْخَهُ مُحَقِّقُ "ذَمِّ الكَلَامِ وَأَهْلِهِ" الشَّيخُ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الأَنْصارِيُّ في مُقَدِّمَةِ تَحْقِيْقِ الكِتَابِ، وَأَوْصَلَهُم إِلَى (٢٤٤) مِنْ خِلالِ رِوَايَاتِهِ عَنْهُمْ في كِتَابَيْهِ "ذَمِّ الكَلامِ" وَ"الأرْبَعِيْنَ فِي دَلائِلِ التَّوْحِيْدِ" وَلا يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ شُيُوخِهِ؟!.
[ ١ / ١١٧ ]
وَخَرَّجَ الأمَالِيَ وَالفَوَائِدَ الكَثِيْرَةَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ شُيُوْخِ الرُّوَاةِ، وَأَمْلَى الحَدِيْثَ سِنِيْنَ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ الكَثِيْرَةَ، مِنْهَا: كِتَابُ "ذَمِّ الكَلَامِ" (^١) وَكِتَابُ "الفَارُوْقِ" وَكِتَابُ "مَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ" وَكِتَابُ "مَنَازِلِ السَّائِرِيْنَ" وَكِتَابُ "عِلَلِ المَقَامَاتِ" وَلَهُ كِتَابٌ فِي "تَفْسِيْرِ القُرْآنِ" بِالفَارِسِيَّةِ جَامِعٌ، وَ"مَجَالِسُ التَّذْكِيْرِ" بِالفَارِسِيَّةِ حَسَنَةٌ، وَغَيْرُ ذلِكَ. وَكَانَ سَيِّدًا عَظِيْمًا، وَإِمَامًا، عَالِمًا، عَارِفًا، وَعَابِدًا، زَاهِدًا، ذَا أَحْوَالٍ، وَمَقَامَاتٍ، وَكَرَامَاتٍ، وَمُجَاهَدَاتٍ، كَثِيْرَ السَّهَرِ باللَّيْلِ، شَدِيْدَ القِيَامِ فِي نَصْرِ السُّنَّةِ وَالذَّبِّ عَنْهَا، وَالقَمْعِ لِمَنْ خَالَفَهَا، وَجَرَى لَهُ بِسَبَبِ ذلِكَ مَحَنٌ عَظِيْمَةٌ، وَكَانَ شَدِيْدَ الانْتِصَارِ وَالتَّعْظِيْمِ لِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا طَاهِرٍ أَحْمَدَ بنَ أَبِي غَانِمٍ الثَّقَفِيَّ، سَمِعْتُ صَاعِدَ بنَ سَيَّارٍ الحَافِظَ، سَمِعْتُ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ الإِمَامَ يَقُوْلُ: مَذْهَبُ أَحْمَدَ أَحْمَدُ مَذْهَبٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ (^٢) فِي كِتَابِهِ "المَنْثُوْرِ مِنَ الحَكَايَاتِ وَالسُّؤَالَاتِ": سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا قَصَدْتُ الشَّيْخَ أَبَا الحَسَنِ
_________________
(١) طُبِعَ ثَلاثَ طَبَعَاتٍ آخِرُهَا سَنَةَ (١٤١٩ هـ) بتَحْقِيْقِ عَبْدُ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الأنْصَارِيِّ بِالمَدِيْنَةِ الشَّرِيْفَةِ، فِي مَكْتَبَةِ الغُرَبَاءِ الأَثَرِيَّةِ بِعُنْوانِ "ذَمِّ الكَلَامِ وَأَهْلِهِ" وَللكِتَابِ طَبَعَاتٌ أُخْرَى.
(٢) هو مُحَمَّدُ بنُ طَاهِرِ بنِ عليٍّ المَقْدِسِيُّ المَعْرُوْفُ بِـ "ابنِ القَيْسَرانِيِّ" (ت: ٥٠٧ هـ). يُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٩/ ١٧٧)، وَسِيَرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ٣٦١)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٣/ ١٦٦)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٤/ ١٨)، وَكِتَابُهُ "المَنْثُوْرُ .. " لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
[ ١ / ١١٨ ]
الجَرْكَانِيَّ (^١) الصُّوْفِيُّ وَعَزَمْتُ عَلَى الرُّجُوْعِ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنْ أَقْصِدَ أَبَا حَاتِمِ بنِ خَامُوْشٍ (^٢) الحَافِظَ بِـ "الرَّيِّ"، وَأَلْتَقِيَ بِهِ، وَكَانَ مُقَدَّمَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِـ "الرَّيِّ".
_________________
(١) هكَذَا فِي (ط) بطبعتيه، وَهِيَ كَذلِك في أَغْلَبِ الأُصُوْلِ، وفي بَعْضِهَا: "الحركاني" وَفِي "تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ": "الجُرْجَانِيُّ" وَفِي "تَارِيْخِ الإِسْلامِ": "الجرقاني". وذكر الحَافِظُ السَّمْعَانِي في الأَنْسَابِ (٣/ ٢٣١): "الجَرْكَانِيَّ" كَمَا ذَكَرَ فِيه أيضًا (٤/ ١١٣)، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيْهِمَا أَبَا الحَسَنِ الصُّوْفِيِّ، لِذَا لَا أَسْتَطِيعُ الجَزْمَ بإحدَى النِّسَبِ؟! وَرُبَّمَا يَكُوْنُ مُحَرَّفَةً عَنْ غَيْرِهِمَا. فَلْتُرَاجَعُ.
(٢) هُوَ المُحَدِّثُ الكَبِيْرُ، الوَاعِظُ، أَبُو حَاتِمٍ أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ البَزَّازُ، أَبُوهُ المُلَقَّبُ بِـ "خَامُوْشٍ" (ت:؟). سِيَرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٧/ ٦٢٤)، قَالَ مُحَقِّقهُ: "لَمْ نَعْثُرْ لَهُ عَلَى مَصَادِرَ تَرْجَمَتِهِ"، وَفِي نُزْهَةِ الأَلْبَابِ فِي الأَلْقَاب لِلْحَافظ ابن حَجَرٍ (١/ ٢٣٢) قَالَ: "خَامُوْشَ الرَّازِيُّ، مُحَدِّثٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ بنُ إِسْحَقَ يُكَنَّى أَبَا حَاتِمٍ مَاتَ بَعْدَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعْمَائَة، وَتَبْصِيْرِ المُنْتَبِهِ (٢/ ٥٢٤)، وفيه: "الخَامُوْشُ أَحْمَدُ بنُ الحَسَن" وَالمُؤَلِّفُ وَاحِدٌ؟! وَفِيْهِ: بَقِيَ إِلَى بَعْدِ سَنَةِ (٤٠٤ هـ)؟! وفي تَاجِ العروس (خمش): "وَخَامُوْشُ - بِالفَارِسِيَّةِ - السَّاكِنُ، وَاسْكُتَ أَيْضًا، نَقَلَهُ الصَّغَانِيُّ، وَالخَامُوْشُ: لَقَبُ أَبي حَاتِم أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ الرَّازِيُّ الحَافِظُ، بَقِيَ إِلَى بَعْدَ الأرْبَعِين وَأَرْبَعَمَائَةَ". فَيَظْهَرُ أَنَّ الرَّقْمَ فِي "التَّبْصِيْرِ .. " انْقَلَبَ إِمَّا عَلَى النَّاسِخِ، وَإِمَّا عَلَى المُحَقِّقِ، أَوْ هِيَ مِنْ أَخْطَاءِ الطِّبَاعَةِ؟! قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في "السِّيَرِ": "وَكَانَ شَيْخَ أَهْلِ الرَّيِّ فِي زَمَانِهِ، وَرَوَى عَنْهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيْلَ وَجَمَاعَةٌ … وَحِكَايةُ شَيْخِ الإِسْلامِ مَعَهُ مَشْهُوْرَةٌ، لَمَّا قَبَضَ عَليه بَعْضُ الجُفَاةِ وَحَمَلَهُ إِلَى أَبي حَاتِمٍ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا ذَكَرَ لَهُ مَذْهَبًا مَا سَمِعْتُ بِهِ قَالَ: هُوَ حَنْبَلِيٌّ، فَقَالَ: دَعْهُ وَيْلَكَ! مَنْ لَمْ يَكُنْ حَنْبَلِيًّا فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ".
[ ١ / ١١٩ ]
وَذلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مَحْمُوْدَ بنَ سَبَكْتَكِيْن (^١) لَمَّا دَخَلَ "الرِّيَّ" قَتَلَ بِهَا البَاطِنِيَّةَ، وَمَنَعَ سَائِرَ الفِرَقِ الكَلَامَ عَلَى المَنَابِرِ غَيْرَ أَبِي حَاتِمٍ، وَكَانَ مَنْ دَخَلَ "الرَّيَّ" مِنْ سَائِرِ الفِرَقِ يَعْرِضُ اعْتِقَادِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَضيَهُ أَذِنَ لَهُ فِي الكَلَامِ عَلَى النَّاسِ، وَإِلَّا مَنَعَهُ، فَلَمَّا قَرُبْتُ مِنَ "الرَّيِّ" كَانَ مَعِيَ فِي الطَّرِيْقِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا فَسَأَلَنِي عَنْ مَذْهَبِي؟ فَقُلْتُ: أَنَا حَنْبَلِيٌّ، فَقَالَ: مَذْهَبٌ مَا سَمِعْتُ بِهِ، وَهَذِه بِدْعَةٌ، وَأَخَذَ بِثَوْبِي، وَقَالَ: لَا أَفُارِقُكَ حَتَّى أَذْهَبُ بِكَ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي حَاتِمٍ، فَقُلْتُ: خَيْرَةٌ - فَإِنِّي كُنْتُ أَتْعَبُ إِلَى أَنْ أَلْتَقِيَ بِهِ - فَذَهَبَ بِي إِلَى دَارِهِ - وَكَانَ ذلِكَ اليَوْمِ مَجْلِسٌ عَظِيْمٌ - فَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، هَذَا الرَّجلُ الغَرِيْبُ سَأَلْتُهُ عَنْ مَذْهَبِهِ، فَذكَرَ مَذْهَبًا لَمْ أَسْمَعْ بِهِ قَطُّ، قَالَ: مَا قَالَ؟ قَالَ: أَنَا حَنْبَلِيٌّ، فَقَالَ: دَعْهُ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَكْنُ حَنْبَلِيًّا فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، فَقُلْتُ: الرَّجُلُ كَمَا وُصِفَ لِي، وَلَزِمْتُهُ أَيَّامًا وَانْصَرَفْتُ، وَإِنَّمَا عَنَى أَبُو حَاتِمٍ فِي الأُصُوْلِ.
وَذَكَرَ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ الصَّايغُ (^٢)، سَمِعْتُ عَبْدَ الجَبَّارِ بنَ أَبِي الفَضْلِ الصَّيْرَفِيَّ، سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ
_________________
(١) مَحْمُوْدُ بنُ سبكتكين الغَزْنَوِيُّ، أَبُو القَاسِمِ التُّرْكِيُّ المُلَقَّبُ بِـ "يَمِيْنِ الدَّوْلَةِ" (ت: ٤٢١ هـ) سَبَقَ ذِكْرُهُ.
(٢) هُوَ الإمَامُ، المُحَدِّثُ، المُفِيْدُ، الحَافِظُ، المُسنِدُ، أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَاحِدِ الصَّائِغُ (ت: ٥٨١ هـ). أَخْبَارُهُ في: سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبلاءِ (٢١/ ١٢٩)، وَالعِبَرِ (٤/ ٢٤٦)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَبِ (٤/ ٢٧٣). مِنْ شُيُوْخِ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ كَمَا فِي التَّحبِيْرِ في المُعْجَمِ الكَبِيْرِ (٢/ ١٦٥)، وَالمُنْتَخَبِ من شُيُوْخِ أَبِي سَعْدٍ (٣/ ١٥٠٧).
[ ١ / ١٢٠ ]
يَقُوْلُوْنَ: شَيْخُ الإِسْلَامِ (^١) أَبَا إِسْمَاعِيْلَ يَقُوْلُ: فَذَكَرَ أَبْيَاتًا بالفَارِسِيَّةِ تَفْسِيْرُهَا بالعَرَبِيَّةِ:
إِلَهَنَا مَرْئِيٌّ عَلَى العَرْشِ مُسْتَوٍ
كَلَامُهُ أَزَلِيٌّ رَسُوْلُهُ عَرَبِيٌّ
كُلُّ مَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا أَشْعَرِيٌّ
مَذْهبُنَا مَذْهَبٌ حَنْبَلِيٌّ
قَالَ عَبْدُ القَادِرِ: سَمِعْتُ أَبَا عَرُوْبَةَ عَبْدَ الهَادِي بنَ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدَ (^٢) بِـ "سِجِسْتَانَ" يَقُوْلُ: سَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلَامِ أَبَا نَصْرٍ هِبَةَ اللهِ بنَ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ فَاخِرٍ يَقُوْلُ: قَالَ لِي شَيْخُ الإِسْلَامِ - يَعْنِي الأَنْصَارِيَّ - كَيْفَ تَفْعَلُوْنَ فِي القُنُوْتِ؟ قُلْتُ: أَوْصَانِي أَبِي أَنْ أَقْنِتُ فِي الوِتْرِ، قَالَ: وَمَا قَالَ لَكَ: لَا تَقْنِتُ فِي الصُّبْحِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا أَنْصَفَكَ.
وَذَكَرَ ابنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ فِي كِتَابِهِ المَذْكُوْرِ قَالَ: سَمِعْتُ الإِمَامَ عَبْدَ اللهِ بنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ يُنْشِدُ عَلَى المِنْبَرِ فِي يَوْمِ مَجْلِسِهِ بـ "هَرَاةَ":
أَنَا حَنْبَلِيٌّ مَا حَيِيْتُ وَإِنْ أَمُتْ … فَوَصِيَّتِي لِلنَّاسِ أَنْ يَتَحَنْبَلُوا
وَلِشَيْخِ الإِسْلَامِ قَصِيْدَةٌ نُوْنِيَّةٌ طَوِيْلَةٌ مَشْهُوْرَةٌ ذَكَرَ فِيْهَا أُصُوْلَ السُّنَّةِ، وَمَدَحَ
_________________
(١) في (ب): "سَمِعْنَا أَبَا إِسْمَاعِيْلَ" وفي (ط) بطبعتيه: "شَيْخُنَا شَيْخُ الإِسْلامِ. . .".
(٢) عَبْدُ الهَادِي بنُ أَبِي سَعِيْدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ مَأْمُوْن، الإِمامُ، القُدْوَةُ، الزَّاهِدُ، العَابِدُ، أَبُو عَرُوْبَةَ السِّجِسْتَانِيُّ الَّذِي ارْتَحَلَ إِلَيْهِ الحَافِظُ عَبْدُ القَادِرِ الرُّهَاوِيُّ، وَبَالَغَ في تَعْظِيْمِهِ" كَذَا قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في سِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (٢٠/ ٤٥٢)، وَذَكَرَ وَفَاتَهُ سَنَةَ (٥٦٢ هـ).
[ ١ / ١٢١ ]
أَحْمَدَ وَأَصْحَابَهُ. وَقَدْ أَنْبَأَتْنِي بِهَا زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ (^١)، عَنْ عَجِيْبَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ (^٢)، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ بنِ الحَسَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا شَيْخُ الإِسْلَامِ فَذَكَرَ القَصِيْدَةَ إِلَى أَنْ قَالَ:
وَإِمَامِيَ القَوَّامُ للهِ الَّذِي … دَفَنُوا حَمِيْدَ الشَّأْنِ فِي بَغْدَادِ
جَمَعَ التُّقَى وَالزُّهْدَ فِي دُنْيَاهُمُ … وَالعِلْمَ بَعْدَ طَهَارَةِ الأَرْدَانِ
خَطْمُ (^٣) النَّبِي وَصَيْرَفِيُّ حَدِيْثِهِ … وَمُفَلِّقٌ أَعْرَافَهَا بِمَعَانٍ
حَبْرُ العِرَاقِ وَمِحْنَةٌ لِذَوِي الهَوَى … يَدْرِي بِبُغْضَتِهِ ذَوُو الأَضْغَانِ
عَرَفَ الهُدَى فَاخْتَارَ ثَوْبَيْ نُصْرَةٍ … وَشَجَى بِمُهْجَتِهِ عُرَى عِرْفَانِ
عُرِضَتْ لَهُ الدُّنْيَا فَأَعْرَضَ سَالِمًا … عَنْهَا كَفِعْلِ الرَّاهِبِ الخَمْصَانِ
هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي دِيْنِهِ … فَفِدَى الإِمَامُ الدِّيْنَ بِالجُثْمَانِ
للهِ مَا لَقِيَ ابنُ حَنْبَلٍ صَابِرًا … عَزْمًا وَيَنْصُرُهُ بِلَا أَعْوَانِ
أَنَا حَنْبَلِيٌّ مَا حَيِيْتُ وَإِنْ أَمُتْ … فَوَصِيَّتِي ذَاكُمْ إِلَى إِخْوَانِي
إِذْ دِيْنُهُ دِيْنِي وَدِيْنِي دِيْنُهُ … مَا كُنْتُ إِمَّعَةً لَهُ دِيْنَانِ
وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ: سَمِعْتُ الإِمَامَ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ الأنْصَارِيَّ بِـ "هَرَاةَ" يَقُوْلُ:
_________________
(١) هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ الكَمَالِ (ت: ٧٤٠ هـ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. وَسَيَأْتِي اسْتِدْرَاكُهَا عَلَى المُؤَلِّفِ.
(٢) عَجِيْبَةُ بِنْتُ أَبْي بَكْرٍ البَاقِدَارِيَّةُ البَغْدَادِيَّةُ المُحَدِّثةُ (ت: ٦٤٧ هـ) وَوَالِدُهَا مُحَمَّد بن أَبِي غَالِبٍ (ت: ٥٧٥ هـ) وَكِلَاهُمَا مِنَ الحَنَابِلَةِ نَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنَ الاسْتِدْرَاكِ إِنْ شَاءَ اللهُ. وأَخُوْهَا مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ (ت: ٦٠٤ هـ) مَشْهُوْرٌ بِالعِلْمِ وَالفَضْلِ وَالحَدِيْثِ.
(٣) خطم، أَيْ: تَبِعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، كَأَنَّه آخِذٌ بِخِطَامِ دَابَّتِهِ.
[ ١ / ١٢٢ ]
عُرِضْتُ عَلَى السَّيْفِ خَمْسَ مَرَّاتٍ، لَا يُقَالُ لِي: اِرْجِعْ عَنْ مَذْهَبِكَ، لَكِنْ يُقَالُ لِي: اسْكُتْ عَمَّنْ خَالَفَكَ، فَأَقُوْلُ: لَا أَسْكُتُ. قَالَ: وَحَكَى لَنَا أَصحَابُنَا أَنَّ السُّلْطَانَ أَلْبَ أَرْسَلَان (^١) حَضَرَ "هَرَاةَ" وَحَضَرَ مَعَهُ وَزِيْرُهُ أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ إِسْحَق (^٢)، فَاجْتَمَعَ أَئِمَّةُ الفَرِيْقَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ أَبي حَنِيْفَةَ، بِالشِّكَايَةِ (^٣) مِنَ الأَنْصَارِيِّ، وَمُطَالَبَتِهِ بِالمُنَاظَرَةِ، فَاسْتَدْعَاهُ الوَزِيْرُ، فَلَمَّا حَضرَ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ القَوْمِ اجْتَمَعُوا لِمُنَاظَرَتِكَ، فَإِنْ يَكُنِ الحَقُّ مَعَكَ رَجَعُوا إِلَى مَذْهَبِكَ، وَإِنْ يَكُنِ الحَقُّ مَعَهُمْ إِمَّا أَنْ تَرْجِعَ، وَإِمَّا أَنْ تَسْكُتَ عَنْهُمْ، فَقَامَ الأَنْصَارِيُّ وَقَالَ: أَنَا أُنَاظِرُ عَلَى مَا فِي كُمَّيَّ، فَقَالَ لَهُ: وَمَا فِي كُمَّيْكَ (^٤)؟ فَقَالَ: كِتَابُ اللهِ، وَأَشَارَ إِلَى كُمِّهِ اليَمِيْنِ، وَسُنَّةُ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وَأَشَارَ إِلَى كُمِّهِ اليَسَارِ، وَكَانَ فِيْهِ الصَّحِيْحَانِ، فَنَظَرَ إِلَى القَوْمِ كَالمُسْتَفْهِمِ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ فِيْهِمْ مَنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُنَاظِرَهُ مِنْ هَذِهِ
_________________
(١) مِنْ سَلاطِيْنِ السَّلاجِقَةِ، مَشْهُوْرٌ جِدًّا (ت: ٤٦٥ هـ). يُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٨/ ٢٧٩)، وَالكَامِلُ فِي التَّارِيْخِ (١٠/ ٧٣)، وَتَارِيْخُ دَوْلَة آلِ سَلْجُوْقَ (٣٠، ٣٣، ٣٩، ٤٩)، وَالإِنبَاءُ في تَارِيْخِ الخُلَفَاءِ (١٦٩، ١٩٩، ٢٠٠)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٢/ ٢٠٨)، وَتَارِيْخُ الخُلَفَاءِ (٤٢٢)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٣/ ٣١٨) … وَغيْرِهَا.
(٢) هُوَ الوَزِيْرُ الكَبِيْرُ المَعْرُوْفُ بِـ "نِظْامِ المُلْكِ" (ت: ٤٨٥ هـ) سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي تَرْجَمَةِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ. وَهُوَ نَفْسُهُ أَبُو عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ.
(٣) في (ط) بطبعتيه، و(هـ): "للشِّكاية" وَكَذلِكَ هِيَ مُعَلَّقَةٌ عَلَى نُسْخَةِ (أ).
(٤) في (أ) فقط: "كُمِّكَ" عَلَى الإِفْرَادِ.
[ ١ / ١٢٣ ]
الطَّرِيْقِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ أَمِيْرجَه (^١) القَلَانِسِيَّ خَادِمَ الأنْصَارِيِّ يَقُوْلُ: حَضَرْتُ مَعَ الشَّيْخِ لِلسَّلَامِ (^٢) عَلَى الوَزِيْرِ أَبِي عَلِيٍّ الطُّوْسِيِّ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ كَلَّفُوْهُ بِالخُرُوْجِ إِلَيْهِ، وَذلِكَ بَعْدَ المِحْنَةِ، وَرُجُوْعِهِ مِنْ "بَلْخَ" (^٣) فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَبَجَّلَهُ، وَكَانَ فِي العَسْكَرِ أَئِمَّةٌ مِنَ الفَرِيْقَيْنِ فِي ذلِكَ اليَوْمِ، وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ يَحْضُرُ، فَاتَّفَقُوا جَمِيْعًا عَلَى أَنْ يَسْأَلُوْه عَنْ مَسْأَلَةٍ بَيْنَ يدَي الوَزِيْرِ، فَإِنْ أَجَابَ بِمَا يُجِيْبُ بِهِ بِـ "هَرَاةَ" سَقَطَ مِنْ عَيْنِ الوَزِيْرِ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ سَقَطَ مِنْ عُيُوْنِ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ مَذْهَبِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ وَاسْتَقَرَّ بِه المَجْلِسُ انْتَدَبَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، يُعْرَفُ بِالعَلَوِيِّ الدَّبُوْسِيِّ (^٤)،
_________________
(١) لَمْ أعثُرْ عَلَى أَخْبَارِهِ، وَ"أمِيْرجه" اسمٌ مَأْلُوْفٌ. وَفِي الهَرَوِيِّيْنَ: مُحَمَّدُ بنُ المُطَهِّر بنِ يَعْلَى بنِ عَوَضِ بنِ أميرجه، أَبُو الفُتُوح العَلَوِيُّ الهَرَويُّ (ت: ٥٨٤ هـ) … وَغَيْرِهِ.
(٢) ساقط من (أ) و(ب).
(٣) مَدِيْنَةٌ مَشْهُوْرَةٌ بـ "خُرَاسَانَ"، بَيْنَهَا وَبَيْنَ "تِرْمَذَ" اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا، افْتَتَحَهَا الأَحْنَفُ بنُ قَيْسٍ، أَيَّام عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ، ﵁. يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ البُلْدَانِ (١/ ٥٦٨). وَهِيَ الآنَ مِنْ أَكْبَرِ المُدُن في "أَفْغَانِسْتَانَ" أَعَادَ اللهُ لَهَا الأَمْنَ وَالأَمَان.
(٤) هوَ عَلِيُّ بنُ أَبِي يَعْلَى بنِ زَيْدِ بنِ حَمْزَةَ العَلَوِيُّ الحَسَنِيُّ الدَّبُوْسِيُّ (ت: ٤٨٢ هـ) وَنِسْبَتُهُ ضَبَطَهَا الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ في الأَنْسَابِ (٥/ ٢٧٣، ٢٧٤) فَقَالَ: "بِفَتْحِ الدَّالِ المُهْمَلَةِ، وَضَمِّ البَاءِ المَنْقُوْطَةِ بِنُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي آخِرِهَا سِيْنٌ مُهْمَلَةٌ بَعدَ الوَاوِ، هَذِهِ النِّسبة إِلَى "الدَّبُوْسِيَّة"، وَهِيَ بَلْدَةٌ مِنَ "السُّغْدِ" بَيْنَ "بُخَارَى" وَ"سَمَرْقَنْدَ"، خَرَجَ مِنْهَا مِنَ المُحَدِّثِيْنَ جَمَاعَةٌ. . .". وَيُرَاجَعُ: مُعْجَمُ البُلدَانِ (٢/ ٤٩٩)، وَذَكَرَا عَلِيَّ بنَ أَبِي يَعْلَى الَمْذُكْورَ. أَخْبَارُهُ في: المُنْتَظَمِ (٩/ ٥٠)، وَطَبَقَاتِ الشَافِعِيَّةِ لِلسُّبْكيِّ (٤/ ٦)، وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٢/ ١٣٥). قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِي: "وَكَانَتْ لَهُ يَدٌ قَوِيَّةٌ، بَاسِطَةٌ فِي الجِدَالِ وَقَمْعِ =
[ ١ / ١٢٤ ]
فَقَالَ: يَأْذَنُ الشَّيْخُ الإِمَامُ فِي أَنْ أَسأَلَ مَسْأَلَةً؟ فَقَالَ: سَلْ، فَقَالَ: لِمَ تَلْعَنُ أَبَا الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ (^١)؟ فَسَكَتَ، وَأَطْرَقَ الوَزِيْرُ لِمَا عَلِمَ مِنْ جَوَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ قَالَ لَهُ الوَزِيْرُ: أَجِبْهُ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُ الأَشْعَرِيَّ، وَإِنَّمَا أَلْعَنُ مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّ اللهَ ﷿ فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّ القُرْآنَ فِي المُصْحَفِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ اليَوْمَ نَبِيٌّ، ثُمَّ قَامَ وَانْصرَفَ، فَلَمْ يُمْكِنْ أَحَدٌ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلِمةٍ مِنْ هَيْبَتِهِ وَصَلَابَتِهِ وَصَوْلَتِهِ، فَقَالَ الوَزِيْرُ لِلسَّائِلِ وَمَنْ مَعَهُ: هَذَا أَرَدْتُمْ؟ كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّهُ يَذْكُرُ هَذَا بِـ "هَرَاةَ" فَاجْتَهَدْتُمْ حَتَّى سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا، وَمَا عَسَى أَنْ أَفْعَلَ بِهِ؟ ثُمَّ بَعَثَ خَلْفَهُ خِلْعًا وَصِلَةً فَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَخَرَجَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى "هَرَاةَ" وَلَمْ يَلْبَثْ.
قَالَ ابنُ طَاهِرٍ: وَسَمِعْتُ أَصْحَابَنَا بـ "هَرَاةَ" يَقُوْلُوْنَ: لَمَّا قَدِمَ السُّلْطَانُ أَلْبُ أَرْسَلَانَ "هَرَاةَ" فِي بَعْضِ قَدْمَاتِهِ اجْتَمَعَ مَشَايِخُ البَلَدِ وَرُؤَسَاؤُهُ وَدَخَلُوا عَلَى الشَّيْخِ أَبِي إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيِّ، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: قَدْ وَرَدَ السُّلْطَانُ،
_________________
(١) = الخُصُوْمِ، وَقَدْ شُوهِدَ لَهُ مَقَامَاتٌ في النَّظَرِ ظَهَرَ فيها غَزَارَةُ فَضْلِهِ".
(٢) عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ بِشْرٍ، مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيْلِ أَبِي مُوْسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ (ت: ٣٢٤ هـ)، صَاحِبُ المَذْهَبِ المَعْرُوْفِ الَّذي يُؤَوِّلُ أَتْبَاعُهُ بَعْضَ الصِّفاتِ، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِي: "قُلْتُ: رَأَيْتُ لأَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ أَرْبَعَةَ تَوَالِيْفَ في الأُصُوْلِ، يَذْكُرُ فيها قَوَاعِدَ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي الصِّفَاتِ وَقَالَ فِيْهَا: تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ، ثُمَّ قَالَ: وبَذلِكَ أَقُوْلُ، وَبِهِ أَدِيْنُ، وَلَا تُؤَوَّلُ" وَقَالَ: حَطَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الحَنَابِلَةِ وَالعُلَمَاءِ، وَكُلٌّ يُوخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَك إِلَّا مَنْ عَصَمَ الله تَعَالَى، اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَارْحَمْنَا". أخْبَارُ أَبِي الحَسَنِ فِي: تَارِيْخ بَغْدَادَ (١١/ ٣٤٦)، وَالمِلَلِ وَالنِّحلِ (١/ ٩٤)، وَالأَنْسَابِ (١/ ٢٧٣)، وَتَبْيِيْنِ كَذِبِ المُفترِى (١٢٨)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٥/ ٨٥)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَبِ (٢/ ٣٠٣).
[ ١ / ١٢٥ ]
وَنَحْنُ عَلَى عَزْمٍ أَنْ نَخْرُجَ وَنُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَبْدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَى الشَّيْخِ الإِمَامِ، ثُمَّ نَخْرُجَ إِلَى هُنَاكَ، وَكَانُوا قَدْ تَوَاطَأُوا عَلَى أَنْ حَمَلُوا مَعَهُمْ صَنَمًا مِنَ الصُّفْرِ صَغِيْرًا، وَجَعَلُوْهُ فِي المِحْرَابِ تَحْتَ سَجَّادَةِ الشَّيْخِ، وَخَرَجُوا وَخَرَجَ الشَّيْخُ مِنْ ذلِكَ المَوْضِعِ إِلَى خَلْوَتِهِ.
وَدَخَلُوا عَلَى السُّلْطَانِ وَاسْتَغَاثُوا مِنَ الأنْصَارِيِّ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ مُجَسِّمٌ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُ فِي مِحْرَابِهِ صَنَمًا، وَيَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ ﷿ عَلَى صُوْرَتِهِ، وَإِنْ يَبْعَثِ السُّلْطَانُ الآنَ يَجِدِ الصَّنَمَ فِي قِبْلَةِ مَسْجِدِهِ، فَعَظُمَ ذلِكَ عَلَى السُّلْطَانِ، وَبَعَثَ غُلَامًا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَدَخَلُوا الدَّارَ، وَقَصَدُوا المِحْرَابَ، وَأَخَذُوا الصَّنَمَ مِنْ تَحْتِ السَّجَّادَةِ، وَرَجَعَ الغُلَامُ بِالصَّنَمِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيِ السُّلْطَانِ، فَبَعَثَ السُّلْطَانُ بِغِلْمَانٍ وَأَحْضَرُوا (^١) الأَنْصَارِيُّ، فَلَمَّا دَخَلَ رَأَى مَشَايِخَ البَلَدِ جُلُوْسًا، وَرَأَى ذلِكَ الصَّنَمَ بَيْنَ يَدَي السُّلْطَانِ مَطْرُوْحًا، وَالسُّلْطَانُ قَدْ اشْتَدَّ غَضَبُهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا صَنَمٌ يُعْمَلُ مِنَ الصُّفْرِ شِبْهُ اللُّعْبَةِ، فَقَالَ: لَسْتُ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ، فَقَالَ: فَعَنْ مَاذَا يَسْأَلُ السُّلْطَانُ؟ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُوْنَ أَنَّكَ تَعْبُدُ هَذَا الصَّنَمَ، وَأَنَّكَ تَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ ﷿ عَلَى صُوْرَتِهِ، فَقَالَ الأَنْصَارِىُّ: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (^٢) بِصَوْتٍ جَهْوَرِيِّ وَصَوْلَةٌ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِ السُّلْطَانِ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى دَارِهِ مُكْرَمًا، وَقَالَ لَهُمْ: اصْدُقُوْني القِصَّةَ، أَوْ أَفْعَلُ بِكُمْ وَأَفْعَلُ، وَذَكَرَ
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه: "وأُحْضِرَ".
(٢) سُوْرَةُ النُّوْرِ، الآيَةُ: ١٦.
[ ١ / ١٢٦ ]
تَهْدِيْدًا عَظِيْمًا، فَقَالُوا: نَحْنُ فِي يَدِ هَذَا الرَّجُلِ فِي بَلِيَّةٍ مِنِ اسْتِيْلَائِهِ عَلَيْنَا بِالعَامَّةِ، وَأَرَدْنَا أَنْ نَقْطَعَ شَرَّهُ عَنَّا، فَأَمَرَ بِهِمْ، وَوَكَّلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى كَتَبَ خَطَّهُ بِمَبْلَغٍ عَظِيْمٍ مِنَ المَالِ يُؤَدِّيْهِ إِلَى خِزَانَةِ السُّلْطَانِ جِنَايَةً، وَسَلِمُوا بِأَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ الهَوَانِ العَظِيْمِ.
وَقَدْ جَرَى لِشَيْخِ الإسْلَامِ مِحَنٌ فِي عُمُرِهِ، وَشُرِّدَ عَنْ وَطَنِهِ مُدَّةً. فَمِنْ ذلِكَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ المُتَصَوِّفَةِ بِـ "هَرَاةَ" عَاثُوا وَأَفْسَدُوا بِأَيْدِيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الإِنْكَارِ، فَنَسَبَ ذلِكَ إِلَى الشَّيْخِ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ وَلَا رِضَاهُ، فَاتَّفَقَ أَكَابِرَ أَهْلِ البَلَدِ عَلَى إِخْرَاجِ الشَّيْخِ وَأَوْلَادِهِ وَخَدَمِهِ، فَأَخْرَجُوْهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ عِشْرِيْنَ رَمَضَان سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَة قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُمْهَلْ لِلصَّلَاةِ، فَأَقَامَ بِقُرْبِ البَلَدِ، فَلَمْ يَرْضَوا مِنْهُ بذلِكَ فَخَرَجَ إِلَى "بُوْشَنَجَ" وَكَتَبَ أَهْلُ "هَرَاةَ" مَحْضَرًا بِمَا جَرَى، وَأَرْسَلُوْهُ إِلَى السُّلْطَانِ، فَجَاءَ جَوَابُ السُّلْطَانِ وَوَزِيْرِهِ نِظَامِ المُلْكِ بِإِبْعَادِ الشَّيْخِ وَأَهْلِهِ وَخَدَمِهِ إِلَى مَا وَرَاءِ النَّهْرِ، وَقُرِئُ الكِتَابُ الوَارِدُ بِذلِكَ فِي الجَامِعِ عَلَى مَنْبَرِ يَحْيَى بنِ عَمَّارٍ، وَفِيْهِ حَطٌّ عَلَى الشَّيْخِ، فَأُخْرِجَ الشَّيْخُ وَمَنْ كَانَ يَعْقِدُ المَجْلِسَ مِنْ أَقَارِبِهِ خَاصةً إِلَى "مَرْوَ"، ثُمَّ وَرَدَ الأَمْرُ بِرَدِّهِ إِلَى "بَلْخَ" ثُمَّ إِلَى "مَرْوَ الرُّوْذِ" (^١) ثُمَّ
_________________
(١) مِنْ أَشْهَرِ مُدُنِ "خُرَاسَان"، بَلْ هِيَ عَاصِمَةُ الإِقْلِيْمِ، وَهِيَ مَدِيْنَتَانِ، مَرْوُ الرُّوْذِ - بالذَّال المُعْجَمَةِ - وَهِيَ بِالفَارِسِيَّةِ - النَّهْرُ، وَمَرْوُ الشَّاهِجَانِ، بَيْنَهُمَا خَمْسَةُ أَيَّامٍ، وَالأَخِيْرَةُ" مَرْوُ الشَّاهِجَانِ" هِيَ الكَبِيْرةُ العَظِيْمَةُ. يُرَاجَعَ: مُعْجَمُ البُلدانِ (٥/ ١٣٢)، وَتَقْوِيْمُ البُلْدَانِ (٤٥٦)، وَالأَنْسَابُ (١٢/ ٢٠٧). قَالَ يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ: "وَقَدْ أَخْرَجَتْ =
[ ١ / ١٢٧ ]
أُذِنَ لَهُ فِي الرُّجُوْعِ إِلَى "هَرَاةَ" فَدَخَلَهَا يَوْمَ الأَرْبِعَاءَ رَابِعَ عَشَرَ المُحَرَّمَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا.
قَالَ الرُّهَاوِيُّ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا أَبَا طَاهِرٍ السِّلَفِيَّ بِـ "الإِسْكَنْدَرِيَّةِ" يَقُوْلُ: لَمَّا خَرَجَ شَيْخُ الإِسْلَامِ قَالَ أَصْحَابُهُ وَأَهْلُ البَلَدِ: لَا يُحْمَلُ عَلَى الدَّوَابِّ إلَّا عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، فَجُعِلَ فِي مَحَفَّةٍ، وَكَانَ يَتَنَاوَبُ حَمْلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، حَتَّى وَصَلَ "بَلْخَ" فَخَرَجَ أَهْلُهَا وَهَمُّوا بِرَجْمِهِ، فَرَدَّهُمْ ابنُ نِظَامِ المُلْكِ، وَقَالَ: تُرِيْدُوْنَ أَنْ تَكُوْنُوا مَسَبَّةَ الدَّهْرِ؛ تَرْجُمُوْنَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ؟! ثُمَّ سَألُوْهُ أَنْ يَعِظَ، فَقَرأَ: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآيةَ (^١)، ثُمَّ قَالَ:
_________________
(١) = مَرْوُ مِنَ الأَعْيَانِ، وَعُلَمَاءِ الدِّيْنِ وَالأَرْكَانِ مَا لَمْ تُخْرِجْ مَدِيْنَةٌ مِثْلَهُم" وَقَدْ جَمَعَ عُلَمَاءَ "مَرْوَ" عَدَدٌ غَيْرُ قَلِيْلٍ مِنَ المُؤَرِّخِيْنَ، مِنْهُمُ: الحَافظُ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ حَمْزَةَ الفُرَاهِينَانِيُّ المَرْوَزِيُّ (ت: ٢٤٧ هـ). وَالحَافِظُ أَبُو الحَسَنِ أَحْمَدُ بنُ سيَّارٍ المَرْوَزِيُّ (ت: ٢٦٨ هـ)، وأَبُو رَجَاءٍ مُحَمَّدُ بنُ حَمْدَوَيْهِ السِّنْجَانيُّ الهُوْرَقَانِيُّ (ت: ٣٠٦ هـ)، وَالحَافِظُ أَحْمَدُ بنُ سَعِيْدِ بنِ مَعْدَانَ المَعْدَانِيُّ (ت: ٣٧٤ هـ). وَالحَافِظُ أَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بنُ عَبْدُ المَلِكِ النَّيْسَابُوِريُّ (ت: ٤٧٠ هـ)، وَأَبُو الفَضْلِ العَبَّاسُ بنُ مُصْعَبِ بنِ بِشْرٍ (ت:؟)، وَعَبْدِ الجَبَّارِ بنِ عَبْدِ الجَبَّارِ بنِ مُحَمَّدٍ الثَّابِتِيُّ الخَرَقِيُّ (ت: ٥٥٣ هـ)، وَهُوَ من شُيُوْخ أبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِي الآتي بَعْدَهُ. وَأَجْمَعُ تَارِيْخٍ لِـ "مَرْوَ" هُوَ مَا أَلَّفَهُ الحَافِظُ الكَبِيْرُ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الكَرِيْمِ بنُ مُحَمَّدٍ السَّمْعَانِيُّ (ت: ٥٦٢ هـ) صَاحِبُ "الأَنْسَابِ" وَهُوَ تَارِيْخٌ حَافِلٌ فِي عِشْرِيْنَ مُجَلَّدًا، وَلا أَعْلَمُ حَتَّى الآن سَنَةَ (١٤٢٤ هـ) أَنَّ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ التَّوَارِيخ مَوْجُوْدٌ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله.
(٢) سُورة الزُّمر، الآية: ٢٣.
[ ١ / ١٢٨ ]
كُلُّ المُسْلِمِيْنَ يَقُوْلُوْنَ هَذَا، إلَّا أَهْلَ "غُورجَه" (^١) وَ"غُرجِسْتَانَ" (^٢) وَ"فُلَانَةَ" (^٣) وَ"طَالَقَانَ" (^٤) لَعَنَهُمُ اللهُ لَعْنَةَ عَادٍ وَثَمُوْدَ، وَالنَّصارَى وَاليَهُوْدِ [فَكُوْلُوا: آمِيْنَ، أَيْ:] (^٥) قُوْلُوا: آمِيْنَ، فَقَالُوا: آمِيْنَ.
قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَإِنَّمَا هَمَّ أَهْلُ "بَلْخَ" بِمَا هَمُّوا بِهِ؛ لأنَّهُمْ مُعْتَزِلَةٌ شَدِيْدَةُ الاعْتِزَالِ، وَكَانَ شَيْخُ الإِسْلَامِ مَشْهُوْرًا فِي الآفَاقِ بِالحَنْبَلِيَّةِ وَالشِّدَّةِ فِي السُّنَّةِ. قَالَ (^٦): وَسَمِعْتُ السِّلَفِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا أَمَرَ نِظَامُ المُلْكِ بِإِخْرَاجِ الشَّيْخِ مِنْ "هَرَاةَ" سَمِعَ بِذلِكَ الشَّيْخُ مَعْمَرُ اللُّنْبَانِيُّ (^٧)، فَمَضَى إِلَى نِظَامِ
_________________
(١) الظَّاهرُ أَنَّ المَقْصُوْدَ "غُوْرَجُ" قَالَ يَاقُوْتٌ في مُعْجَمِ البُلْدَانِ (٤/ ٢٤٥) بِالضَمِّ، ثُمَّ السُّكُوْنِ، ثُمَّ فَتْحِ الرَّاءِ، وَجِيْمٌ، وَأَهْلُ "هَرَاةَ" يُسمُّونَهَا "غُوْرَهْ" قَرْيَةٌ عَلَى بَابِ مَدِيْنَةِ "هَرَاةَ".
(٢) الظَّاهر أَيْضًا أَنَّ المَقْصُوْدَ "غَرْشِسْتَانُ" قَالَ يَاقُوْتٌ فِي مُعْجَمِ البُلْدَانِ (٤/ ٢١٩): "بِالفَتْحِ، ثُمَّ السُّكُوْنِ، وَشِيْنٌ مُعْجَمَةٌ مَكْسُوْرَةٌ، وَسِيْنٌ مُهْمَلَةٌ، وَتَاءٌ مُثَنَاةٌ مِنْ فَوْقِ، وَآخِرُهُ نُوْنٌ، … وَالعَوَامُّ يُسَمُوْنَهَا "غُرْجِسْتَانَ"، وَقَالَ: "هَرَاةُ" فِي غَرْبيِّها، وَ"الغَوْرُ" فِي شَرْقِهَا، وَ"مَرْوَ الرُّوْذِ" عَنْ شَمَالِهَا، وَ"غَزْنَةَ" عَنْ جَنُوْبِهَا".
(٣) لَعَلَّهَا "فُلانَانِ" مِنْ قُرَى "مَرْوَ". مُعْجَمُ البُلْدَانِ (٤/ ٣٠٧).
(٤) قَالَ يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ في مُعْجَمِ البُلْدَانِ (٤/ ٧): "طَالَقَانُ: بَعْدَ الأَلِفِ لَامٌ مَفْتُوْحَةٌ وَقَافٌ وَآخِرُهُ نُونٌ: بَلْدَتَانِ إِحْدَاهُمَا بِـ "خُرَاسَانَ" بَيْنَ "مَرْوَ الرُّوْذِ" وَ"بَلْخَ". . .".
(٥) في (أ) فقط مُصَحَّحَةٌ عَلَى الهَامِشِ بِخَطِّ ابنِ حُمَيْدٍ النَّجْدِيِّ المَكِّيِّ، صاحبِ "السُّحُبِ الوَابِلَةِ" قَالَ بَعْدَ ذلِكَ: "الكَافُ أَعْجَمِيَّةٌ بَيْنَ الكَافِ وَالقَافِ". وَقُلنَا - فِيْمَا سَبَقَ -: إِنَّ ابنَ حُمَيْدٍ المَذْكُوْرَ قَدْ اطَّلعَ عَلَى نُسْخَةٍ مِن "الذَّيلِ عَلَى الطَّبَقَاتِ" بِخَطِّ مُؤَلِّفِهَا.
(٦) مِنْ هُنَا سَقْطُ وَرَقَةٍ من نُسْخَة (ب) وَتَرْقِيْمُ الصَّفَحَاتِ مُتَّسقٌ.
(٧) مَعْمَرُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ العَبْدِيُّ اللُّنْبَانِيُّ (ت: ٤٨٩ هـ) مُحَدِّثٌ، صُوْفِيٌّ، مِنْ أَهْلِ =
[ ١ / ١٢٩ ]
المُلْكِ فِي أَمْرِهِ، فَقَالَ لَهُ نِظَامُ المُلْكِ: قَدْ صَارَ لِذلِكَ الشَّيْخُ عَلَيَّ مِنَّةٌ عَظِيْمَةٌ؛ حَيْثُ بِسَبَبِهِ دَخَلْتَ عَلَيَّ، ثُمَّ كَتَبَ فِي الحَالِ بِرَدِّهِ إِلَى بَلَدِهِ.
وَذَكَرَ الرُّهَاوِيُّ: أَنَّ الحُسَيْنَ بنَ مُحَمَّدٍ الكُتْبِيَّ ذَكَرَ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّ مَسْعُوْدَ (^١) بنَ مَحْمُوْدِ بنِ سُبُكْتَكِيْنَ قَدِمَ "هَرَاةَ" سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، فَاسْتَحْضَرَ شَيْخَ الإسْلَامِ، وَقَالَ لَهُ: أَتَقُوْلُ: إِنَّ اللهَ ﷿ يَضَعُ قَدَمَهُ فِي النَّارِ؟ فَقَالَ: - أَطَالَ اللهُ بَقَاءَ السُّلْطَانِ المُعَظَّمِ - إِنَّ اللهَ ﷿ لَا يَتَضَرَّرُ بِالنَّارِ، وَالنَّارُ لا تَضُرُّهُ، وَالرُّسُوْلُ لَا يَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَعُلَمَاءُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَا يَتَزَيَّدُوْنَ فِيْمَا يَرْوُوْنَ عَنْهُ، وَيُسْنِدُوْنَ إِلَيْهِ. فَاسْتَحْسَنَ جَوَابَهُ، وَرَدَّهُ مُكَرَّمًا. قَالَ: وَعَقَدَ أَهْلُ "هَرَاةَ" للشَّيْخِ مَجْلِسًا آخَرَ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَعَمِلُوا فِيْهِ مَحْضَرًا، وَأَخْرَجُوْهُ مِنَ البَلَدِ إِلَى بَعْضِ نَوَاحِي "بُوْشَنْجَ" فَحُبِسَ بِهَا وَقُيِّدَ، ثُمَّ أُعِيْدَ إِلَى "هَرَاةَ" سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِيْنَ، وَجَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ للتَّذْكِيْرِ، ثُمَّ سَعَوا فِي مَنْعِهِ مِنْ مَجْلِسِ التَّذْكِيْرِ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَلْب أَرْسَلَانَ سَنَةَ خَمْسِيْنَ.
قَالَ: وَفِي شُهُوْرِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّيْنَ، خُلِعَ عَلَى الشَّيْخِ مِنْ جِهَةِ الإِمَامِ القَائِمِ بِأَمْرِ اللهِ خُلْعَةً شَرِيْفَةً. وَفِي شُهُوْرِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ خُلْعَةً أُخْرَى فَاخِرَةً
_________________
(١) = "أَصْبَهَان"، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: "رُزِقَ جَاهًا، وَهَيْبَةً عَنْدَ السَّلاطِيْنَ" وَ"اللُّنْبَانِيُّ" "بِضَمِّ اللَّام، وَسُكُوْنُ النُّونِ، ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدةٌ مِنْ تَحْتِهَا، وَأَلِفٌ وَنُوْنٌ، مَحَلَّةٌ كَبِيْرَةٌ بِـ "أَصْبَهَانَ". . ." الأَنْسَابُ لأبي سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ (١١/ ٣٥٧). وَيُرَاجَعُ: مُعْجَمُ البُلْدَانِ (٥/ ٢٧). وَأَخْبَارُهُ فِي: التَّحْبِيْرِ (٢/ ٥٣)، وَتَارِيْخِ الإِسْلامِ (٣٢)، وَالعِبَرِ (٣/ ١٢٩).
(٢) مِنْ مُلُوكِ الدَّوْلَةِ الغَزْنَوِيَّةِ، تَقَدَّم ذِكْرُ وَالِدِهِ، وَأَخْبَارُ مَسْعُوْدٍ في: المُنْتَظَمِ (٨/ ١١٣)، وَسِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلاءِ (١٧/ ٤٩٥)، وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٢/ ٥٠)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٢٥٣).
[ ١ / ١٣٠ ]
مِنْ جِهَةِ الإِمَامِ المُقْتَدِي مَعَ الخِطَابِ وَاللَّقَبِ بشَيْخِ الإِسْلَامِ، شَيْخِ الشُّيُوْخِ، زَيْنِ العُلَمَاءِ أَبِي إِسْمَاعِيْلَ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيِّ، وَخُلْعَةً أُخْرَى لابْنِهِ عَبْدِ الهَادِي. قَالَ: وَكَانَ السَّبَبَ فِي هَذِهِ الخِلَعِ الوَزِيْرُ نِظَامُ المُلْكِ شفَقَةً مِنْهُ عَلَى أَصْحَابِ الحَدِيْثِ، وَصِيَانَةً عَنْ لُحُوْقِ شَيْنٍ (^١) بِهِمْ.
وَكَانَ الشَّيْخُ ﵀ آيَةً في التَّفْسِيْرِ، وَحِفْظِ الحَدِيْثِ، وَمَعْرِفَتِهِ، وَمَعْرِفَةِ اللُّغَةِ وَالأَدَبِ، وَكَانَ يُفَسِّرُ القُرْآنَ فِي مَجْلِسِ التَّذْكِيْرِ، فَذَكَرَ الكُتْبِيُّ فِي "تَارِيْخِهِ" أَنَّ الشَّيْخَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ مِحْنَتِهِ الأُوْلَى ابْتَدَأَ فِي تَفْسِيْرِ القُرْآنِ، فَفَسَّرَهُ فِي مَجَالِسِ التَّذْكِيْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِيْنَ، وَفِي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِيْنَ افْتَتَحَ القُرْآن يُفَسِّرُهُ ثَانِيًا فِي مَجَالِسِ التَّذْكِيْرِ، قَالَ: وَكَانَ الغَالِبُ عَلَى مَجْلِسِهِ القَوْلَ فِي الشَّرْعِ، إِلَى أَنْ بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ ﷿ (^٢): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَافْتَتَحَ تَجْرِيْدَ المَجَالِسِ فِي الحَقِيْقَةِ، وَأَنْفَقَ عَلَى هَذِهِ الآيَةِ مِنْ عُمُرِهِ مُدَّةً مَدِيْدَةً، وَبَنَى عَلَيْهَا مَجَالِسَ كَثِيْرَةً، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى (^٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ بَنَى عَلَيْهَا ثَلَاثَمَائَةَ وَسِتِّيْنَ مَجْلِسًا، فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ تَعَالَى (^٤): ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ كُفَّ بَصَرُهُ
_________________
(١) في (أ): "شَرٍّ" وَصُحِّحَتْ عَلَى الهَامِشِ من نُسْخَةٍ أُخْرَى.
(٢) سورة البقرة، الآية: ١٦٥.
(٣) سورة الأنبياء، الآية: ١٠١.
(٤) سورة النُّور، الآية: ٤٢.
[ ١ / ١٣١ ]
سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ، وَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلهِ ﷿ (^١): ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ قَالَ: فِي كُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى سِرٌّ خَفِيٌّ. وَأَخَذَ يُفَسِّرُ خَفَايَا الأَسْمَاءِ حَتَّى بَلَغَ المُمِيْتُ، فَأُخْرِجَ مِنَ البَلَدِ فِي الفِتْنَةِ الأَخِيْرَةِ، فَلَمَّا عَادَ سَنَةَ ثَمَانِيْنَ، عَقَدَ المَجْلِسَ عَلَى أَمْرٍ جَدِيْدٍ، وَلَمْ يَكْمُلِ الكَلَامَ عَلَى الأَسْمَاءِ الحُسْنَى، وَأَخَذَ يَسْتَعْجِلُ فِي التَّفْسِيْرِ، وَيُفَسِّرُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِقْدَارَ عَشْرِ آيَاتٍ أَوْ نَحْوِهَا، يُرِيْدُ أَنْ يَخْتِمَ فِي حَيَاتِه، فَلَمْ يَقْدِرْ لَهُ عَلَى ذلِكَ، وَتُوُفِّيَ وَقَدْ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ ﷿ (^٢): ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨)﴾.
وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ: سَمِعْتُ (^٣) الأَنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: إِذَا ذَكَرْتُ التَفْسِيْرَ فَإِنَّمَا أَذْكُرُهُ مِنْ مَائَةٍ وَسَبْعَةِ تَفَاسِيْرَ. قَالَ: وَجَرَى يَوْمًا - وَأَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ - كَلَامٌ، فَقَالَ: أَنَا أَحْفَظُ اثْنَى عَشَرَ أَلْفَ حَدِيْثٍ أَسْرُدُهَا سَرْدًا، قَالَ: وَقَطُّ مَا ذَكَرَ فِي مَجْلِسِهِ حَدِيْثًا إلَّا بِإِسْنَادِهِ. وَكَانَ يُشِيْرُ إِلَى صِحَّتِهِ وَسَقَمِهِ.
وَقَالَ الرُّهَاوِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ مُحَمَّدَ بنَ مُحَمَّدِ بنِ هِبَةِ اللهِ الهَمَذَانِيُّ (^٤) بِـ "هَمَذَانَ" يَقُوْلُ: سَمِعْتُ بَعْضَ الأُدَبَاءِ يَقُوْلُ: سُئِلَ شَيْخُ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيُّ عَنْ تَفْسِيْرِ آيَةٍ؟ فَأَنْشَدَ أَرْبَعِمَائَةَ بَيْتٍ مِنْ شِعْرِ الجاهِلِيَّةِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْهَا
_________________
(١) سورة السَّجدة، الآية: ١٧.
(٢) سُورة ص.
(٣) في (ط) الفقي فقط: "سَمِعْتُ شَيْخَنَا الأنْصَارِيَّ .. ".
(٤) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَرْجَمَتِهِ.
[ ١ / ١٣٢ ]
لُغَةُ تِلْكَ الآيَةِ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: أَخْبَرَنَا ابنُ نَاصِرٍ، عَنِ المُؤْتَمِنِ بنِ أَحْمَدَ الحَافِظِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ الأَنْصَارِيُّ لَا يَشُدُّ عَلَى الذَّهَبِ (^١) شَيْئًا، وَيَتْرُكُهُ كَمَا يَكُوْنُ، وَيَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -: "لَا تُوْكِ فَيُوْكَأ عَلَيْكَ" وَكَانَ لَا يَصُوْمُ شَهْرَ رَجَبٍ، وَيَنْهَى عَنْ ذلِكَ، وَيَقُوْلُ: مَا صَحَّ فِي فَضْلِ رَجَبٍ وَفِي صِيَامِهِ شَيْءٌ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ يُمْلِي فِي شَعْبَانَ وَفِي رَمَضَانَ، وَلَا يُمْلِي فِي رَجَبٍ.
وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ الحَافِظُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ يَقُوْلُ: كِتَابُ أَبِي عِيْسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدِي أَفْيَدُ مِنْ كِتَابِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، قُلْتُ (^٢): لِمَ؟ قَالَ: لأَنَّ كِتَابَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لَا يَصِلُ إِلَى الفَائِدَةِ مِنْهُمَا إلَّا مَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ المَعْرِفَةِ التَّامَّةِ، وَهَذَا كِتَابٌ قَدْ شَرَحَ أَحَادِيْثَهُ وَبَيَّنَهَا، فَيَصِلُ إِلَى فَائِدَتِهِ كُلُّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَالمُحَدِّثِيْنَ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ: المُحَدِّثُ يُحِبُّ أَنْ يَكُوْنَ سَرِيْعَ المَشْيِ، سَرِيْعَ الكِتَابَةِ، سَرِيْعَ القِرَاءَةِ.
قَالَ الرُّهَاوِيُّ: سَمِعْتُ السِّلَفِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الخَيْرِ عَبْدِ اللهِ بنَ مَرْزُوْقٍ الهَرَوِيَّ (^٣) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيَّ الحَافِظَ بِـ "هَرَاةَ"
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه: "لا يشذُّ عَلَى المَذْهَبِ"، وكذلك هي في (هـ).
(٢) في (ط) الفقي: "فقلت".
(٣) هُوَ مُحَدِّثٌ رَحَّالٌ، مَوْلَى الشَّيْخِ المُتَرْجَمِ (ت: ٥٠٧ هـ) أَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنَ الاسْتِدْرَاكِ عَلَى المُؤَلِّفِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
[ ١ / ١٣٣ ]
يَقُوْلُ: يَنْبَغِي لِمَنْ يَكُوْنُ مِنْ أَهْلِ الفِقْهِ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أبَدًا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ جَدِيْدَةٍ: سَرَاوِيْلُهُ، وَمَدَاسُهُ، وَخِرْقَةٌ يُصَلِّي عَلَيْهَا.
قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ النَّاسِ بِـ "هَرَاةَ" يَحْكِي: أَنَّ شَيْخَ الإِسْلَامِ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى القَاضِي أَبي العَلَاءِ صَاعِدِ بنِ سَيَّارٍ (^١)، وَعَلَى يَمِيْنِهِ رَجُلٌ مِنَ البُوْسَعْدِيَّةِ، فَجَلَسَ شَيْخُ الإِسْلَامِ عَلَى يَسَارِ القَاضِي، فَغَضِبَ البُوْسَعْدِيُّ، وَقَالَ: أَجْلِسُ عَنْ يَمِيْنِكَ وَيَجْلِسُ عَنْ يَسَارِكَ؟ فَوَثَبَ شَيْخُ الإِسْلَامِ، وَجَلَسَ ناحِيَةً، وَقَالَ: الحِدَّةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُوْنَ فِي أَكْلِ البَصَلِ، وَالشِّدَّةُ فِي تَشْقِيْقِ الحَطَبِ، وَأَمَّا الجُلُوْسِ فِي المَجَالِسِ فَإِنَّمَا يَكُوْنُ بِالعِلْمِ، وَغَضِبَ القَاضِي مِنْ كَلَامِ الرَّجُلِ، وَقَالَ: أَيْشٍ تُنْكِرُ مِنْ حَالِهِ؟ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَرْكُوْبٌ وَلَا ثِيَابٌ، وَأَمَرَ لَهُ بِثيَابٍ وَمَرْكُوْبٍ، وَجَعَلَ لَهُ فِي الجَامِعِ مَوْضِعًا يَعِظُ فِيْهِ.
قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَقَدْ رَأَيْتُ كُرْسِيَّ شَيْخِ الإِسْلَامِ قَلِيْلَ المَرَاقِي فِي زَاوِيَةٍ مِنْ جَامِعِ "هَرَاةَ" وَالنَّاسُ يَتَبَرَّكُوْنَ بِهِ.
وَقَالَ ابنُ طَاهِرٍ: سَأَلْتُ الأَنْصَارِيَّ عَنِ الحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ (^٢)؟ فَقَالَ:
_________________
(١) هُوَ القَاضِي صِاعِدُ بِنُ سَيَّارِ بنِ يَحْيَى بنِ مُحَمَّدٍ الهَرَوِيُّ، أَبُو العَلَاءِ (ت: ٤٩٤ هـ). أَخْبَارُهُ فِي: سِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلَاءِ (١٩/ ١٨٢)، وَالعِبَرِ (٣/ ٣٤١)، وَالنُّجُوْمِ الزَّاهِرَةِ (٥/ ١٦٩)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٤٠٢).
(٢) هو الإِمَامُ المَشْهُوْرُ صَاحِبُ "المُسْتَدْرَكِ" مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ (ت: ٤٠٣ هـ). وَهُوَ شَافِعِيُّ المَذْهَبِ، فِيْهِ تَشَيُّعٌ، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: الإِمَامُ، الحَافِظُ، النَّاقِدُ، العَلَّامَةُ، شَيْخُ المُحَدِّثِيْنَ .. " وَقَالَ: "صَنَّفَ، وَخَرَّجَ، وَجَرَّح، وَعَدَّل، وصَحَّحَ، =
[ ١ / ١٣٤ ]
ثِقَةٌ فِي الحَدِيْثِ، رَافِضِيٍّ خَبِيْثٌ. وَذَكَرَ ابنُ السَّمْعَانِيِّ، عَنْ يَحْيَى ابنِ مَنْدَه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَطَاءٍ الإبْرَاهِيْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا يَعْقُوْبَ (^١) الحَافِظَ عَنْ قَوْلِ البُخَارِيِّ فِي "الصَّحِيْحِ": قَالَ لِيْ فُلَانٌ؟ قَالَ: هُوَ رِوَايَةٌ بِالإجَازَةِ، ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: عِنْدِي أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ ذَاكَرَ البُخَارِيَّ فِي المُذَاكَرَةِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ فُلَانٍ حَدِيْثَ كَذَا، وَكِتَابَ كَذَا، أَوْ مُسْنَدَ كَذَا، أَوْ حَدِيْثَ فُلَانٍ، فَيَرْوِيْهِ بَيْنَ المَسْمُوْعَاتِ وَهُوَ طَرِيْقٌ حَسَنٌ، طَرِيْقٌ مَلِيْحٌ، وَلَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنَ البُخَارِيِّ.
وَقَالَ المُؤْتَمِنُ السَّاجِيُّ: كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الجَبَابِرَةُ وَالأُمَرَاءُ، فَمَا كَانَ يُبَالِي بِهِمْ، وَيَرَى بَعْضُ أَصحَابِ الحَدِيْثِ مِنَ الغُرَبَاءِ فَيُكْرِمُهُ إِكْرَامًا يَعْجَبُ مِنْهُ الخَاصُّ وَالعَامُّ ﵀.
قَالَ صَاعِدُ بنُ سَيَّارٍ الهَرَوِيُّ فِي بَعْضِ (^٢) "أَمَالِيْهِ": سَمِعْتُ شَيْخَ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيَّ يَقُوْلُ: إِلَهِي عِصْمَةً أَوْ مَغْفِرَةً، فَقَدْ ضَاقَتْ بِنَا طَرِيْقُ المَعْذِرَةِ.
وَقَدْ أَثْنَى عَلَى الشَّيْخِ الإِمَامِ أَبِي إِسْمَاعِيْلَ شُيُوْخُهُ وَأَقْرَانُهُ، وَمَنْ دُوْنَهُ مِنَ
_________________
(١) = وعَلَّلَ، وَكَانَ مِنْ بُحُورِ العِلْمِ عَلَى تَشَيُّعِ فِيْهِ". وَفَرْقٌ بَيْنَ التَّشَيُّعِ والرَّفْضِ؟! يُرَاجَعُ: سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلاءِ (١٧/ ١٦٢). أَخْبَارُهُ في: تَارِيْخِ بَغْدَادَ (٥/ ٤٧٣)، وَالأنْسَابِ (٢/ ٣٧٠) "البَيِّع"، وَالمُنْتَظَمِ (٧/ ٢٧٤)، وَمِيْزَانِ الاعْتِدَالِ (٣/ ٦٠٨)، وَلِسَانِ المِيْزَانِ (٥/ ٢٣٢)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ١٧٦).
(٢) أبُو يَعْقُوبَ الحَافِظُ، هُوَ القَرَّابُ كَمَا في "تَارِيْخِ الإِسْلامِ".
(٣) في (ط) بطبعتيه و(هـ): "في أماليه".
[ ١ / ١٣٥ ]
الفُقَهَاءِ، وَالمُحَدِّثِيْنَ، وَالصُّوْفِيَّةِ، وَالأُدَبَاءِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ سَبَقَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَنْدَه قَوْلُ سَعْدٍ الزِّنْجَانِيِّ فِيْهِ (^١): إِنَّ اللهَ حَفِظَ بِهِ الإِسْلَامَ، وَبِـ "ابْنِ مَنْدَه".
وَقَالَ الرُّهَاوِيُّ: سَمِعْتُ بِـ "هَرَاةَ": أَنَّ شَيْخَ الإِسْلَامِ لَمَّا أُخْرِجَ مِنْ "هَرَاةَ" وَوَصَلَ إِلَى "مَرْوَ" وَأُذِنَ لَهُ فِي الرُّجُوْعِ إِلَى "هَرَاةَ" رَجَعَ وَوَصَلَ إِلَى "مَرْوَ الرُّوْذِ" قَصَدَهُ الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الحُسَيْنُ بنُ مَسْعُوْدٍ البَغَوِيُّ (^٢) صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ قَالَ لِشَيْخِ الإِسْلَامِ: إِنَّ اللهَ قَدْ جَمَعَ لَكَ الفَضَائِلَ، وَكَانَتْ قَدْ بَقِيَتْ فَضِيْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَرَادَ أَنْ يُكْمِلَهَا لَكَ، وَهِيَ الإِخْرَاجُ مِنَ الوَطَنِ، أُسْوَةً بِرَسُوْلِ اللهِ - ﷺ -.
قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ سُفْيَانَ (^٣) بنَ أَبِي الفَضْلِ الخِرَقِيَّ
_________________
(١) كَتَبَ النَّاسِخَ فِي (أ) و(ب): "عَنْهُ" فِي هَامِشِ الوَرَقَتَيْنِ مِنْهُمَا قِرَاءَةُ نُسْخَةٍ أُخْرَى.
(٢) في (ط) بطبعتيه و(هـ): "البَغَوِيُّ الفَرَّاءُ" وَهُوَ الحُسَيْنُ بنُ مَسْعُوْدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الفَرَّاءِ البَغَوِيُّ الشَّافِعِيُّ (ت: ٥١٦ هـ) وَصَفَهُ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ بِـ "العَلَّامَةِ، القُدْوَةِ، الحَافِظِ، شَيْخِ الإسْلَامِ، مُحْيِي السُّنَّةِ .. " وَهُوَ صَاحِبُ "شَرْحِ السُّنَةِ" وَ"المَصَابِيْحِ" وَ"مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ" وَغيْرِهَا. أَخْبَارُهُ في: التَّحْبِيْرِ للسَّمْعَانِيِّ (١/ ٢١٣)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ٤٣٩)، وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ لِلسُّبْكيِّ (٧/ ٧٥)، وَطَبَقَاتِ المُفَسِّرِيْنَ للدَّاوُديِّ (١/ ١٥٧) وَغَيْرِهَا.
(٣) لا أَبْعُدُ أنْ يَكُوْنَ أَبَا عَبْدِ اللهِ سُفْيَانَ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عليِّ بنِ عُمَرَ الخِرَقِيُّ الأَصْفَهَانِيُّ المَذْكُوْرُ في شُيُوخِ أَبي سَعْدٍ السَّمْعَانِيِّ. يُراجَع: المُنْتَخَبُ مِنْ مُعْجَمِ شُيُوخِ السَّمْعَانِيِّ (٢/ ٨٦٣)، والتَّحْبِيْرُ لَهُ (١/ ٣١٤). قَالَ: "شَابٌّ مِنْ بَيْتِ الحَدِيْثِ وَالْعِلْمِ، حَرِيْصٌ عَلَى طَلَبِ العِلْمِ، سَمِعَ أَبَاهُ أَبَا الفَضْلِ بنْ أَبِي طَاهِرٍ. . ." وَهَذهِ =
[ ١ / ١٣٦ ]
السُّفْيَانِيَّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الحَدِيْثِ وَالفَضْلِ وَالدِّيْنِ، وَكَانَ سُفْيَانِيَّ المَذْهَبِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ الحَافِظَ أَبَا مَسْعُوْدٍ كُوْتَاه (^١) يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا الوَقْتِ عَبْدَ الأوَّلِ بنَ عِيْسَى يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى الجُوَيْنِيِّ - يَعْنِي أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله بنَ يُوْسُفَ الفَقِيْهِ (^٢) - فَسَأَلَنِي عَنْ شَيْخِ الإِسْلَامِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا خَادِمُهُ، فَقَالَ: ﵁.
قَالَ الرُّهَاوِيُّ: وَذَكَرَ الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ الكُتْبِيُّ الهَرَوِىُّ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّ شَيْخَ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيَّ سَافَرَ إِلَى "نَيْسَابُوْرَ" سَنةَ سَبْعَ عَشَرَ وَأَرْبَعِمَائَةَ طَالِبًا للحَدِيْثِ وَالفِقْهِ، وَرُؤْيَةِ المَشَايخِ، وَالاسْتِفَادَةِ مِنْهُمْ، وَالتَبَرُّكِ بِصُحْبَتِهِمْ، وَرَجَعَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، ثُمَّ سَافَرَ ثَانِيًا لِلْحَجِّ مَعَ الفَقِيْهِ الإِمَامِ أَبِي الفَضْلِ بنِ
_________________
(١) = العِبَارَةَ الأَخِيْرَةِ فِيْهَا مَا يُؤكِّدُ أَنَّه هُوَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَذْكُرِ الحَافِظُ وَفَاتَهُ، فَلَعَلَّهُ كَانَ حَيًّا زَمَنَ تَأْلِيفِ الكِتَابَيْن أَوْ تَخْرِيْجِهِمَا، بِدَلِيْلِ قَوْلهِ: "شَابٌّ. . .".
(٢) سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي تَرْجَمَةِ "عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَنْدَه".
(٣) هكَذَا فِي النُّسَخِ المُعْتَمَدَةِ كُلِّهَا وَفِي (ط) بِطَبْعَتَيْهِ، وَلَمْ يَتَنَبَّه لَهَا المُحَقِّقُونَ، فَهُوَ سَهْوٌ مِنْ المُؤَلِّفِ - ﵀ -. لأنَّ هَذَا لَا يُمكِنُ بِحَالٍ؛ لأنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ يُوْسُفَ الجُوَيْنِيَّ الفَقِيْهَ (ت سَنَةَ: ٤٣٨ هـ) وَوُلِدَ عَبْدُ الأَوَّلِ سَنَةَ (٤٥٨ هـ)؟! وفي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الأَوَّلِ فِي السِّيَرِ (٢٠/ ٤٠٣) ذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ شَيْخِ الإِسْلَامِ إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ مِنْ مُرِيْدِيْهِ. ثُمَّ رَأَيْتُ فِي "تَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ" وَ"تَارِيْخِ الإِسْلَامِ" وَغَيْرِهما الخَبَرَ هَكَذَا: "قَالَ أَبُو الوَقْتِ [عَبْدُ الأَوَّلِ] السِّجْزِيُّ: دَخَلْتُ "نَيْسَابُوْرَ"، وَحَضَرْتُ عِنْدَ الأُسْتَاذِ أَبِي المَعَالِي الجُوَيْنِي، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَادِمُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْمَاعِيْلِ الأَنْصَارِيِّ. . .". وَأَبُو المَعَالِي هُوَ: عَبْدُ المَلِكِ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ يُوْسُفَ، إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، المَوْلُوْدُ سَنَةَ (٤١٩ هـ)، وَالمُتَوَفي سَنَةَ (٤٧٨ هـ) ابنُ سَابِقِهِ، فَصَحَّ أَنَّهُ المَقْصُوْدُ، وَللهِ الحَمْدُ.
[ ١ / ١٣٧ ]
أَبِي سَعْدٍ الزَّاهِدُ الوَاعِظُ (^١)، وَمَعَهُمَا خَلْقٌ كَثِيْرٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ، فَلَمَّا وَرَدُوا "نَيْسَابُوْرَ" أَخْرَجَ الإمَامُ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُوْنِيُّ (^٢) لِخَالِهِ الإِمَامِ أَبِي الفَضْلِ بنِ أَبِي سَعْدٍ الزَّاهِدِ مَجْلِسًا فِي الحَدِيْثِ لِيُمْلِيْهِ بِـ "نَيْسَابُوْرَ"، فَنَظَر فِيْهِ الأَنْصَارِيُّ وَنَبَّهَ عَلَى خَلَلٍ فِي رِجَالِ الحَدِيْثِ وَقَعَ فِيْهِ، فَقَبِلَ الصَّابُوْنِيُّ قَوْلَهُ، وَعَادَ إِلَى مَا قَالَ، وَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ السُّرُوْرَ بهِ، وَهَنَأ أَهْلَ
_________________
(١) تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ مَعْرِفَتُهُ الآنَ.
(٢) إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِمَامٌ كبيْرٌ، حافِظٌ، ثِقَةٌ، مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيْرِ (ت: ٤٤٩ هـ)، جَاءَ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٨/ ٤٣): "قَالَ الكَتَّانِيُّ: مَا رَأَيْتُ شَيْخًا فِي مَعْنَى أَبِي عُثمَانَ زُهْدًا وَعِلْمًا، كَانَ يَحْفَظُ مِنْ كُلِّ فَنٍّ، لا يَقْعُدُ بِهِ شَيْءٌ، وَكَانَ يَحْفَظُ التَّفْسِيرَ مِنْ كُتُبٍ كَثِيْرَةٍ، وَكَانَ مِنْ حُفَّاظِ الحَدِيْثِ. قُلْتُ: وَلَقَدْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الأَثَرِ، لَهُ مُصَنَّفٌ فِي السُّنَّةِ وَاعْتِقَادِ السَّلَفِ، مَا رَآهُ مُنْصِفٌ إِلَّا وَاعْتَرَفَ لَه" قَالَ مُحَقِّقُ "السِّيَرِ" فِي الهَامِش: وَهِيَ مَطْبُوْعَةٌ فِي مَجْمُوْعَةِ الرَّسَائِلِ المُنِيْرِيَّةِ (١/ ١٠٥ - ١٣٥) بِاسْمِ عَقِيْدَةِ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الحَدِيْثِ، ثُمَّ نَشَرَتْهَا مُفْرَدَةً الدَّارُ السَّلَفِيَّةُ في الكُوَيْتِ [سَنَةَ] ١٩٧٧ م، وَلَهُ أَشْعَارٌ فِي غَايَةِ الجَوْدَةِ وَالإِتْقَانِ. أَخْبَارُهُ في: تَتِمَّةِ اليَتِيْمَةِ (٢/ ١١٥)، وَالأَنْسَابِ (٨/ ٥)، وَتَارِيْخِ دِمَشْقَ (٩/ ٣)، فَمَا بَعْدَهَا (تَرْجَمَةٌ حَافَلَةٌ)، وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ للسُبْكِيِّ (٤/ ٢٧١)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٢٨٢). وَفِي هَذَا الخَبَرِ دَلِيْلٌ عَلَى كَمَالِ الصَّابُوْنيِّ، وَحُسنِ خُلُقِهِ، وَتَوَاضُعِهِ؛ وَهُوَ فِي دَرَجَةِ شُيُوْخِ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُم. وابْنُهُ عبدُ الرَّحْمَن فِي تَارِيْخِ الإِسْلَام (٣٤٢)، ولابنِ الصَّابُوني هذَا بِنْتَانِ مَشْهُورَتَان بِالعِلْمِ وَروايَةِ الحَدِيْثِ، إِحْدَاهُمَا خَدِيْجَةُ، والأُخْرَى سُتَيْكٌ. لَهما أَخْبَارٌ وَتَرَاجِمُ حَافِلَةٌ، وَلِلصَّابُونيِّ أَحْفَادٌ مِنْ أَهْلِ العِلْم. لَيْسَ هَذَا مَجَالَ الحَدِيْثِ عَنْهُمْ.
[ ١ / ١٣٨ ]
العَصْرِ بِمَكَانِهِ، وَقَالَ: لَنَا جَمَالٌ، وَلأَهْلِ السُّنَّةِ مَكَانَةٌ، وَانْتِفَاعُ المُسْلِمِيْنَ بِعِلْمِهِ وَوَعْظِهِ، وَكَانَ ذلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنْ مَشَايخَ فِيْهِمْ كَثْرَةٌ وَشُهْرَةٌ وَبَصِيْرَةٌ.
قَالَ صَاحِبُ "التَّارِيْخِ": وَكُنْتُ حَاضِرًا يَوْمَئِذٍ، قَالَ: وَسَمِعْتُ الإِمَامَ عَبْدَ اللهِ الأَنْصَارِيَّ بِـ "نَيْسَابُوْرَ" يَقُوْلُ: دَخَلْتُ عَلَى الإِمَامِ نَاصِرٍ المَرْوَزِيِّ (^١) بِـ "نَيْسَابُوْرَ" وَكَانَ مَجْلِسُهُ غَاصًّا بِتَلَامِذَتِهِ، وَاحْتَفَّ بِهِ الفُقَهَاءُ، وَكَانَ يُدَرِّسُ وَيَقُوْلُ: رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّدِّيْقِ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأَ في الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاةِ المَغْرِبِ (^٢): ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ فَقُلْتُ: - أَيَّدَ اللهُ الشَّيْخَ الإِمَامَ - أَحَدِيْثُ عَهْدٍ أَنْتَ بِهَذَا الحَدِيْثِ وَهُوَ عَلَى ذِكْرِكَ؟ فَقَالَ: لا، فَقُلْتُ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ صَلَاةِ المَغْرِب: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (^٣) فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِي، وَحَثَّ القَوْمَ عَلَى إِثْبَاتِهِ وَتَعْلِيْقِهِ، ثُمَّ بَكَّرْتُ إِلَيْهِ مِنْ غَدِ هَذَا اليَوْمِ فَرَحَّبَ بِي، وَأَعْلَى مَحَلِّي، وَأَجْلَسَنِي فَوْقَ جَمَاعَةٍ زُهَاءَ سَبْعِيْنَ، كُنْتُ بِالأَمْسِ جالِسًا دُوْنَهُمْ، وَمَدَحْتُهُ بِقَصِيْدَةٍ، وَوَاظَبْتُ عَلَى الاخْتِلَافِ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ الفِقْهِ عَنْهُ مُدَّةً.
_________________
(١) هُوَ نَاصِرُ بنُ الحُسَيْن بنِ مُحَمَّدِ، مِنْ أَبْنَاءِ سَالِمِ بنِ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ - ﵁ -. أَبُو الفَتْحِ العُمَرِيُّ، المَرْوَزِيُّ، النَّيْسَابُوْرِيُّ (ت: ٤٤٤ هـ) مِنْ وُجُوْهِ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيَّ بِـ "نَيْسَابُوْرَ"، تَفَقَّهَ بِـ "مَرْوَ" عَلَى القَفَّالِ وَغَيْرِهِ. أَخْبَارُهُ في: المُنْتخب من السِّيَاقِ (٤٦١)، وَالعِبَرِ (٣/ ٢٠٨)، وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ للسُّبْكِيِّ (٥/ ٣٥٠)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَبِ (٣/ ٢٧٢).
(٢) سورة طه، الآية: ١١٤.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٨.
[ ١ / ١٣٩ ]
قَالَ صَاحِبُ "التَّارِيْخِ": وَرَجَعَ الشَّيْخُ مِنْ "حُرْقَانَ" (^١) وَ"الرَّيَّ" (^٢) عَنْ زِيَارَةِ الشَّيْخِ أَبِي الحَسَنِ الحُرْقَانِيِّ، وَكَانَ الحُرْقَانِيُّ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَلَاطَفَهُ فِي المُخَاطَبَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ، قَالَ: وَلَقِيَ الشَّيْخُ بِـ "نَيْسَابُوْرَ" الشَّيْخَ أَبَا عَبْدِ اللهِ بنَ بَاكَوَيْهِ الشَّيْرَازِيَّ (^٣)، وَتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَضِيَ ابنُ بَاكَوَيْهِ قَوْلَهُ، وَاسْتَحْسَنَ فِي الحَقِيْقَةِ كَلَامَهُ، وَبَشَرَ بِأَيَّامِهِ، فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الخُرُوْجِ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: نَوَيْتُ سَفَرًا، قَالَ: لَسْتُ مِنْ بَابَةِ السَّفَرِ، بَلْ بَابَتُكَ أَنْ تَعْقِدَ حَلْقَةً تُكَلِّمُهُمْ عَلَى الحَقِّ.
قَالَ صَاحِبُ "التَّارِيْخِ": وَكَانَ إِسْحَقُ القَرَّابُ (^٤) الحَافِظُ يتأَمَّلُ مَا كَانَ يُخْرِجُهُ الأَنْصَارِيُّ، وَكَذلِكَ إِسْمَاعِيْلُ الصَّابُوْنِيُّ (^٥)، قَالَ: وَكُلُّهُمْ تَعَجَّبُوا مِنْ تَخْرِيْجِهِ، وَأُعْجِبُوا بِهِ، وَأَثْنَوا عَلَى الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، وَاغْتَبَطُوا
_________________
(١) كَذَا فِي بَعْضِ الأُصُوْلِ، وَفِي بَعْضِهَا "حرقات" ولا شَكَّ أَنَّهُ اسمُ مَوضعٍ، وَلَمْ أَجِده في مَعَاجِمِ البُلْدَانِ فَلَعَلَّ تَحْرِيْفًا مَا يَكْتَنِفُهَا، وَلَمْ أَجِدِ الرَّجُلَ المَنسُوْبَ إِلَيْهَا، وَدَلِيْلُ أنَّهُ مَوْضِعٌ أَنَّه قَرَنَهُ بِـ "الرِّيِّ".
(٢) هِيَ مَدِيْنَةٌ عَظِيْمَةٌ كَبِيْرَةٌ مِنْ بِلَادِ الجَبَلِ، وَقيْلَ: مِنْ بلادِ الدَّيْلَم، وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهَا رَازِيٌّ، وَفِي المَنْسُوْبِيْنَ إِلَيْها من العُلَمَاءِ كَثْرَةٌ. وَجَمَعَ تَاريخَهَا أَبُو الحَسَن ابنُ بَابَوَيْهِ، وأَبُو مَنْصُوْرٍ الآبِيُّ. يُرَاجَعُ: الأَنْسَابُ (٦/ ٤١)، وَمُعْجَمُ البُلْدَانِ (٢/ ١٣٢)، وَتَقْوِيْمُ البُلْدَانِ (٤٢٠)، وَالإِعْلانُ بِالتَّوْبِيْخِ (٦٣٢)، وَكَشْفُ الظُّنُوْنِ (١/ ٢٩٥).
(٣) أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله بن عُبَيْدِ اللهِ الشِّيْرَازِيُّ الصُّوْفيُّ (ت: ٤٢٨ هـ). أَخْبَارُهُ في: العِبَرِ (٣/ ١٦٩)، وَالشَّذَرَاتِ (٥/ ١٤٤) (دَارُ ابنِ كَثِيْرٍ).
(٤) هُوَ القَاضي أَبُو يَعْقُوْبَ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ.
(٥) هُوَ أَبُو عُثْمَانَ المُتَقَدِّم ذِكْرُهُ.
[ ١ / ١٤٠ ]
بِمَكَانِهِ، وَدَعَوا لَهُ بالخَيْرِ. وَكَانَ مِنْ عَادَةِ إِسْحَقَ القَرَّابِ الحَافِظِ الحَثُّ عَلَى الاخْتِلَافِ إِلَى الأَنْصَارِيِّ، وَالبَعْثُ عَلَى القِرَاءَةِ عَلَيْهِ، وَاسْتِمَاعِ الأحَادِيْثَ بِقِرَاءَتِهِ، وَالاسْتِفَادَةِ مِنْهُ، وَالمُوَاظَبَةِ عَلَى مَجْلِسِهِ، وَالاخْتِيَارِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَكَانَ يَقُوْلُ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - كَاذِبٌ مِنَ النَّاسِ، وَهَذَا الرَّجُلُ فِي الأحْيَاءِ. قَالَ: وَكُلُّ مَنْ لَقِيْتُ مِنْ أَهْلِ "هَرَاةَ" وَفِي سَائِرِ البُلْدَانِ، حِيْنَ خَرَجْتُ مُسَافِرًا، وَمَن سَمِعْتُ بِخَبَرٍ مِنْهُم فِي الآفَاقِ مِنَ القُضَاةِ وَالأئمَّةِ وَالأفَاضِلِ، وَالمَذْكُوْرِيْنَ، كَانُوا يُحْسِنُوْنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْكِرُوْنَ فَضْلَهُ.
وَقَالَ الرُّهَاوِيُّ: "سَمِعْتُ أَبَا بِشْرٍ الهَمَذَانِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ شَيْخِي عَبْدَ الهَادِي الَّذِي أَخَذْتُ عَنْهُ العِلْمَ يَقُوْلُ: عَبْدُ اللهِ الأَنْصارِيُّ يُعَدُّ فِي العَبَادِلَةِ. قَالَ الرُّهَاوِيُّ: عَبْدُ الهَادِي هَذَا مِنْ أَئِمَّةِ "هَمَذَانَ".
وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو النَّصْرِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ الفَامِيُّ فِي "تَارِيْخِ هَرَاةَ" شيْخَ الإسْلَامِ الأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ: كَانَ بِكْرَ الزَّمَانِ، وَزِنَادَ الفَلَكِ، وَوَاسِطَةَ عِقْدِ المَعَانِي وَالمَعَالِي، وَصُوْرَةَ الإقْبَالِ فِي فُنُوْنِ الفَضَائِلِ، وَأَنْوَاعِ المَحَاسِن.
وَمِنْهَا: نُصْرَةُ الدِّيْنِ وَالسُّنَّةِ، وَالصَّلَابَةِ فِي قَهْرِ أَعْدَاءِ المِلَّةِ، وَالمُتَحَلِّيْنَ بِالبِدْعَةِ، حَيِيَ عَلَى ذلِكَ عُمُرَهُ، مِنْ غَيْرِ مُدَاهَنَةٍ وَمُرَاقَبَةٍ (^١) لِسُلْطَانٍ وَلَا وَزِيْرٍ، وَلَا مُلَايَنَةٍ مَعَ كَبِيْرٍ وَلَا صَغِيْرٍ، وَقَدْ قَاسَى بِذلِكَ السَّبَبِ قَصْدَ الحُسَّادِ فِي كلِّ وَقْتٍ وَزَمَانٍ، وَمُنِيَ بِكَيْدِ الأَعْدَاءِ فِي كُلِّ حِيْنٍ وَأَوَانٍ، وَسَعَوا فِي رُوْحِهِ مِرَارًا، وَعَمَدُوا إِلَى هَلَاكِهِ أَطْوَارًا، مُقَدِّرِيْنَ بِذلِكَ الخَلَاصَ مِنْ يَدِهِ
_________________
(١) سَاقطٌ من (أ).
[ ١ / ١٤١ ]
وَلِسَانِهِ، وَإِظْهَارِ مَا أَضْمَرُوا فِي زَمَانِهِ، فَوَقَاهُ اللهُ شَرَّهُمْ، وَأَحَاطَ بِهِمْ مَكْرَهُمْ، وَجَعَلَ قَصْدَهُمْ لاِرْتِفَاعِ أَمْرِهِ وَعُلُوِّ شَأْنِهِ أَقْوَى سَبَبٍ، وَلَيْسَ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى بِبِدْعٍ وَلَا عَجَبٍ: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (^١).
وَأَمَّا قَبُوْلُهُ عِنْدَ الخَاصِّ وَالعَامِّ، وَاسْتِحْسَانِ كَلَامِهِ وَانْتِشَارِهِ فِي جَمِيْعِ بِلَادِ الإسْلَامِ، فَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ أَوْ بُرْهَانٌ (^٢)، أَوْ يَخْتَلِفُ فِي سَبْقِهِ وَتَقَدُّمِهِ فِيْهَا مِنَ الأَئِمَّةِ اثْنَانِ، وَلَقَدْ هَذَّبَ أَحْوَالَ هَذِهِ النَّاحِيَةِ عَنِ البِدَعِ بِأَسْرِهَا، وَنَقَّحَ أُمُوْرَهُمْ عَمَّا اعْتَادُوْهُ مِنْهَا فِي أَمْرِهَا، وَحَمَلَهُمْ عَلَى الاعْتِقَادِ الَّذِي لَا مَطْعَنَ لِمُسْلِمٍ بِشَيْءٍ عَلَيْهِ، وَلَا سَبِيْلَ لِمُبْتَدِعٍ إِلَى القَدْحِ إِلَيْهِ.
وَمِنْهَا: تَصَانِيْفُهُ الَّتِي حَازَ فِيْهَا قَصَبَ السَّبْقِ بَيْنَ الأَضْرَابِ، وَذَكَرَهَا فِي بَابِ المُصَنِّفِيْنَ مِنَ الكُتَّابِ.
وَذَكَرَهُ أَيْضًا الإمَامُ أَبُو الحُسَيْنِ عَبْدُ الغَافِرِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيُّ (^٣)، خَطِيْبُ "نَيْسَابُوْرَ" فِي "تَارِيْخِ نَيْسَابُوْر"، فَذَكَرَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، وَقَالَ: أَبُو إِسْمَاعِيْلَ،
_________________
(١) سورة محمَّد، الآية: ٧.
(٢) في (ط): "وَبُرهَان".
(٣) هُوَ الإِمَامُ المُحَدِّثُ اللُّغَوِيُّ المَشْهُوْرُ (ت: ٥٢٩ هـ) مُؤَلِّفُ "مَجْمَعِ الغَرَائِبِ" فِي غَرِيْبِ الحَدِيْثِ، وَ"المُفْهم لِشَرْحِ صَحِيْحِ مُسْلِم" وَ"تَارِيْخ نَيْسَابُوْر". أَخْبَارُهُ في: العِبَرِ (٤/ ٧٩)، وَطَبَقَاتِ الشَّافعِيَّة للسُّبْكِيِّ (٤/ ٢٥٥)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَب (٤/ ٩٣). يُرَاجَعُ: المُنْتَخَبُ من السِّياقِ (٢٨٤)، وَالنَّصُّ فيه مُخْتَصَرٌ بِتَصرُّف المُنْتَخِبِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ مُحَمَّدِ بن الأَزْهَرِ الصَّرِيْفِيْنِيِّ، لِذَا لا يُمْكِنُ المُقَارَنَة به. والصَّرِيْفِيْنِيُّ حَنْبَلِيٌّ (ت: ٦٤١ هـ) ذكَرَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ.
[ ١ / ١٤٢ ]
الإمَامُ، شَيْخُ الإسْلَامِ بِـ "هَرَاةَ"، صَاحِبُ القَبُوْلِ فِي عَصْرِهِ، وَالمَشْهُوْرُ بِالفَضْلِ وَحُسْنِ الوَعْظِ وَالتَّذْكِيْرِ فِي دَهْرِهِ، لَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ فِي فَنِّهِ حُلْمًا مَا رَآهُ عَيَانًا، مِنَ الحِشْمَةِ الوَافِرَةِ القَاهِرَةِ، وَالرَّوْنَقِ الدَّائِمِ، وَالاسْتِيْلَاءِ عَلَى الخَاصِّ وَالعَامِّ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَاتَسَاقِ أُمُوْرِ المُرِيْدِيْنَ وَالأَتْبَاعِ، وَالغَالِيْنَ فِي حَقِّهِ، وَالتِئَامِ المَدَارِسِ، وَالأَصْحَابِ، وَالخَانِقَاهُ، وَنُوَّابِ المَجَالِسِ، إِلَى غَيْرِ ذلِكَ مِمَّا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الشَّرْحِ.
وَكَانَ عَلَى حَظٍّ تَامٍّ مِنَ العَرَبِيَّةِ، وَمَعْرِفَةِ الأَحَادِيْثِ، وَالأَنْسَابِ، وَالتَّوَارِيْخِ، إِمَامًا كَامِلًا فِي التَّفْسِيْرِ وَالتَّذْكِيْرِ، حَسَنَ السِّيْرَةِ وَالطَّرِيْقَةِ فِي التَّصَوُّفِ وَمُبَاشَرَةِ التَّصَوُّفِ، وَمُعَاشَرَةِ الأَصْحَابِ الصُّوْفِيَّةِ، مُظْهِرَ السُّنَّةِ، دَاعِيًا إِلَيْهَا، مُحَرِّضًا عَلَيْهَا، غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِكَسْبِ الأَسْبَابِ وَالضِّيَاعِ وَالعَقَارِ، وَالتَّوَغُّلِ فِي الدُّنْيَا، مُكْتَفِيًا بِمَا يُبَاسِطُ بِهِ المُرِيْدِيْنَ وَالأَتْبَاعَ مِن أَهْلِ مَجْلِسِهِ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، حَاكِمًا عَلَيْهَا حُكْمًا نَافِذًا بِمَا كَانَ يَحْتاجُ إِلَيْهِ هُوَ وَأَصحَابُهُ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ عَلَى رَأْسِ المَلإِ، فَيَحْصُلُ عَلَى أُلُوْفٍ مِنَ الدَّنَانِيْرِ بِهَا، وَأَعْدَادٍ جَمَّةٍ مِنَ الثِّيَابِ وَالحُلِيِّ، وَغَيْرِ ذلِكَ، فَيَجْمَعُهَا وَيُفَرِّقُهَا عَلَى الخَبَّازِ، وَالبَقَّالِ، وَالقَصَّابِ، وَيُنْفِقُ مِنْهَا، مُوَسِّعًا فِيْهَا مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ، وَلَا يَأْخُذُ مِنَ السَّلَاطِيْنِ وَالظَّلَمَةِ وَالأَعْوَانِ وَأَركَانِ الدَّوْلَةِ شَيْئًا، وَقَلَّمَا يُرَاعِيْهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُبَالِي بِهِمْ، فَبَقِيَ عَزِيْزًا مَقْبُولًا، قَبُوْلًا أَتَمَّ مِنَ المَلِكِ عَلَى الحَقِيْقَةِ، مُطَاعَ الأَمْرِ قَرِيْبًا مِنْ سِتِّيْنَ سَنَةً، مِنْ غَيْرِ مُزَاحَمَةٍ، وَلَا فُتُوْرٍ فِي الحَالِ.
وَمِنْ خَصَائِصِهِ: أَنَّهُ كَانَ حَضرَ المَجْلِسَ لَبِسَ الثِّيَابَ الفَاخِرَةَ، وَرَكِبَ
[ ١ / ١٤٣ ]
الدَّوَّابَّ الثَّمِيْنَةَ، وَالمَرَاكِبَ المَعْرُوْفَةَ، وَتَكَلَّفَ غَايَةَ التَّكَلُّفِ، وَيَقُوْلُ: إِنَّمَا أَفْعَلُ هَذا إِعْزَازًا لِلدِّيْنِ، وَرَغْمًا لِأَعْدَائِهِ، حَتَّى يَنْظُرُوا إِلَى عِزِّيْ وَتَجَمُّلِي، فَيَرْغَبُوا فِي الإِسْلَامِ إِذَا رَأَوا عِزَّهُ، ثُمَّ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ عَادَ إِلَى المُرَقَّعَةِ وَالقُعُوْدِ مَعَ الصُّوْفيَّةِ فِي الخَانِقَاهُ، يَأْكُلُ مَعَهُمْ مَا يَأْكُلُوْنَ، وَيَلْبَسُ مَا يَلْبَسُوْنَ، وَلَا يَتَمَيَّزُ فِي المَطْعُوْمِ وَالمَلْبُوْسِ عَنْ آحَادِهِم، عَلَى هَذَا كَانَ يُزْجِي أَيَّامَهُ، وَكُلُّ مَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ سِيْرَتِهِ مَحْمُوْدٌ.
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَخَذَهُ أهْلُ "هَرَاةَ" عَنْهُ مِنْ مَحَاسِنِ سِيْرَتِهِ: التَّبْكِيْرُ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَأَدَاءُ الفَرَائِضِ فِي أَوَائِلَ أَوْقَاتِهَا، وَاسْتِعْمَالُ السُّنَنِ وَالآدَابِ فِيْهَا.
وَمِنْ ذلِكَ: تَسْمِيَةُ الأَوْلَادِ فِي الأَغْلَبِ بِالعَبْدِ المُضَافِ إِلَى اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى: كَعَبْدِ الخَالِقِ، وَعَبْدِ الخَلَّاقِ، وَعَبْدِ الهَادِي، وَعَبْدِ الرَّشِيْدِ، وَعَبْدِ المَجِيْدِ، وَعَبْدِ المُعِزِّ، وَعَبْدِ السَّلَامِ، وَإِلَى غَيْرِ ذلِكَ مِمَّا كَانَ يَحُثُّهُمْ وَيَدْعُوْهُمْ إِلَى ذلِكَ، فَتَعَوَّدُوا الجَرْيَ عَلَى تِلْكَ السُّنَّةِ (^١) وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ آثَارِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ شُيُوْخِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو القَاسِمِ أَسْعَدُ بنُ عَلِيٍّ البَارِعُ الزَّوْزَنِيُّ (^٢) لِنَفْسِهِ فِي الإمَامِ، وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ:
وَقَالُوا رَأَيْتَ كَعَبْدِ الـ … ـــإلَهِ إِمَامًا إِذَا عُقِدَ المَجْلِسَا
_________________
(١) هُم عَلَيْهَا إِلَى الآنِ.
(٢) شَاعِرٌ مُجِيْدٌ (ت: ٤٩٢ هـ) قَالَ عَنْهُ السَّمْعَانِيُّ: "كَانَ شَاعِرَ عَصْرِهِ، وَوَاحِدَ دَهْرِهِ بِـ "خُرَاسَانَ" لَهُ القَصَائِدُ الحَسَنَةُ، وَالمَعَانِي الدَّقِيْقَةُ الغَرِيْبَةُ، وَقَدْ شَاعَ ذِكْرُهُ، وَسَارَ شِعْرُهُ. أَخْبَارُهُ فِي: دُمْيَةِ القَصْرِ (٢/ ٤٥٠)، وَالأَنْسَابِ (٣/ ١٧٦)، وَمُعْجَمِ الأُدَبَاءِ (٢/ ٢٣٩).
[ ١ / ١٤٤ ]
فَقُلْتُ أَمَا إِنَّنِي مَا رَأَيْـ … ــــتُ وَلَمْ يَلْقَ قَبْلِيَ مِمَّن عَسَى
فَقَالُوا يَجِيْءُ نَظِيْرٌ لَهُ … فَقُلْتُ كَمُسْتَقْبَلٍ مِنْ عَسَى
قَالَ عَبْدُ الغَافِرِ: وَقَرَأْتُ فِي "دُمْيَةِ القَصْرِ" لأَبِي الحَسَنِ البَاخَرْزِيِّ (^١) فَصْلًا فِي الإمَامِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصارِيِّ، وَذلِكَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ فِي التَّذْكِيْرِ فِي الدَّرَجَةِ العُلْيَا، وَفِي عِلْمِ التَّفْسِيْرِ أَوْحَدُ الدُّنْيَا، يَعِظُ فَيَصْطَادُ القُلُوْبَ بِحُسْنِ لَفْظِهِ، وَيُمَحِّصُ الذُّنُوْبَ بِيُمْنِ وَعْظِهِ، وَلَوْ سَمِعَ قِسُّ بنُ سَاعِدَةَ (^٢) تِلْكَ الأَلْفَاظَ، لَمَا خَطَبَ بِسُوْقِ "عُكَاظَ"، ثُمَّ ذَكَرَ بَيْتَيْنِ لِلإِمَامِ عَبْدِ اللهِ فِي نِظَامِ المُلْكِ وَهُمَا:
بِجَاهِكَ أَدْرَكَ المَظْلُوْمُ ثَارَهُ … وَمَنِّكَ شَادَ بَانِي العَدْلِ دَارَهْ
وَقَبْلَكَ هُنِّئَ الوُزَرَاءُ حَتَّى … نَهَضْتَ بِهَا فَهُنِّئْتِ الوِزَارَهْ
ثُمَّ قَالَ: وَحَضَرْتُ يَوْمًا مَجْلِسَهُ بِـ "هَرَاةَ" مَعَ أَبِي عَاصِمٍ الحُسَيْنِ بنِ مُحَمَّدٍ
_________________
(١) ذَكَرْنَا "دُمْيَة القَصْرِ" في مَصَادِرِ تَخْرِيْجِ التَّرْجَمَةِ. وَالبَاخَرْزِيُّ: أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنِ الحَسَنِ بنِ أَبِي الطَّيِّب، وَيُكنى أَيضًا أَبَا القَاسِمِ (ت: ٤٦٧ هـ) شَاعِرٌ، أَدِيْبٌ، مَنْسُوْبٌ إِلَى "بَاخَرْزَ" بَلْدَةٌ بِـ "خَرَاسَانَ" بَيْنَ "هَرَاةَ" وَ"نَيْسَابُوْرَ" يُجِيْدُ اللِّسَانَيْنِ العَرَبِيِّ وَالفَارِسِيِّ، سُنِّيُّ المَذْهَبِ، جَمَعَ شُعَرَاءَ "بَاخَرْزَ" وَأَلَّفَ "دُمْيَةَ القَصْرِ" وَهُوَ مِن أَجْوَدِ الكُتُبِ المُؤلَّفَةِ في بَابِهِ، عَلَى نَسَقِ كِتَابِ الثَّعَالِبيِّ "يَتِيْمَةِ الدَّهْرِ" وَقَدْ أُلِّفَ عَلَى مِنْوَالِهِمَا كُتُبٌ كَثِيْرَةٌ جدًّا عَلَى مَرِّ العُصُوْرِ في ذِكْرِهَا إِطَالَةٌ. أَخْبَارُهُ في: مُعْجَمِ الأدَبَاءِ (١٣/ ٣٣)، وَوَفَيَاتِ الأَعْيَانِ (٣/ ٦٦)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٣٢٧)، وَلَهُ دِيْوَانُ شِعْرٍ جَمَعَهُ الدُّكتور مُحَمَّدُ التُونجي، وَنُشِرَ فِي مَنْشُوْرَاتِ كُليَّةِ الآدابِ بالجَامعة اللِّيْبِيَّة سَنَةَ (١٩٧٣ م).
(٢) قِسُّ بنُ سَاعِدَةَ الإِيَادِيُّ خَطِيْبُ العَرَبِ المَعْرُوْفُ، وَسُوْقُ "عُكَاظ" مَعْرُوفٌ أَيْضَا، وَهُوَ مَوْقِعٌ قُرْبَ مَدِيْنَةِ "الطَّائِفِ" مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّمَالِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ، وشُهْرَتُهُ تُغني عَنِ التَّعْرِيْفِ بِه.
[ ١ / ١٤٥ ]
ابنِ الفُضَيْلِيِّ الهَرَوِيِّ (^١) شَيْخِ الأَفَاضِلِ بـ "هَرَاةَ"، فَلَمَّا طَابَ فُؤَادُهُ، وَعَرَقَ جَوَادُهُ، وَطَنَّتْ نَقَرَاتُ العَازِفِيْنَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَدَنَتِ المَلَائِكَةُ فَتَدَلَّتْ لِلإصْغَاءِ، قَالَ أَبُو العَاصِمِ: (^٢)
عُيُوْنُ النَّاسِ لَمْ تَلْـ … ــــقَ وَلَا تَلْقَى كَعَبْدِ اللهْ
وَلَا يُنْكِرُ هَذَا غَيْـ … ـــــرَ مَنْ مَالَ عَنِ المِلَّهْ
قَالَ البَاخَرْزِىُّ: فَقُلْتُ أَنَا (^٣):
مَجْلِسُ الأُسْتَاذِ عَبْدِ اللّـ … ــــهِ رَوْضُ العَارِفِيْنَا
أَلْحَقَ الفَخْرَ بِنَا … بَعْدَ حُكْمِ العَارِ فِيْنَا
قَالَ عَبْدُ الغَافِرِ: وَفِي المَنْقُوْلَاتِ مِنْ أَخْبَارِهِ وَآثَارِهِ، وَمَا قِيْلَ فِيْهِ مِنَ الأَشْعَارِ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنَ العِبَارَاتِ كَثِيْرٌ، وَفِي هَذَا القَدْرِ دَلِيْلٌ عَلَى أَمْثَالِهَا.
وَقَالَ شَيْخِ الإسْلَامِ أَبُو العَبَّاسِ بنُ تَيْمِيَّةِ فِي كِتَابِ "الأَجْوِبَةِ المِصْرِيَّةِ" (^٤) شَيْخُ الإسْلَامِ، مَشْهُوْرٌ، مُعَظَّمٌ عِنْدَ النَّاسِ، هُوَ إِمَامٌ فِي الحَدِيْثِ، وَالتَّصَوُّفِ،
_________________
(١) (ت: ٤٧١ هـ) لَهُ تَرْجَمَةٌ فِي طَبَقَاتِ الفُقَهَاءِ (٨٦)، وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّة للسُّبْكِيِّ (٥/ ٣٠٩).
(٢) لَمْ أَجِدْهُمَا، وفي (ط): "عن الله".
(٣) البَيْتَانِ في دِيْوَانِ البَاخَرْزِيِّ (٢٠٧، ٢٠٨)، ودُمْيَةِ القَصْرِ (٢/ ٨٧٥)، وفي (ط) بطبعتيه: "بعد حكم" وفي الأُصُوْل المُعْتَمَدَةِ: "بعد أحكام" وَعَلَّقَ عَلَيْهَا ابنُ حُمَيْدٍ النَّجْدِيُّ بِقَوْلِهِ: "يُنظر وَزْنُ العَجُزِ الثَّاني. . ." وَفِي "المَنْهَجِ الأَحْمَدِ": "بَعْدَ احْتِكَامِ" وَهِيَ كَذلِكَ في الدِّيْوَانِ، وَدُمْيَةِ القَصْرِ، وفي (ب) و(جـ): "تعارقينا" تَصْحِيْفٌ. "العَارِفِيْنَا" الأوْلَى مِنَ المَعْرِفَةِ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَـ "العَارُ" العَيْبُ "فِيْنَا" جَارٌ وَمَجْرُوْرٌ.
(٤) هُوَ المَعْرُوْفُ بـ "الفَتَاوَى المِصْرِيَّةِ" وَهُوَ مَطْبُوْعٌ.
[ ١ / ١٤٦ ]
وَالتَّفْسِيْرِ، وَهُوَ فِي الفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الحَدِيْثِ، يُعَظِّمُ الشَّافِعِيَّ، وَأَحْمَدَ، وَيُقَرِّبُ (^١) بَيْنَهُمَا فِي أَجْوِبَتِهِ فِي الفِقْهِ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ تَارَةً وَقَوْلَ أَحْمَد أُخْرَى، وَالغَالِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الحَدِيْثِ عَلَى طَرِيْقَة ابنُ المُبَارِك (^٢) وَنَحْوِهِ.
قَالَ: وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ الكَرَجِيُّ (^٣)، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ فِي بِلَادِهِ،
_________________
(١) في (جـ) و(هـ) و(ط) بطبعتيه: "يقرن".
(٢) هو عبدُ الله بنُ المُبَارَك بنِ وَاضِحٍ الحَنْظَلِيُّ التَّمِيْمِيُّ بالوَلَاءِ (ت: ١٨١ هـ) زاهِدٌ، مُجَاهِدٌ، مُحَدِّثٌ، ثِقَةٌ، مَعْرُوْفٌ. يُرَاجَعُ: سِيَرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (٨/ ٣٧٨).
(٣) في (ط) بطبعتيه: "الكَرْخِيُّ" وإِنَّمَا هُوَ "الكَرَجِيُّ" بفَتْحِ الكَافِ وَالرَّاءِ، وَالجِيْمُ في آخِرِهَا، هَذِهِ النِّسْبَةُ إِلَى "الكَرَجِ" وَهِيَ بَلْدَةٌ مِنْ بِلَادِ الجَبَلِ بَيْنَ "أَصْبَهَانَ" وَ"هَمَذَانَ". يُرَاجَعُ: الأَنْسَابُ (١٠/ ١٨١)، وَمُعْجَمُ البُلْدَانِ (٤/ ٥٠٦)، وَالمَذْكُوْرُ هُنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ، أَبُو الحَسَنِ الكَرَجِيُّ (ت: ٥٣٢ هـ). قَالَ الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ: "رَأَيْتُهُ بِالكَرَجِ، إِمَامٌ، وَرِعٌ، فَقِيْهٌ، مُفْتٍ، مُحَدِّثٌ، خَيِّرٌ، أَديبٌ، شَاعِرٌ، أَفْنَى عُمُرَهُ في جَمْعِ العِلْمِ وَنَشْرِهِ. وَكَانَ لَا يَقْنِتُ في الفَجْرِ وَيُقُوْلُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا صَحَّ الحَدِيْثُ فَاتْرُكُوا قَوْلِي وَخُذُوا بِالحَدِيثِ، وَصَحَّ عِنْدِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَرَكَ القُنُوْتَ في صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَلَهُ قَصِيْدَةٌ في السُّنَّةِ نَحْوَ مَائَتَي بَيْتٍ، شَرَحَ فِيْهَا عَقِيْدَةَ السَّلَفِ. . ." قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: قُلْتُ: أَوَّلُ القَصِيْدَةِ: مَحَاسِنُ جِسْمِي بُدِّلَتْ بِالمَعَايِبِ … وَشَيَّبَ فَوْدِي شَوْبُ وَصْلِ الحَبَايبِ [وَأَقْبَلَ شَيْبِي وَالشَّبِيْبَةُ أَدْبَرَتْ … وَقُرِّبَ مِنْ أَحْزَانِنَا كُلُّ غَائِبِ] مِنْهَا عَقَائِدُهُمْ إِنَّ الإله بِذَاتِهِ … عَلَى عَرْشِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالغَوَائِبِ وَمِنْهَا: =
[ ١ / ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فَفِي كَرَجٍ - وَاللهِ - مِنْ خَوْفِ أَهْلِهَا … يَذُوْبُ بِهَا البِدْعِيُّ يَا شَرَّ ذَائِبِ يَمُوْتُ وَلَا يَقْوَى لإِظْهَارِ بِدْعَةٍ … مَخَافَةَ حَزِّ الرَّأْسِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ أَخْبَارُ الكَرَجِيِّ في: المُنْتَظَمِ (١/ ٧٥)، وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ لابنِ الصَّلاح (١/ ٢١٥)، وَطَبَقَاتِ الشَّافِعِيَّةِ للسُّبكيِّ (٦/ ١٣٧)، وَشَذَرَاتِ الذَّهَبِ (٤/ ١٠٠) … وَغَيْرِهَا. (تَعْلِيْقٌ): قَالَ الحَافِظُ السَّمْعَانِيُّ: وَلَهُ قَصِيْدَةٌ بائيةٌ في السُّنَّةِ، شَرَحَ فِيْهَا اعْتِقَادَهُ واعْتِقَادَ السَّلَفِ، تَزِيْدُ عَلَى مَائتي بَيْتٍ، قَرَأْتُهَا عَلَيْهِ في دَارِهِ بالكَرَجِ". يَقُولُ الفَقِيْرُ إلَى اللهِ تَعَالَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ سُلَيْمَان العُثَيْمِيْن - عَفَا الله عَنْهُ -: ويَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ القَصِيْدَة هي الَّتِي تُسَمَّى: "عَرُوْسَ القَصَائِدِ في شُمُوْسِ العَقَائِدِ" وَقَدْ أَذهَلَتْ هَذِهِ القَصِيْدَةُ التَّاجَ السُّبْكِيَّ فَتَخَبَّطَ في الرَّدِّ عَلَيْهَا، وَاستَخْدَمَ عِبَارَاتٍ سُوْقيَّةً لَا تُنَاسِبُ وَقَارَ العِلْمِ قَالَ: "نَالَ فِيْهَا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ [الأشَاعِرَة] وَبَاحَ بِالتَّجْسِيْمِ [مَذْهَبُ السَّلَفِ في الصِّفَاتِ] فَلَا حَيَّا اللهُ مُعْتَقِدَهَا وَلَا حَيِىَ قَائِلُهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَتَكَلَّمَ فِيْهَا في الأَشْعَرِيِّ أَقْبَحَ كَلَامٍ، وَافْتَرَى عَلَيْهِ أَيَّ افْتِرَاءٍ". وَنَالَ السُّبْكِيُّ مِنَ الذَّهَبِيِّ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ القَصِيْدَةَ دُسَّتْ فِي كِتَابِ ابنِ السَّمْعَانِيِّ، ثُمَّ طَعَنَ فِي مُسْتَوى القَصِيْدَةِ الفَنِّي وَالأَدَبِيِّ، وَاسْتَجَادَ مِنَ النَّاحِيَةِ الفَنِّيَّةِ مَا كَانَ منَ الأَبْيَاتِ لَا يَتَنَاوَلُ عَقِيْدَةَ الأشَاعِرَةِ، وَاسْتَقْبَحَ مَا تَنَاوَلَ عَقَائِدَهُمْ، قَالَ: "وَبَعْضُهَا - وَهُوَ المُشْتَمِلُ عَلَى القَبَائِحِ - فِي غَايَةِ الرَّدَاءَةِ لَا يَرْضَى بِهِ مَن يُحْسِنُ الشِّعْرِ؟! وَقَالَ: وَمَا أَبْرَدَ هَذَا الشِّعْرِ وأَسْمَجَهُ، وَقَالَ: "فَإِذَا جَمَعَهَا جَامِعٌ أَضَلَّ ضَلالًا مُبِيْنًا … وَقَوْله: فَقَبَّحَهُ اللهُ مَا أَجْرَأَهُ عَلَى اللهِ. ثُمَّ قَالَ: "فَإِنَّ الأشَاعِرَةَ إِنَّمَا هُمْ نَفْسُ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَوْ هُم أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ؟! " أَلَا تَرَى تَرَدُّدَ السُّبْكِيَّ في الأشَاعِرَةِ؟! وَتَعَرَّضَ في كَلَامِهِ لِشَيْخِ الإِسْلَامِ تَقَيِّ الدِّيْنِ بنِ تَيْمِيَّةَ وَنَقَلَ مِنْ رَدِّ ابنِ الزَّمَلْكَانِي عَلَيْهِ، كَعَادَتِهِ في النَّيْلِ من الشَّيْخِ بِأَدْنَى سَبَبٍ. ثُمَّ قَالَ في آخِرِ كَلَامِهِ: "فَهَذَا مَا أَرَدْتُ حِكَايَتَهُ مِنْهَا، وَلَوْ أَمْكَنَ إِعْدَامُهَا مِنَ الوُجُوْدِ كَانَ أَوْلَى، وَالأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا مُلَفَّقَةٌ مَوْضُوْعَةٌ، وَضَعَ فِيْهَا مِنَ الخُرَافَاتِ مَنْ لَا يَسْتَحْيِيْ. ثُمَّ أَقُوْلُ:
[ ١ / ١٤٨ ]
فِي كِتَابِهِ "الفُصُوْلِ فِي الأُصُوْلِ": أَنْشَدَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الفُضَلَاءِ لِلإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ أَنْشَدَ فِي مَعْرَضِ النَّصِيْحَةِ لأهْلِ السُّنَّةِ:
كُنْ إِذَا مَا حَادَ عَنْ حَدِّ الهُدَى … أَشْعَرِيُّ الرَّأْي شَيْطَانُ البَشَرْ
شَافِعِيُّ الشَّرْعِ سِنِّيُّ الحُلَى … حَنْبَلِيُّ العِقْدِ صُوْفِيَّ السِّيَرْ
وَمِنْ شِعْرِ شَيْخِ الإسْلَامِ مِمَّا أَنْشَدَهُ الرُّهَاوِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ:
سُبْحَانَ مَنْ أَجْمَلَ الحُسْنَى لِطَالِبَهَا … حَتَّى إِذَا ظَهَرَتْ فِي عَبْدِهِ مُدِحَا
لَيْسَ الكَرِيْمُ الَّذِي يُعْطِي لِتَمْدَحَه … إِنَّ الكَرِيْمَ الَّذِي يُثْنِي بِمَا مَنَحَا
وَأَنْشَدَ لَهُ:
نَهْوَاكَ نَحْنُ وَنَحْنُ مِنْكَ نَهَابُ … أَهَوًى وَخَوْفًا إِنَّ ذَاكَ عُجَابُ
شَخَصَ العُقُوْلُ إِلَيْكَ ثُمَّ اسْتَحْسَرَتْ … وَتَحَيَّرَتْ فِي كُنْهِكَ الأَلْبَابُ
قُلْتُ: وَلِشَيْخِ الإسْلَامِ شِعْرٌ كَثيْرٌ حَسَنٌ جِدًّا؛ وَلأَجْلِ هَذَا ذَكَرَهُ البَاخَرْزِيُّ الأَدِيْبُ فِي كِتَابِهِ "دُمْيَةِ القَصْرِ فِي شُعَرَاءِ العَصْرِ" وَلَهُ كَلَامٌ فِي التَّصَوُّفِ وَالسُّلُوْكِ
_________________
(١) = قَبَّحَ اللهُ قَائِلهَا كَائِنًا مَنْ كَان، إِنْ يَكُنْ هُوَ هَذَا الكَرَجِيَّ فَنَحْنُ نَبْرَأُ إِلَى اللهِ مِنْهُ، إِلَّا أَنِّي عَلَى قَطْعٍ بِأَنَّ ابنَ السَّمْعَانِيِّ لَا يَقْرَأُ هَذِهِ الأبْيَاتِ، ولَا يَسْتَحِلُّ رِوَايَتَهَا. أَقُوْلُ أَيْضًا: هَذَا قَوْلُ المُتَحَيِّرِ المُضْطَرِبِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَقُوْلُ، وَهُوَ أمَامَ شَيْخٍ شَافِعِيِّ المَذْهَبِ مِنْ بَنِي جَلْدَتِهِ، مُحَقِّقٌ، عَلَّامَةٌ، مُحَدِّثٌ، يَنْهَجُ مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِح، مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ، وَلَوْلا أَنَّ القَصِيْدَةَ في غَايَةِ القُوَّةِ وَالبَيَانِ، وَالتَّأْثِيْرِ فِي سَامِعِهَا، لَمَا انْبَرَى السُّبْكِيُّ للرَدِّ عَلَيْهَا؛ لِذَا لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلهِ الصَّادِرِ عن غَيْرِ رَوِيَّةٍ. وَكَلَامُ السُّبْكِيِّ كلُّه مُدْخُوْلٌ يُمْكِنُ الرَّدُّ عَلَيْهِ بالتَّفْصِيْلِ، وَكَيْفَ يَقْطَعُ بِأَنَّ السَّمْعَانِيَّ لَمْ يَقْرَأْهَا، هَلْ يَدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ؟! لا يُسْتَبْعَدُ ذلك عَلَى أَهْلِ الكَشْفِ وَالزَّيْفِ.
[ ١ / ١٤٩ ]
دَقِيْقٌ. وَقَدِ اعْتَنَى بِشَرْحِ كِتَابِهِ "مَنَازِلِ السَّائِرِيْنَ" جَمَاعَةٌ (^١)، وَهُوَ كَثِيْرُ الإشَارَةِ إِلَى مَقَامِ الفَنَاءِ فِي تَوْحِيْدِ الرُّبُوْبِيَّةِ، وَاضْمِحْلَالِ مَا سِوَى اللهِ (^٢) فِي الشُّهُوْدِ لَا فِي الوُجُوْدِ، فَيَتَوَهَّمُ فِيْهِ أَنَّهُ يُشِيْرُ إِلَى الاتِّحَادِ حَتَّى انْتَحَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الاتِّحَادِيَّةِ، وَعَظَّمُوْهُ لِذلِكَ، وَذَمَّهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدَحُوا فِيْهِ بِذلِكَ، وَقَدْ بَرَّأَهُ اللهُ مِنْ الاتِّحَادِ، وَقَدِ انْتَصَرَ لَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ القَيِّمِ فِي كِتَابِه الَّذِي شَرَحَ فِيْهِ "المَنَازِلَ" (^٣) وَبَيَّنَ أَنَّ حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى قَوَاعِدِ الاتِّحَادِ زُوْرٌ وَبَاطِلٌ. تُوفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ العَصْرِ ثَانِي عِشْرِيْنَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَدُفِنَ يَوْمَ السَّبْتِ بِـ "كَازِيَارِكَاه" (^٤) مَقْبَرَةٍ بِقُرْبِ "هَرَاةَ"، وَكَانَ يَوْمًا كَثِيْرَ المَطَرِ، شَدِيْدَ الوَحْلِ، وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ يَقُوْلُ فِي حَيَاتِهِ: إِنِ اسْتَأْثَرَ اللهُ بِي فِي الصَّيْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَطْعٍ مَخَافَةَ المَطَرِ،
_________________
(١) ذَكَرَ حَاجِي خَلِيْفَة في كَشْفِ الظُّنُوْنِ (٢/ ١٨٢٨) مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ بنُ عَلِيٍّ التِّلْمِسَانِيُّ (ت: ٦٩٠ هـ)، وَعَبْدُ الغَنِيِّ التِّلْمِسَانِيُّ (ت؟)، وَأَحْمَدُ بنُ إِبْرَاهِيْم الوَاسِطِيُّ (ت: ٧١١ هـ)، وكَمَالُ الدِّيْن عَبْدُ الرَّزَّاق الكَاشِيُّ (ت: ٧٣٠ هـ)، وَمَحْمُوْد بنُ مُحَمَّد الدَّركزينيُّ (ت: ٧٤٣ هـ)، وَأَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ القَيْسِيُّ (ت: ٧٤٧ هـ)، وَالعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّين مُحَمَّدُ بنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّة (ت: ٧٥١ هـ)، وَغِيَاثُ الدِّيْن مُحَمَّد بنُ رَشِيْدِ الدِّيْنِ (ت بعد ٧٩٩ هـ)، ومُصْلِحُ الدِّيْن بنُ نُوْرِ الدِّيْنِ (ت: ٩٨١ هـ)، وَشَمْسُ الدِّيْنِ مُحَمَّدٌ التَّبادَكَانِيُّ الطُوْسِيُّ (ت: ٨٩١ هـ) بِاللُّغَة الفَارِسِيَّة. وَاخْتَصَرَتْهُ عَائِشَةُ بنتُ يُوسفَ الدِّمَشْقِيَّةُ.
(٢) في (ط) بطبعتيه و(هـ): "تَعَالَى".
(٣) هُوَ الكِتَابُ المَشْهُوْر المَطْبُوع المَعْرُوْفُ بِـ "مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ".
(٤) مُعْجَمُ البُلْدَانِ (٤/ ٤٨٦) قَالَ: "جَبَلٌ وَقَرْيَةُ بِهَرَاةَ، فِيْهَا مَقْبَرَةٌ لَهُم".
[ ١ / ١٥٠ ]
فَصَدَّقَ اللهُ ظَنَّهُ فِي ذلِكَ.
حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الحُفَّاظِ وَغيْرِهِمْ كَالمُؤْتَمَنِ السَّاجِيِّ، وَمُحَمَّدِ بنِ طَاهِرٍ، وَأَبِي نَصْرٍ الغَازِيِّ، وَأَبِي الوَقْتِ السِّجْزِيِّ، وَأَبِي الفَتْحِ الكَرُّوْخِيِّ.
قَرَأْتُ عَلَى أَبي حَفْصٍ عُمَرَ بنِ عَلِيٍّ القَزْوِيْنِيِّ (^١) بِـ "بَغْدَادَ": أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي القَاسِمِ المُقْرِئُ (ح) وأَخْبَرَنَا الرَّبِيْع (^٢) عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بنِ أَحْمَدَ البَغْدَادِيُّ بِهَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ - وَأَنَا فِي الخَامِسَةِ - (أنَا) وَالِدِي أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَا: (أَنَا) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَبِي بَكْرٍ بنِ
_________________
(١) عُمَرُ بنُ عَلِيٍّ القَزْوِيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ، سِرَاجُ الدِّيْنِ أَبُو حَفْصٍ (ت: ٧٥٠ هـ) مِنْ شُيُوْخِ المُؤَلِّفِ وَشُيُوْخِ وَالِدِهِ شِهَابِ الدِّيْن بنِ رَجَبٍ ذَكَره في مُعْجَمِهِ "المُنْتَقَى" رقم (١١٧)، وَهُوَ إِمَامُ جَامِعِ الخَلِيْفَةِ بِـ "بَغْدَادَ". لَهُ أَخْبَارٌ في الدُّرَرِ الكَامِنَة (٣/ ٢٥٦)، وَتَارِيْخِ ابنِ قَاضِي شُهْبَةَ (٢/ ١/ ٦٩٧)، قَالَ ابنُ قَاضِي شُهْبَةَ: "سَمِعَ مِنْهُ المُقْرِئُ شِهَابُ الدِّيْنِ بنُ رَجَبٍ، وَذَكَرَهُ في "مُعْجَمِهِ" وَوَلَدُهُ الحَافِظُ زَيْنُ الدِّيْن، وَقَرَأَ عَلَيْهِ "مَشْيَخَتَهُ". أَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: وَقَفْتُ علَى "مَشْيَخَتِهِ" المَذْكُوْرِ، وَعِنْدِي لَهُ أَيْضًا ثَبَتٌ بِأَسْمَاءِ الكُتُبِ الَّتِي يَرْوِيْهَا عَنْ شُيُوْخِهِ في مُجَلَّدٍ ضَخْمٍ، وَللهِ الحَمْدُ والمِنَّةِ.
(٢) كَذَا فِي الأُصُوْلِ، وَ(ط) بِطَبْعَتَيْه، وَعَلَّقَ النَّاسِخَ أَوِ ابنُ حُمَيْدٍ لَفْظَهُ "أَبُو" لتُصْبِحَ اللَّفْظَةُ هكَذَا: "أَبُو الرَّبِيعِ" وَهُوَ الصَّحِيْحُ، وَمَا سِوَاهُ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا أَبْقَيْتُهُ في الأَصْلِ لاِتِّفَاقِ النَّسْخِ عَلَيْهِ فَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ سَهْوٌ من المُؤلِّفِ نَفْسِهِ، فَهُوَ شَيْخُهُ، وَمِنْ أَدْرَى النَّاسِ بِهِ. وَأَبُو الرَّبيعِ المَذْكُوْرِ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الصَّمَدِ وَيُسَمَّى "عَبدَ المُنْعِمِ" أَيْضًا (ت: ٧٤٢ هـ) مِنْ شُيُوْخِ والدِهِ أَيْضًا. يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ ابنِ رَجَبٍ "المُنْتَقَى": الشَّيخُ السَّابِعُ والعِشْرُون، وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَا فَكَانَ مُسْتَدْرَكًا عَلَيْهِ، نَسْتَدْرِكُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهِ. وَذَكَرَ المُؤَلِّفُ وَالِدَهُ عَبدَ الصَّمَدِ بنَ أَحْمَدَ بنِ أَبي الجَيْشِ (ت: ٦٧٦ هـ) وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الحَنَابِلَة بِـ "بَغْدَادَ" في زَمَنِهِ.
[ ١ / ١٥١ ]
رُوْزَبَةَ (أَنَا) أَبُو الوَقْتِ عَبْدُ الأَوَّلِ بنُ عِيْسَى السِّجْزِيُّ (أَنَا) شَيْخُ الإِسْلَامِ أَبُو إِسْمَاعِيْلَ الهَرَوِيُّ (أَنَا) أَبُو الحُسَيْنِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ العَالِي البُوْشَنْجِيُّ (أَنَا) أَبُو أَحْمَدَ الغِطْرِيْفِيُّ، وَمَنْصُوْرُ بنُ العَبَّاسِ الفَقِيْهُ، قَالَا: (أَثَنَا) الحَسَنُ بنُ سُفْيَانَ، (ثَنَا) أَبُو صَالِحٍ الحَكَمُ بنُ مُوْسَى، (ثَنَا) عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبي عُثْمَانَ - وَلَيْسَ بِالنَّهْدِيِّ - عَنْ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: (^١) "اقْرَأُوْهَا عَلَى مَوْتَاكُمْ" يَعْنِي: (يس).
وَبِالإِسْنَادِ الأَوَّلِ إِلَى شَيْخِ الإسْلَامِ، أَنْشَدَنَا يَحْيَى بنُ عَمَّارٍ، أَنْشَدَنِي أَبُو المُنْذِرِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ جَعْفَرٍ الأَدِيْبِ، أَنْشَدَنِي الصُّوْلِيُّ لأبِي العَبَّاسِ ثَعْلَبٍ (^٢):
_________________
(١) أَخْرَجَهُ الإمَام أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ (٥/ ٢٦٦، ٢٧).
(٢) إمَامُ الكُوْفيِّينَ في النَّحْوِ في زَمَنِهِ أَحْمَدُ بنُ يَحْيَى، أَبُو العَبَّاسِ ثَعْلَبٌ (ت: ٢٩٢ هـ). وَيُسْتَدرَك عَلَى المُؤلِّف - ﵀ - فِي وَفَيَاتِ سَنَةِ (٤٨١ هـ):
(٣) أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الخَضِرِ، أَبُو طَاهِرِ الجَوَالِيْقِيُّ، وَالِدُ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُوْرٍ الآتي. يُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٩/ ٤٤)، وَالأَنْسَابُ (٣/ ٣٣٦)، وَتَارِيْخُ الإِسْلامِ (٥٠). وَلَمْ يَذْكُرِ المُؤلِّفُ - ﵀ - فِي وَفَيَاتِ سَنَةِ (٤٨٢ هـ) أحَدًا، وَفِيْهَا:
(٤) الوَلِيْدُ بنُ عَبْدِ المَلكِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ مَنْدَه، جَدُّهُ عَبْدُ الوَهَّابِ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي اسْتِدْرَاكِنَا عَلَى المُؤَلِّفِ. وَأَمَّا وَالِدُهُ فَلَمْ يُذْكَرْ، فَلَعَلَّه لَمْ يَكُنْ منْ أَهْلِ العِلْمِ. وَلَمْ يَذْكُرْ المُؤَلِّفُ - ﵀ - فِي وفيَّات سَنَةِ (٤٨٤ هـ) أَحَدًا، وَفِيْهَا:
(٥) عَلِيُّ أَو المُبَارَكُ بنُ أحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ البَطرِ، أَبُو الحَسَنِ الدَّقَّاقُ. قالَ ابنُ النَّجَّارِ فِي ذَيْلِ تَارِيْخِ بَغْدَادَ (٣/ ٧٣): "المَعْرُوْفُ بِـ "الحَنْبَلِيِّ"، وَيُكْنَى أَبَا طَاهِرٍ أَيْضًا، وَيُسَمَّى =
[ ١ / ١٥٢ ]
رُبَّ رِيْحٍ لأُنَاسٍ عَصَفَتْ … ثُمَّ مَا إِنْ لَبِثَتْ أَنْ رَكَدَتْ
وَكَذَاكَ الدَّهْرُ فِي أَفْعَالِهِ … قَدَمٌ زَلَّتْ وَأُخْرَى ثَبَتَتْ
بَالِغٌ مَا كَانَ يَرْجُو دُوْنَهُ … وَيَدٌ عَمَّا اسْتَقَلَّتْ قَصُرَتْ
وَكَذَا الأَيَّامُ مِنْ عَادَاتِهَا … أَنَّهَا مُفْسِدَةٌ مَا أَصْلَحَتْ
ثُمَّ تَأْتِيْكَ مَقَادِيْرُ لَهَا … فَتَرَى مُصْلِحَةً مَا أَفْسَدَتْ