_________________
(١) = المُبَارَكَ، .. قَالَ: وَهُوَ أَخُو أَبِي الفَضْلِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي الخَطَّابِ نَصْرٍ .. ". أَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ أَعْتَمِدُ -: أَخُوْهُ نَصْرُ بنُ أَحْمَدَ (ت: ٤٩٤ هـ) وهو من كبارِ العُلَمَاءِ، نَذْكُرُهُ في مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ الله بِنَاءً عَلَى هَذِهِ الإشَارة، وَأَمَّا أَخُوْهُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ، فَلَمْ أَعْرِفْه بَعْدُ؟ وَمَتَى عَثَرْتُ عَلَيْهِ أَلْحَقْتُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، يَسَّرَ اللهُ ذلك قَبْلَ طَبْعِ الكِتَابِ، آمِيْنَ.
(٢) ٢٨ - أبوُ الفَرَج الشِّيْرَازِيُّ (؟ - ٤٨٦ هـ): وَالِدُ وَجَدُّ أُسْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ كَبِيْرَةٍ شَهِيْرَةٍ بِـ "دِمَشْقَ"، تُعْرَفُ بِـ "آلِ ابنِ الحَنْبَلِيِّ" ذَكَرَ المُؤَلِّفُ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - عَدَدًا مِنْهُمْ، وَاسْتَدْرَكْتُ أَعْدَادًا أُخْرَى لَمْ يَذْكُرُهُمُ المُؤَلِّفُ. أَخْبَارُهُ في: طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (٣/ ٤٦١)، وَمُخْتَصَرِهِ (٤٠١)، وَمَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (١٣٢)، وَمُخْتَصَرِ الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ لابنِ نَصْرِ اللهِ (ورقة: ٧)، وَالمَقْصَدِ الأَرْشَدِ (٢/ ١٧٩)، وَالمَنْهَجِ الأَحْمَدِ (٣/ ٧)، وَمُخْتَصَرِهِ "الدُّرِّ المُنَضَّدِ" (١/ ٢١٦). وَيُرَاجَعُ: ذَيْلُ تَارِيْخِ دِمَشْقَ لابنِ القَلَانِسيِّ (٢٠٦)، وَالكَامِلُ فِي التَّارِيْخِ (١٠/ ٢٢٨)، وَالعِبَرُ (٣/ ٣١٢)، وَسِيَرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ٥١)، وَدُولُ الإِسْلامِ (٢/ ١٥)، وَتَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ (٣/ ١١٩٩)، وَتَارِيْخُ الإِسْلامِ (١٧٩)، وَالإِعْلامُ بِوَفَيَاتِ الأَعْلامِ (٢٠٠)، وَالمُعِيْنُ فِي طَبَقَاتِ المُحَدِّثِيْنَ (١٤١)، وَمِرْآةُ الجِنَانِ (٣/ ١٤٢)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ =
[ ١ / ١٥٣ ]
الدِّمَشْقِيُّ، الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، أَبُو الفَرَجِ الأَنْصَارِيُّ، السَّعْدِيُّ، العُبَادِيُّ، الخَزْرَجِيُّ. شَيْخُ الشَّامِ فِي وَقْتِهِ، قَرَأْتُ بِخَطِّ بَعْضِ طَلَبَةِ الحَدِيْثِ فِي زَمَانِنَا قَالَ: أَخْرَجَ إِلَيَّ شَيْخُنَا يُوْسُفُ بنُ يَحْيَى (^١) بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ نَسَبَ جَدِّهِ وَهُوَ: أَبُو الفَرَجِ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ يَعِيْشَ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ سَعِيْدِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، كَذَا رَأَيْتُهُ، وَيُوْسُفُ هَذَا أَدْرَكْتُهُ. وَسَمِعْتُ مِنْهُ جُزْءًا، عَنْ أَبِيْهِ، عَنِ الخُشُوْعِيِّ. وَلَكِنْ قَرَأْتُ بِخَطِّ جَدِّهِ نَاصِحِ الدِّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمٍ (^٢)
_________________
(١) = (مخطوط) (١٧/ ٨٢)، وَالدَّارِسُ فِي تَارِيْخِ المَدَارِسِ (٢/ ٦٥)، وَالأُنْسُ الجَلِيْلُ (١/ ٢٩٧)، وَطَبَقَاتُ المُفَسِّرِيْن لِلدَّاوُدِيِّ (١/ ٣٦٠)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٣/ ٣٧٨) (٥/ ٣٦٩)، وَالتَّاجُ المُكَلَّلُ (١٨٨). وَهُوَ مُتَرْجَمٌ فِي "تَارِيْخِ دِمَشْقَ" لِلحَافِظِ ابنِ عَسَاكرٍ نُسْخَة "التَّيْمُوْريَّةَ" وَلَم يَرِدْ في المَطْبُوع؟!. وَلَمْ يَذكُرْهُ ابنُ الجَوْزِيِّ في "المُنْتَظَمِ"؟! وَبَيْتُهُ في العِلْمِ كَبَيْرٌ جِدًّا فِي أَوْلَادِهِ وَأَحْفَادِهِ، وَلَا يُمْكِنْ ذِكْرُهُم هُنَا لهَذَا السَّبَبِ.
(٢) هُوَ أَيْضًا شَيْخُهُ وَشَيْخُ أَبِيْهِ أيضًا، يُرَاجَعُ: مُعْجَم ابنِ رَجَبٍ "المُنتقى" رقم (١٣٩). وهو يُوْسُفُ بنُ يَحْيَى بنُ عَبْدِ الرَّحْمَن بن نَجْمِ بنِ عَبْدِ الوَهَّاب بنِ الشَّيْخِ المُتَرْجِمِ عَبْدِ الوَاحِد تُوُفِّيَ يُوْسُفُ سَنَةَ (٧٥١ هـ). فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي تَرَاجِمِ هَذَا الكِتَابِ، تَرْجَمَ لَهُ ابنُ حُمَيْدِ النَّجْدِيُّ في "السُّحَب الوَابلة" (٣/ ١١٩١)، وَتَرَاجِمُ آبَائِهِ هَؤُلَاءِ كُلُّهَا مَعْرُوْفَةٌ سَتَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللهُ - فِي مَوَاضِعِهَا. وَلَمْ أَعْرِفِ المَقْصُوْدَ بِبَعْضِ طَلَبَةِ الحَدِيْثِ.
(٣) نَاصِحُ الدِّين عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ نَجْمٍ (ت: ٦٣٤ هـ) هُوَ حَفِيْدُ المُتَرْجَمِ، وَجَدُّ سَابِقِهِ يُوْسُفَ، ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ لَهُ كِتَابًا في الرِّجَال اسمُهُ: "الاسْتِسْعَادُ بمَنْ لَقِيْتُ مِنْ صَالِحِي العِبَادِ في البِلَادِ" نَتَحَدَّثُ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَهَلْ هَذَا النَّصُّ مِنْهُ؟
[ ١ / ١٥٤ ]
قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الشَّرِيْفِ النَّسَّابَةِ ابنِ الجَوَّانِيِّ (^١) كِتَابًا إِلَى "مِصْرَ" أَسْأَلَهُ: هَلْ نَحْنُ مِنْ وَلَدِ قَيْسِ بنِ سَعْدٍ أَوْ مِنْ أَخِيْهِ؟ فَجَاءَنِي خَطُّهُ فِي جُزْءٍ يَقُوْلُ: قَيْسُ بنُ سَعْدٍ انْقَرَضَ عَقِبُهُ. وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّسَّابِيْنَ مِثْلُ ابنُ شَجَرَةَ (^٢) وَابنِ طَبَاطَبَا (^٣) وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ: إِنَّمَا أَنْتُمْ مِنْ وَلَدِ أَخِيْهِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وَرَفَعَ نَسَبَ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ إِلَى آدَمَ ﵇.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّاصِحَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ نَسَبَهُمْ إِلَى سَعْدٍ، وَلَا ذَكَرَ أَنَّ النَّسَّابَةَ كَتَبَ لَهُ ذلِكَ، وَإِنَّما كَتَبَ لَهُ نَسَبَ سَعْدٍ إِلَى آدَمَ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ لَهُ: أَنْتُمْ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ سعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وَفِي هَذَا النَّسَبِ المَذْكُوْرِ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ سَعِيْدِ بنِ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ. وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا قَالَ ابنُ الجَوَّانِيِّ.
_________________
(١) مُحَمَّدُ بنُ أَسْعَدَ بنِ عَلِيٍّ، أَبُو عَلِيٍّ، شَرَفُ الدِّيْنِ الجَوَّانِيُّ المَالِكِيُّ (ت: ٥٨٨ هـ). وَ"الجَوَّانِيُّ" مَنْسُوْبٌ إلى "الجَوَّانِيَّة" بالفَتْحِ وَتَشْدِيْدِ ثَانِيْهِ، وَكَسْرِ النُّوْنِ، وَيَاءٌ مُشَدَّدَةٌ، مَوْضِعٌ أَوْ قَرْيَةٌ قُرْبَ المَدِيْنَةِ. يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ البُلدانِ (٢/ ٣٠٣)، قَالَ: "يُنْسَبُ إِلَيْهَا بَنِي الجَوَّانِيِّ العَلَوِيِّيْنَ، مِنْهُمْ أَسْعَدُ بنُ عَلِيٍّ، وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بنُ أَسْعَدَ النَّسَّابَةُ، ذَكَرْتُهُمَا فِي أَخْبَارِ الأُدَبَاءِ". وَالجَوَّانِيُّ المَذْكُوْرُ هُنَا مَوْلِدُهُ وَنَشْأَتُهُ وَوَفَاتُهُ بِـ "مِصْرَ"، وَأَصْلُهُ مِنْ "المَوْصِلِ"، وَأَلَّفَ فِي الأَنْسَابِ كُتُبًا جَلِيْلَةً أَشْهَرُهَا "أُصُوْلُ الأحْسَابِ. . ." مَطْبُوْعٌ، وَ"تَاج الأَنْسَابِ" وَ"طَبَقَات الطَّالِبِيِّيْنَ" وَ"شَجَرَةُ الرَّسُوْلِ .. " وَغَيْرِهَا. أَخْبَارُهُ في: خَرِيْدَةِ القَصْرِ "قِسْمِ شُعَرَاءِ مِصْرَ" (١/ ١١٧)، وَلِسَانِ المِيْزَانِ (٥/ ٧٤).
(٢) لَمْ أَقِفْ عَلَى أَخْبَارِهِ.
(٣) هو يَحْيَى بنُ مُحَمَّدِ بنِ القَاسِمِ، أَبُو المُعَمَّرِ العَلَوِيُّ الحَسَنِيُّ النَّسَّابَةُ (ت: ٤٧٨ هـ). قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: "انْتَهَتْ إِلَيْهِ مَعْرِفَةُ الطَّالِبِيِّيْنَ فِي وَقْتِهِ". أَقُوْلُ: كَانَ نَحْوِيًّا بَارِعًا شَرَحَ "اللَّمَعَ" لابنِ جِنِّي. أَخْبَارُهُ في: المُنْتَظَمِ (٩/ ٢٥)، وَلِسَانِ المِيْزَانِ (٦/ ٢٧٦).
[ ١ / ١٥٥ ]
لكِنْ ذَكَرَ النَّاصِحُ أَنَّ أَبَاهُ وَجَمَاعَةً مِنَ العُلَمَاءِ اجْتَمَعُوا لَيْلَةً عِنْدَ السُّلْطَانِ صَلَاحِ الدِّيْنِ فِي خَيْمَةٍ، مَعَ الشَّرِيْفِ الجَوَّانِيِّ هَذَا، فَقَالَ السُّلْطَانُ: هَذَا الفَقِيْهُ - يُشِيْرُ إِلَى النَّاصِحِ - لَيْسَ فِي آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ صَاحِبُ صَنْعَةٍ إلَّا أَمِيْرٌ أَوْ عَالِمٌ إِلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ نَسَبَهُمْ إِلَى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَأَيْتُ الشَّرِيْفَ عِزَّ الدِّيْنِ أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدٍ الحُسَيْنِيَّ (^١) الحَافِظَ صَاحِبَ "صِلَةِ التَّكْمِلَةِ فِي وَفَيَاتِ النَّقَلَةِ" ذَكَرَ نَسَبَ الشَّيْخِ أَبي الفَرَجِ إِلَى سَعْدٍ، مِثْلَ مَا أَخْرَجَهُ شَيْخُنَا يُوْسُفُ سَوَاءً، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، بِلَا وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَقَّبَ أَبَاهُ مُحَمَّدًا بِـ "الصَّافِي".
تَفَقَّهَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ بِـ" بَغْدَادَ" عَلَى القَاضِي أَبِي يَعْلَى مُدَّةً، وَقَدِمَ "الشَّامَ" (^٢)
_________________
(١) هُوَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عِزُّ الدِّيْن الحُسَيْنِيُّ، الحَافِظُ، المُؤَرِّخُ، نَقِيْبُ الأَشْرَافِ (ت: ٦٩٥ هـ). أَخْبَارُهُ في: الوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٥/ ٤٤)، وَالمَنْهَلِ الصَّافِي (٢/ ١١٩)، وَحُسْنِ المُحَاضَرَةِ (١/ ٣٥٧)، وَالشَّذَرَاتِ (٥/ ٤٣٠). وَكِتَابُهُ صِلَةُ التَّكْمِلَةِ كَمَّل فيه كِتَابَ شيْخِهِ المُنْذِرِيِّ "التَّكْمِلَةِ لِوَفَيَاتِ النَّقَلَةِ" وَلَا يَزَالُ كِتَابُ الحُسَيْنِيِّ مَخْطُوْطًا، نُسْخَتُهُ الوَحِيْدَةُ - فِيْمَا أَعْلَمُ - الَّتِي بِخَطِّهِ فِي مَكْتَبَةِ كُوبرلي بـ "تركيا" رقم (١١٠١) والنَّصُّ في الكِتَابِ المَذْكُورِ (ورقة: ١٦٥). في تَرْجَمَةِ مُظَفَّرِ بِنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ بنِ نَجْمٍ (ت: ٦٦٧ هـ)، ابنُ أَخِي النَّاصِحِ المَذْكُورِ. [تَرْجَمَ لَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ].
(٢) قَوْلُ المُؤَلِّفِ هُنَا: "تَفَقَّهَ .. بِـ "بَغْدَادَ" .. وَقَدِمَ "الشَّامَ" فَسَكَنَ "بَيْتَ المَقْدِسِ". . ." يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ أَصْلَهُ من "العِرَاقِ" فَقَدِمَ "الشَّام"، وَمِثْلُهُ يُفْهَمُ من كَلَامِ القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ بن أَبِي يَعْلَى؟! وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذلِكَ، بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ "الشَّامِ"، وَمَوْلده بِـ "حَرَّان"، وَقَدِمَ إِلَى "بَغْدَادَ" للتَّزَوُّدِ بالعِلْمِ، فتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبي يَعْلَى .. ثُمَّ عَادَ إِلَى "الشَّامِ"، قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: "وَكَانَ أَبُوْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ صُوْفِيًّا، مِنْ أَهْلِ "شِيْرَازَ"، قَدِمَ "الشَّامَ"، وَكَانَ =
[ ١ / ١٥٦ ]
فَسَكَنَ بِـ "بَيْتِ المَقْدِسِ"، فَنَشَرَ مَذْهَبَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِيْمَا حَوْلَهُ، ثُمَّ أَقَامَ بِـ "دِمَشْقِ" فَنَشَرَ المَذْهَبَ وَتَخَرَّجَ بِهِ الأَصْحَابُ، وَسَمِعَ بِهَا مِنْ أَبِي الحَسَنِ السِّمْسَارِ، وَأَبِي عُثْمَانَ الصَّابُوْنِيِّ وَوَعَظَ، وَاشْتُهِرَ أَمْرُهُ، وَحَصَلَ لَهُ القَبُوْلُ التَّامُّ، وَكَانَ إِمَامًا، عَارِفًا بِالفِقْهِ وَالأُصُوْلِ، شَدِيْدًا فِي السُّنَّةِ، زَاهِدًا، عَارِفًا، عَابِدًا، مُتَأَلِّهًا، ذَا أَحْوَالٍ وَكَرَامَاتٍ، وَكَانَ تُتُشُ (^١) صَاحِبُ "دِمَشْقَ" يُعَظِّمُهُ.
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ فِي "الطَّبَقَاتِ": صَحِبَ الوَالِدُ مِنْ سَنَةِ نَيِّفٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ وَتَرَدَّدَ إِلَى مَجْلِسِهِ سِنِيْنَ عِدَّةً، وَعَلَّقَ عَنْهُ أَشْيَاءً فِي الأُصُوْلِ
_________________
(١) = يُعْرَفُ بِـ "الصَّافِي". . .".
(٢) هُوَ المَلِكُ تَاجُ الدَّوْلَةِ ابنِ السُّلْطَان أَلْب أَرْسَلَان السَّلْجُوْقِيُّ (ت: ٤٨٨ هـ). أَخْبَارُهُ في: المُنْتَظَمِ (٩/ ٧٨)، وَتَارِيْخِ دَوْلَةِ آلِ سَلْجُوق (٧٥)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ٨٣)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٣٨٤). قَال الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في "تَارِيْخِ الإِسْلامِ" (٢٣٩) في تَرْجَمَةِ "تُتُشَ": وكَانَ تُتُشُ مُعَظِّمًا للشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ الحَنْبَلِيِّ، وَقَد جَرَتْ في مَجْلِسِهِ بِـ "دِمَشْقَ" مُنَاظَرَةٌ عَقَدَهَا لأبِي الفَرَجِ وَخُصُوْمِهِ في قَوْلِهِم: إِنَّ القُرْآنَ يُسْمَعُ، وَيُقْرَأُ، وَيُكْتَبُ، وَلَيْسَ بِصَوْتٍ، وَلَا حَرْفٍ، فَقَالَ المَلِكُ: هَذَا مِثلُ قَوْلِ: هَذَا قَبَاءٌ - وَأَشَارَ إلى قَبَائِهِ عَلَى الحَقِيْقَةِ - وَلَيْسَ بحَرِيْرٍ، وَلَا قُطْنٍ، وَلَا كَتَّانَ [قَالَ الحَافِظُ:] هَذَا الكَلَامُ صَدَرَ مِنْ تُرْكِيٍّ أَعْجَمِيٍّ، فَأَيَّدَ اللهُ شَرَفَ الإسْلَامِ أَبَا الفَرَجِ، فَجَاهَدَ في اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ .. ". وَقَالَ ابنُ عَسَاكِرٍ - فِيْمَا نَقَلَ عَنْه الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ -: "وَصَنَّفَ جُزْءًا في قِدَمِ الحُرُوْفِ رَأَيْتُهُ، يَدُلُّ عَلَى تَقْصِيْرٍ كَثِيْرٍ" هكَذَا قَالَ، وَلَعَلَّ لاخْتِلَافِ المَنْزَعِ العَقَدِيِّ دَخْلًا في هَذَا الحُكْمِ * لَشَتَّانَ مَا بَيْنِي وَبَيْن بَنِي أَبِي *
[ ١ / ١٥٧ ]
وَالفُرُوْعِ، وَنَسَخَ وَاسْتَنْسَخَ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، وَسَافَرَ إِلَى "الرَّحْبَةِ" (^١) وَ"الشَّامِ" وَحَصَلَ لَهُ الأَصْحَابُ، وَالأَتْبَاعُ وَالتَّلَامِذَةُ، وَالغِلْمَانُ، وَكَانَتْ لَهُ كَرَامَاتٌ ظَاهِرَةٌ، وَوَقَعَاتٌ مَعَ الأَشَاعِرَةِ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِالحُجَّةِ فِي مَجَالِسِ السَّلَاطِيْنِ بِبِلَادِ "الشَّامِ"، وَيُقَالُ: إِنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ الخَضِرِ ﵇ دَفْعَتَيْنِ. وَكَانَ يَتَكَلَّمُ فِي عِدَّةِ أَوْقَاتٍ عَلَى الخَاطِرِ كَمَا كَانَ يَتكَلَّمُ ابنُ القَزْوِيْنِيِّ الزَّاهِدُ (^٢). فَبَلَغَنِي أَنَّ تُتُشَ (^٣) لَمَّا عَزَمَ عَلَى المَجِيْءِ إِلَى "بَغْدَادَ" فِي الدَّفْعَةِ الأُوْلَى لَمَّا وَصَلَهَا السُّلْطَانُ [سَأَلَهُ الدُّعَاءَ] (^٤) فَدَعَا لَهُ بِالسَّلَامَةِ، فَعَادَ سَالِمًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الدَّفْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَدْعَى السُّلْطانُ وَهُوَ بـ "بَغْدَادَ" لأخِيْهِ تُتُشَ فَرُعِبَ
_________________
(١) الرَّحْبَةُ بَلْدَةٌ بَيْنَ "الرَّقَّةِ" وَ"بَغْدَادَ" عَلَى شَاطِئِ الفُرَاتِ، وَالرَّحَبَاتُ في بِلَادِ العَرَب كَثيْرَةٌ، وَاشتُهِرَت هَذِهِ بِـ "رَحْبَةِ مَالِكِ بنِ طَوْقٍ" وَهِيَ أَشْهَرُهَا وَهِيَ المَقْصُوْدةُ هُنَا. يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ البُلْدَانِ (٣/ ٣٨)، والرَّوْضُ المِعطَارُ (٢٦٨)، وَالأَنْسَابُ (٦/ ٨٨).
(٢) هُوَ عَلِيُّ بنُ عُمر أَبُو الحَسَنِ الحَرْبِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت: ٤٤٢ هـ). قَالَ الحَافِظُ الخَطِيْبُ: "كَتَبْنَا عَنْهُ، وَكَانَ أَحَدَ الزُّهَّادِ المَذْكُورِيْنَ، وَمِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ". أَخْبَارُهُ فِي: تَارِيْخِ بَغْدَادَ (١٢/ ٤٣)، وَالمُنْتَظَمِ (٨/ ١٤٦)، وَالتَّدْوِيْنِ في أَخْبَارِ قَزْوِيْن (٣/ ٣٧٨)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٧/ ٦٠٩)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٢٦٨).
(٣) كَذَا فِي جَمِيْعِ الأُصُوْلِ "تُتُشًا" مُنَوَّنٌ، وَهُوَ اسْمُ أَعْجَمِيٌّ، فَكَانَ حَقُّهُ المَنْعُ مِنَ الصَّرْفِ عَلَى القَاعِدَةِ.
(٤) في (ط) تحقيق الدُّكتور هَنري لاوُوسْت، وَالدُّكتور سَامي الدَّهَّان: "سَأَلَهُ الدُّعَاءَ .. " زَادَهَا عن "مُخْتَصَرِ الطَّبَقَاتِ" للنَّابُلُسِيِّ، وَهِيَ كَذلِكَ في "الطَّبَقَاتِ" وَلَمْ تَرِدْ في أُصُوْلِ "الذَّيْلِ" كُلِّهَا فَلَعَلَّهَا سَقَطَتْ مِنَ سَهْوِ المُؤلِّفِ - ﵀ - وَزَادَهَا في (ط) الفقي دُوْنَ إِشَارَةٍ.
[ ١ / ١٥٨ ]
وَسَأَلَ أَبَا الفَرَجِ الدُّعَاءَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَرَاهُ وَلَا تَجْتَمِعُ بِهِ، فَقَالَ لَهُ تُتُشُ: وَهُوَ مُقِيْمٌ بِـ "بَغْدَادَ"، وَقَدْ بَرَزْتُ إِلَى عِنْدِهِ، وَلَا بُدَّ مِنَ المَصِيْرِ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: لَا تَرَاهُ، فَعَجِبَ مِنْ ذلِكَ، وَبَلَغَ "هِيْتَ" (^١) فَجَاءَهُ الخَبَرُ بِوَفَاةِ السُّلْطَانِ بِـ "بَغْدَادَ" فَعَادَ إِلَى "دِمَشْقَ" وَزَادَتْ حِشْمَةُ أَبِي الفَرَجِ عِنْدَهُ وَمَنْزِلَتُهُ لَدَيْهِ.
وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ السَّلَاطِيْنِ مِنَ المُخَالِفِيْنَ كَانَ أَبُو الفَرَجِ يَدْعُو عَلَيْهِ وَيُقُوْلُ: كَمْ أَرْمِيْهِ وَلَا تَقَعُ الرَّمْيَةُ بِهِ؟ فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي هَلَكَ ذلِكَ المُخَالِفُ فِيْهَا، قَالَ أَبُو الفَرَجِ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: قَدْ أَصَبْتُ فُلَانًا وَقَدْ هَلَكَ، فَؤُرِّخَتِ اللَّيْلَةُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ بِضْعَ (^٢) عَشَرَ يَوْمًا وَرَدَ الخَبَرُ بِوَفَاةِ ذلِكَ الرَّجُلُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي أَخْبَرَ أَبُو الفَرَجِ بِهَلَاكِهِ فِيْهَا. قَالَ: وَكَانَ أَبُو الفَرَجِ نَاصِرًا لاعْتِقَادِنَا، مُتَجَرِّدًا لِنَشْرِهِ (^٣)، مُبْطِلًا لِتَأْوِيْلِ أَخْبَارِ الصِّفَاتِ، وَلَهُ تَصْنِيْفٌ فِي الفِقْهِ وَالوَعْظِ وَالأُصُوْلِ.
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ النَّاصِحِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّرِيْفُ الجَوَّانِيُّ النَّسَّابَةُ، عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: تَكَلَّمَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ - أَيْ: الشِّيْرَازِيُّ الخَزْرَجِيُّ - فِي مَجْلِسِ وَعْظِهِ، فَصَاحَ رَجُلٌ مُتَوَاجِدًا
_________________
(١) بَلْدَةٌ بـ "العِرَاقِ" عَلَى الفُرَاتِ مِنْ نَوَاحِي "بَغْدَادَ"، فَوْقَ "الأَنْبَارِ". قَالَ يَاقُوْتٌ في مُعْجَمِ البُلْدَانِ (٥/ ٤٨٢): "بِالكَسْرِ، وَآخرُهُ تاءٌ مُثَنَّاةٌ" وَيُرَاجَعُ: مُعْجَمُ مَا اسْتُعْجَمَ (١٣٥٧)، وَالرَّوْضُ المِعْطَارُ (٥٩٧)، وَالأنْسَابُ (١٢/ ٣٦٠).
(٢) في (ط) بطبعتيه: "بضعة".
(٣) في (ط) بطبعتيه، و(هـ): "في نشره".
[ ١ / ١٥٩ ]
فَمَاتَ فِي المَجْلِسِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا، فَقَالَ المُخَالِفُوْنَ فِي المَذْهَبِ: كَيْفَ نَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَمُتْ فِي مَجْلِسِنَا أَحَدٌ، وَإِلَّا كَانَ وَهْنًا، فَعَمَدُوا إِلَى رَجُلٍ غَرِيْبٍ، دَفَعُوا لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيْرٍ، فَقَالُوا: احْضُرْ مَجْلِسَنَا، فَإِذَا طَابَ المَجْلِسُ فَصِحْ صَيْحَةً عَظِيْمَةً، ثُمَّ لَا تتَكَلَّمْ حَتَّى نَحْمِلَكَ وَنَقُوْلُ: مَاتَ، وَنَجْعَلَكَ فِي بَيْتٍ، فَاذْهَبْ فِي اللَّيْلِ، وَسَافِرْ عَنِ البَلَدِ، فَفَعَلَ، وَصَاحَ صَيْحَةً عَظِيْمَةً، فَقَالُوا: مَاتَ، وَحُمِلَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الحَنَابِلَةِ، وَزَاحَمَ حَتَّى حَصَلَ تَحْتَهُ، وَعَصرَ عَلَى خُصاهُ، فَصَاحَ الرَّجُلُ فَقَالُوا: عَاشَ، عَاشَ، وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الضَّحِكِ، وَقَالُوا: المُحَالُ يَنْكَشِفُ.
قَالَ النَّاصِحُ: وَكَانَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ المَقْدِسِيُّ يَقُوْلُ: كُلُّنَا فِي بَرَكَاتِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي - وَنَحْنُ بِـ "بَغْدَادَ" - قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ إِلَى بِلَادِهِم مِنْ أَرْضِ بَيْتِ المَقْدِسِ تَسَامَعَ النَّاسُ بِهِ، فَزَارُوْهُ مِنْ أَقْطَارِ تِلْكَ البِلَادِ قَالَ: فَقَالَ جَدِّي قُدَامَةُ لِأَخِيْهِ: تَعَالَ نَمْشِي إِلَى زِيَارَةِ هَذَا الشَّيْخِ لَعَلَّهُ يَدْعُو لَنَا. قَالَ: فَزَارَاهُ (^١)، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ قُدَامَةُ فَقَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي، ادْعُ لِي أَنْ يَرْزُقَنِي اللهُ حِفْظَ القُرْآنَ، قَالَ: فَدَعَا لَهُ بِذلِكَ، وَأَخُوْهُ لَمْ يَسْأَلْهُ شَيْئًا، فَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ، وَحَفِظَ قُدَامَةُ القُرْآنَ، وَانْتَشَرَ الخَيْرُ مِنْهُمْ بِبَرَكَاتِ دَعْوَةِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ.
وَلِلشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ تَصَانِيْفٌ عِدَّةٌ فِي الفِقْهِ وَالأُصُوْلِ، مِنْهَا: "المُبْهِجُ"
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه، و(ب) و(هـ): "فزاروه" وَمَا أَثْبَتُّهُ من (جـ) هو الأَصَحُّ.
[ ١ / ١٦٠ ]
وَ"الإيْضَاحُ" وَ"التَّبْصِرَةُ فِي أُصُوْلِ الدِّيْنِ" مُخْتَصَرٌ (^١) فِي الحُدُوْدِ، وَفِي أَصُوْلِ الفِقْهِ، وَ"مَسَائِلِ الامْتِحَانِ". وَقَرَأْتُ بِخَطِّ النَّاصِحِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ نَجْمِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ ابنِ الشَيْخِ قَالَ: سَمِعْتُ وَالِدِيْ يَقُوْلُ: لِلشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ كِتَابُ "الجَوَاهِرِ" وَهُوَ ثَلَاثُوْنَ مُجَلَّدَةً يَعْنِي: فِي التَّفْسِيْرِ، قَالَ: وَكَانَتْ بِنْتُ الشَّيْخِ تَحْفَظُهُ، وَهِيَ أَمُّ زَيْنِ الدِّيْنِ عَلِيِّ بنِ نَجَا الوَاعِظِ، الآتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (^٢).
قَالَ أَبُو يَعْلَى بنُ القَلَانِسيِّ (^٣) فِي "تَارِيْخِهِ" فِي حَقِّ الشَّيْخِ أَبي الفَرَجِ: كَانَ وَافِرَ العِلْم، مَتِيْنَ الدِّيْنِ، حَسَنَ الوَعْظِ، مَحْمُوْدَ السَّمْتِ.
تُوُفِّيَ يَوْمَ الأَحَدِ ثَامِنَ عِشْرِيْنَ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ بِـ "دِمَشْقَ"، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَةِ "البَابِ الصَّغِيْرِ"، وَقَبْرُهُ مَشْهُوْرٌ يُزَارُ.
وَلِلشَيْخِ - ﵀ - ذُرِّيَّةٌ فِيْهِمْ كَثِيْرٌ مِنَ العُلَمَاءِ، نَذْكُرُهُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعِهِمْ مِنْ هَذَا الكِتَابِ (^٤)، يُعْرَفُوْنَ بِـ "بَيْتِ ابنِ الحَنْبَلِيِّ".
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّيْنِ فِي "المُغْنِي" (^٥)، وَالشَّيْخُ مَجْدُ الدِّيْنِ
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه: "ومختصر وفي الحُدُوْدِ".
(٢) هُوَ عَلِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بن غَنَائِمِ الأنْصَارِيُّ (ت: ٥٩٩ هـ) وَيُعْرَفُ بـ "ابنُ نُجَيَّةَ" أَيْضًا، ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ في مَوْضِعِهِ. وَبِنْتُهُ هَذِهِ لَمْ أَقِفْ عَلَى أَخْبَارِهَا.
(٣) هُوَ الرَّئِيْسُ الأجَلُّ أبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بنُ أَسَدِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ (ت: ٥٥٥ هـ). وَسَبَقَتِ الإشَارةُ إِلَى كِتَابِهِ "ذَيْل تَارِيْخِ دِمَشْقَ" في أوَّل التَّرْجَمَةِ فِي مَصَادِرِ التَّخْرِيْجِ.
(٤) أَضَفْنَا إِلَى مَا ذَكَرَ المُؤلِّف أَعْدَادًا كَثِيْرَةً من مَشَاهِيْرِ عُلَمَاءِ هَذَا البَيْتِ، تَجِدْهُمْ فِي مَوَاضعِهِمْ، أَوْ في هَوَامِشِ تَرَاجِمِ ذَوِيْهِمْ إِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى سِنِيِّ وَفَيَاتِهِمْ.
(٥) يُرَاجَعُ: المُغْنِي (١/ ١٠٥) قَالَ: "وَهُوَ رَأيُ ابنِ عُمَرَ .. واختَارَ ذلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الفَرَجِ. . ." =
[ ١ / ١٦١ ]
ابنِ تَيْمِيَّةَ فِي "شَرْحِ الهِدَايَةِ" عَنْ أَبِي الفَرَجِ المَقْدِسِيِّ أَنَّ الوُضُوْءَ فِي أَوَانِي النُّحَاسِ مَكْرُوْهٌ، وَهُوَ هَذَا. وَذَكَرَا عَنْهُ أَيْضًا (^١): أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الوُضُوْءِ يَصِحُّ الإتْيَانُ بِهَا بَعْدَ غَسْلِ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُهَا عَلَى غَسْلِهَا، وَقَدْ نَسَبَ أَبُو المَعَالِي بنُ المُنَجَّى (^٢) هَذَا فِي كِتَابِهِ "النِّهَايَةِ" إِلَى أَبِي الفَرَجِ ابنِ الجَوْزِيِّ، وَهُوَ وَهْمٌ.
ولَهُ غَرَائِبُ كَثيْرَةٌ: فَمِنْهَا: أَنَّهُ نَقَلَ فِي "الإيْضاحِ" رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَسَّ الأَمْرَدِ لِشَهْوَةٍ يَنْقُضُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ المُسَافِرَ إِذَا مَسَحَ فِي السَّفَرِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ أَقَامَ أَوْ قَدِمَ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الجُنُبَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، ذَكَرَهُ فِي "الإيْضَاحِ" وَهُوَ غَرِيْبٌ، مُخَالِفٌ لِمَنْصُوْصِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ.
وَمِنْهَا: حَكَى فِي وُجُوْبِ الزَّكَاةِ فِي الغِزْلَانِ رِوَايَتَيْنِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ خَرَّجَ وَجْهًا، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِوُجُوْبِ الزَّكَاةِ فِي جَمِيْعِ الأَمْوَالِ إِمْكَانُ الأَدَاءِ، مِنْ رِوَايَةِ اعْتِبَارِ إِمْكَانِ الأَدَاءِ لِوُجُوْبِ الحَجِّ.
وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ فِي "الإيْضَاحِ": إِذَا وَقَفَ أَرْضًا عَلَى الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِيْنِ
_________________
(١) = وَ"شَرْحُ الهِدَايَةِ" لِلمَجْدِ بنِ تَيْمِيَّةَ، لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ.
(٢) المَصْدَرُ نَفْسُهُ (ص ١٤٦).
(٣) هُوَ أَسْعَدُ - ويُسَمَّى مُحَمَّدًا - بنُ المُنَجَّى بنِ بَرَكَاتِ بنِ المُؤَمِّلِ التَّنُوْخِيِّ (ت: ٦٠٦ هـ). ذَكَرَهُ المُؤلِّفُ في مَوْضِعِهِ، وَذَكَرَ كِتَابَهُ "النِّهَايَة فِي شَرْحِ الهِدَايَةِ" وَقَالَ: "بِضْعَةَ عَشَرَ مُجَلَّدًا".
[ ١ / ١٦٢ ]
لَمْ يَجِبْ فِي الخَارِجِ مِنْهَا العُشُرُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَبَ فِيْهَا العُشُرُ، وَلِلإِمَامِ أَحْمَدَ نُصُوْصٌ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ ذلِكَ، وَهُوَ خِلَافُ المَعْرُوْفِ عِنْدَ الأَصْحَابِ.
وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ فِي "الإِيْضَاحِ" أَيْضًا، قَالَ: الصَّدَاقُ (^١) يَجِبُ بِالعَقْدِ وَيَسْتَقِرُّ جَمِيْعُهُ بِالدُّخُوْلِ، وَلَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُوْلِ لَمْ يَسْقُطْ؛ لأنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالشَّفِيْعِ إِذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ قَبْلَ الشِّرَاءِ. هَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ غَرِيْبٌ جِدًّا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ ذَكَرَ فِي "المُبْهِجِ" فِي آخِرِ الوَصَايَا إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ أَدَّيْتَ إِلَيَّ أَلْفًا فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ أَبْرَأَهُ السَّيِّدُ مِنَ الأَلْفِ عَتَقَ؛ فَجَعَلَ التَّعْلِيْقَ كَالمُعَاوَضَةِ، وَلِأَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصَّقْرِ (^٢) مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ مِنَ "المُبْهِجِ" أَيْضًا أَنَّهُ يَجُوْزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إِلَى مَنْ عَلَّقَ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ مَالٍ، وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا الأَصْلِ، وَأَنَّ التَّعْلِيْقَ مَعَاوَضَةٌ تَثْبُتُ (^٣) فِي الذِّمَّةِ.
وَذَكَرَ أَيْضًا فِي "المُبْهِجِ" إِذَا بَاعَ أَرْضًا فِيْهَا زَرْعٌ قَائِمٌ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ لَمْ يَتْبَعْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَهَلْ يَتْبَعْ أَمْ لَا؟ عَلَى وجْهَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَتْبَعُ أَخَذَ البَائِع بِقَطْعِهِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَ الأَرْضَ مِنَ المُشْتَرِي إِلَى حِيْنِ
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه و(هـ): "والصَّداق".
(٢) هو يَحْيَى بنُ يَزْدَادَ الوَرَّاق، وَرَّاقُ الإمَامِ أَحْمَدَ (ت؟) قَالَ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ بنُ أبِي يَعْلَى في الطَّبَقَاتِ (٢/ ٥٤٢): "عِنْدَهُ جُزْءٌ "مَسَائِلُ" حِسَانٌ في "الحِمَى"، و"المُسَاقَاةِ، وَالمُزَارَعَةِ"، وَ"الصَّيْدِ"، وَ"اللُّقَطَةِ" وَغَيْرِ ذلِكَ.
(٣) في (أ): "ثَبتت".
[ ١ / ١٦٣ ]
إِدْرَاكِهِ، وَأَمَّا إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ فَإِنَّهُ يَبْقَى فِي الأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ إِلَى حِيْنِ حَصَادِهِ.
وَذَكَرَ فِيْهِ أَيْضًا: أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَبَانَ مَعِيْبًا وَنَمَا عِنْدَهُ نَمَاءً مُتَّصِلًا، ثُمَّ رَدَّهُ أَخَذَ قِيْمَةَ الزِّيَادَةِ مِنَ البَائِعِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى ذلِكَ ابنُ عَقِيْلٍ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ مِنْ "فُصُوْلِهِ" (^١). وَقَدْ نَقَلَ ابنُ مَنْصُوْرٍ (^٢) عَنْ أَحْمَدَ، فِيْمَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً فَنَمَتْ عِنْدَهُ، وَبَانَ بِهَا دَاءٌ، فَإِنْ شَاءَ المُشْتَرِي حَبَسَهَا وَرَجَعَ بِقَدْرِ الدَّاءِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ النَّمَاءِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الرُّجُوْعِ بِقِيْمَةِ النَّمَاءِ المُتَّصِلِ؛ لأنَّ النَّمَاءِ المُنْفَصِلَ مَعَ بَقَائِهِ إِمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّهُ المُشْتَرِي أَوِ البَائِعُ، وَأَمَّا قِيْمَتُهُ فَلَا يَسْتَحِقُّهَا أَحَدٌ مِنْهُمَا مَعَ بَقَائِهِ وَلَا تَلَفِهِ.