_________________
(١) قَالَ مُحَقِّق "المَنْهَجِ الأحْمَدِ": "وَلَمْ يَذْكُرْهُ الحَافِظَانِ الذَّهَبِيُّ وَابنُ الجَزَرِيِّ في طَبَقَاتِ القُرَّاء". أقُوْلُ - وعَلَى الله أَعْتَمِدُ -: لا يَلْزَمُهُمَا ذِكْرَهُ؛ لأنَّ وَصْفَهُ بِالمُقْرِئِ لا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالقَرَاءَاتِ خَبِيْرًا بِهَا.
(٢) مَسْجِدُ دَرْبِ الرَّيْحَان، مَسْجِدٌ في طَرَفِ الحَبَّالِيْنَ عِنْدَ رَأْسِ دَرْبِ الرَّيْحَانِ مِنَ السُّوْقِ الكَبِيْرِ سفل يُعْرَفُ بـ "مَسْجِدِ الرَّيْحَانِ" ثِمَارُ المَقَاصِدِ لابنِ عَبْدِ الهَادِي (٦٥)، وفي الدَّارِسِ للنُّعَيْمِيِّ (٢/ ٢٣٧): "وَهُوَ مَسْجِدُ فُضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ".
(٣) هُوَ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ اللهِ (ت: ٤٣٩ هـ) قَالَ الحَافِظُ الخَطِيْبُ: "كَتَبْنَا عَنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً، دِيِّنًا". يُرَاجَعُ: تَارِيْخُ بَغْدَادَ (٨/ ٧٩)، وَالأَنْسَابُ (٨/ ٢٥١)، وَالمُنْتَظَمُ (٨/ ١٣٣)، مَنْسُوْبٌ إِلَى الطَّنَاجِيْرِ، وَهِيَ القُدُوْرُ الَّتي يُطْبَخُ بِهَا، وَلَا تزَالُ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ مَعْرُوْفَةً فِي بِلَادِ الشَّامِ، وَهِيَ فَارِسيَّةٌ مُعَرَّبةٌ (تَنْكِيْرَهْ) يُرَاجَعُ: قَصْدُ السَّبِيْلِ (٢/ ٢٦).
(٤) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، يُعْرَفُ بـ "ابنِ صَابِرٍ" وَبِـ "ابنِ سَيِّدِهِ" (ت: ٥١١ هـ). أَخْبَارُهُ في: تَارِيْخِ دِمَشْقَ (٣٤/ ١٥٧)، وَسِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلَاءِ (١٩/ ٤٢٣).
(٥) ساقطة من (أ) و(ب) و(جـ).
(٦) ٣١ - رِزْقُ اللهِ التَّمِيْمِيُّ (٤٠٠ - ٤٨٨ هـ): مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ المَذْهَبِ، وَمِنْ مَشَاهِيْرِ العُلَمَاءِ بِعَامَّةٍ، وَصَلَ إِلَى دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ مِنَ التَّقَدُّمِ وَالشُّهْرَةِ وَالتَّمَيُّزِ، فَقِيْهٌ، مُفَسِّرٌ، مُحَدِّثٌ، أَدِيْبٌ، شَاعِرٌ، جَمَعَ بَيْنَ شَرَفِ العِلْمِ وَشَرَفِ النَّسَبِ، مِنْ أُسْرَةٍ كَرِيْمَةٍ عَرِيْقَةٍ بِالعِلْمِ فِي أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ، من جِهَةِ أَبِيْهِ، =
[ ١ / ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَمِنْ جِهَةِ أُمِّهِ، مَقْبُوْلُ الكَلِمَةِ عِنْدَ الخَاصَّةِ وَالعَامَّةِ. أَخَذَ عَنْهُ العُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ شَرْقِ العَالَمِ الإسْلَامِيِّ وَغَرْبِهِ مِنْ "أَصْبَهَانَ" وَ"سَمَرْقَنْدُ" وَمَا وَالَاهُمَا، إِلَى بِلَادِ المَغْرِبِ وَالأَنْدَلُسِ، وَاشْتُهِرَ وَتَمَيَّز فِيْهِمَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ، وأَصْبَحَ حَلْقَةَ وَصْلٍ بَيْنَهُمَا، سَأُدَلِّلُ عَلَى ذلِكَ فِي أثْنَاءِ التَّرْجَمَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، ﵀ رَحْمَةً وَاسِعَةً. ومَعَ هَذِهِ الشُهْرَةِ الوَاسِعَةِ يَقُوْلُ يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ في "مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ": "رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيُّ البَغْدَادِيُّ، أَدِيْبٌ، شَاعِرٌ، مُجِيْدٌ، لا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِهِ غَيْرَ هَذَا"؟! أَخْبارُهُ في: طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ (٣/ ٤٦٤)، وَمُختَصَرِهِ (٤٠٢)، وَمُخْتَصَرِ الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ لابنِ نَصرِ اللهِ (ورقة: ٧)، وَمَنَاقِبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (٦٣٢)، وَالمَقْصَدِ الأَرْشَدِ (١/ ٣٩٣)، وَالمَنْهَجِ الأَحْمَدِ (٣/ ١٣)، وَمُخْتَصَرِهِ "الدُّرِّ المُنَضَّدِ" (١/ ٢١٦). وَيُرَاجَعُ: الإِكْمَالُ (١/ ١٠٩، ٤/ ٦١)، وَالمُنْتَظَمُ (٩/ ٨٨)، وَمُعْجَمُ الأدَبَاءِ (١١/ ١٣٦)، وَالكَامِلُ في التَّارِيْخِ (١٠/ ٢٥٣)، وَبُغْيَةُ الطَّلَبِ (٨/ ٣٦٣٢)، وَسِيَرُ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٨/ ٦٠٩)، وَتَارِيْخُ الإِسْلامِ (٢٤٢)، وَتَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ (٤/ ١٢٠٨)، وَالمُعِيْنُ فِي طَبَقَاتِ المُحَدِّثِيْن (١٤٢)، وَالعِبَرُ (٣/ ٣٢٠)، وَدُوَلُ الإِسْلامِ (٢/ ١٧)، وَمَعْرِفَةُ القُرَّاءِ الكِبَارِ (١/ ٤٤١)، وَالمُسْتَفَادُ مِنْ ذَيْلِ تَارِيْخِ بَغْدَادَ (١١٦٦)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (١٤/ ١١٢)، وَالبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٢/ ١٥٠)، وَغَايَةُ النِّهَايَةِ (١/ ٢٨٤)، وَطَبَقَاتُ المُفَسِّرِيْنَ للدَّاوُدِيِّ (١/ ١٧١)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٣/ ٢٨٤) (٥/ ٣٨٠). أُسْرَتُهُ مِنْ قِبَلِ الأَبِ بَغْدَادِيَّةٌ تَمِيْمَةُ الأُرُوْمةِ، وَبَنُو تَمِيْمٍ قَاعِدَةٌ مِنْ أَكْبَرِ قَوَاعِدِ العَرَبِ كَمَا يَقُوْلُ ابنُ حَزْمٍ فِي جَمْهَرَةِ النَّسَبِ (٢٠٧) وَهُمْ مِنْ بَنِي (حَنْظَلَةَ بنِ مَالِكٍ) و"حَنْظَلَةُ" مِنْ كِبْارِ بُيُوْتِ المَجْدِ فِي بَنِي تَمِيْمٍ يُعَدُّ النَّاسِبُوْنَ بَنِي تَمِيْمٍ … بُيُوْتِ المَجْدِ أَرْبَعَةٌ كِبَارَا يَعُدُّوْنَ الرَّبَابَ لَهَا وَسَعْدًا … وَعَمْرًا ثُمَّ حَنْظَلَة الخِيَارَا وَبَنُو حَنْظَلَةَ خِيَارُ تَمِيْمٍ، وَبَيْتُ الرِّئَاسَةِ فِيْهِمْ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَنِي مُجَاشِعِ بنِ دَارِمِ، مِنْ =
[ ١ / ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أَشْرَافِ بَنِي حَنْظَلَةَ، قَالَ الفَرَزْدَقُ: فَيَا عَجَبًا حَتَّى كُلَيْبٌ تَسُبُّنِي … كَأَنَ أَبَاهَا نَهْشَلٍ أَوْ مُجَاشِعُ وَقَدْ سَاقَ الأَميرُ فِي الإِكْمَال (١/ ١٠٨) نَسَبَ جَدِّهِ الأَعْلَى "أُكَيْنَةَ" إِلَى بَنِي حَنْظَلَةَ بنِ مَالِكٍ بنِ زَيْدِ مَنَاة بنِ تَمِيْمٍ، ثُمَّ قَالَ: "هُوَ جَدُّ التَّمِيْمِيِّنَ الفُقَهَاءِ الحَنَابِلَةِ الوُعَّاظِ، ثمَّ قَالَ: وَالقَوْمُ أَحْفَظُ لأَنْسَابِهِم؛ لاِهْتِمَامِهِمْ بِهَا، قَالَ لِي هَذَا النَّسبُ الشَّيْخُ المُعَدَّلُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحَارِثِ بنِ أَسَدِ بنِ اللَّيْثِ بنِ سُلَيْمَان بنِ الأسْوَدِ بن سُفْيَانَ بنِ أُكَيْنَةَ، وَقَالَ لِي: كَانَ اسمُ عَبْدِ اللهِ بنِ الهَيْثَمِ: عَبْدَ اللَّاتِ فَسَمَّاهُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَبْد الله". وَقَدْ أَمْلَى الشَّيْخُ رِزْقُ اللهِ المُتَرْجَمُ هُنَا نَسَبَهُ في مَجْلِسٍ لَهُ بـ "أَصْبَهَانَ" وَأَوْرَدَ حَدِيْثًا، ذَكَرَ بَعْدَ "أُكَيْنَةَ" "الهَيْثَمَ" ثُمَّ "عَبْدَ اللهِ" وَهُوَ الَّذِي لَهُ صُحْبَةٌ، وَأَضَافَ "يَزِيْدَ" قَبْلَ "أُكَيْنَةَ"، وَ"يَزِيْدُ" لَمْ يَرِدْ في نَصِّ الأَمِيْرِ؟! وَتَحْقِيْقُ الزِّيَادَةِ في هَذهِ الأَسْمَاءِ والنَّقْصِ مِنْهَا، وَالتَّثَبُّتُ وَالتَّحَرِّي يَحْتَاجُ إِلَى بَحْثٍ في غَيْرِ هَذَا المَقَامِ. يُرَاجَعُ: الإِصَابَةُ (١/ ١٠٩، ١١٠، ٤/ ٢٥٨) "عَبْدُ اللهِ بنِ الهَيْثَمِ" فَهَلِ الصَّحَابِيُّ عبدُ اللهِ أَوْ أُكَيْنَةُ؟ مِنَ الجَائِزِ أَنْ يَكُوْنَ لِعَبْدِ اللهِ وَلابْنِهِ أُكَيْنَةَ صُحْبَةٌ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. والَّذِي اشْتُهِرَ بالعِلْمِ مِنْ آبَائِهِ هُوَ: وَالِدُهُ عَبْدُ الوَهَّابِ (ت: ٤٢٥ هـ) وَجَدُّهُ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ الحَارِثِ (ت: ٣٧١ هـ)، وَعَمُّهُ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ (ت: ٤١٠ هـ) هَؤُلَاءِ ذَكَرَهُمْ جَمِيْعًا القَاضِي أَبِي الحُسَيْنِ في "الطَّبقات" وَذَكَرَ المُؤلِّفُ ابْنَي الشَّيخِ رِزْقِ اللهِ بَعْدَ تَرْجَمَتِه، وَهُمَا عبْدُ الوَهَّاب (ت: ٤٩١ هـ) وَعَبْدُ الوَاحِدِ (ت: ٤٩٣ هـ). - وَابنُ عَمِّهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحَارِثِ، أَبُو الفَضْلِ التَّمِيْمِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت: ٤٥٤) لَمْ يَذْكُرْهُ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ بنُ أَبِي يَعْلَى، وفَاتَنِي اسْتِدْرَاكُهُ عَلَيْهِ، وَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ أَعْرِفُهُ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَهِلْتُ عَنْهُ؟! ولَا بَأْسَ بِإِيْرَادِ شَيْءٍ مِن أَخْبَارِهِ هُنَا بِشَيْءٍ مِنَ التَّفْصِيْلِ؛ لأنَّهُ لَمْ يَرِدْ لَهُ ذِكْرٌ في كُتُبِ الحَنَابِلَةِ فَأَقُوْلُ - وَعَلَى اللهِ =
[ ١ / ١٧٤ ]
ابنِ سُلَيْمَانَ بنِ الأَسْوَدِ بنِ سُفْيَانَ بنِ يَزِيْدَ بنِ أُكَيْنَةَ بنِ الهَيْثَمِ بنِ عَبْدِ اللهِ التَّمِيْمِيُّ،
_________________
(١) = أَعْتَمِدُ -: رَحَلَ إِلَى بِلَادِ المَغْرِبِ وَالأَنْدَلُسِ وَلَهُ ذِكْرٌ هنَاكَ، فَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الحُمَيْدِيُّ في بُغْيَةِ المُلْتَمِسِ (١/ ١٢٤) وَقَالَ: ". . . أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ الفَقِيْهُ، أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحَارِثِ، وَهُوَ ابنُ عَمِّهِ، وَقَالَ: إِنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ عِلْمٍ وَأَدَبٍ. خَرَجَ أَبُو الفَضْلِ إِلَى "القَيْرَوَان" فِي أَيَّامِ المُعِزِّ بنِ بَادِيْسَ، فَدَعَاهُ إِلَى دَعْوَةِ العَبَّاسِيِّيْنَ فَاسْتَجَابَ لَهُ، ثُمَّ وَقَعَتِ الفِتَنُ، وَاسْتَوْلتِ العَرَبُ عَلَى البِلَادِ، فَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى "الأنْدَلُسِ"، وَلَقِيَ مُلُوْكَهَا، وَحَظِيَ عِنْدَهُمْ؛ بِأَدَبِهِ، وَعِلْمِهِ، وَاسْتَقَرَّ بِـ "طُلَيْطُلَةَ" فَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِهِا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، عَلَى مَا أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ العَابِدِيُّ. وَكَانَ لَهُ نَظْمٌ رَائِعٌ، وَنَثْرٌ بَدِيْعٌ، وَمِنْ نَظْمِهِ - وَنَسَخْتُهُ وَقَرَأَتُهُ مِنْ خَطِّهِ - ﵀ - عَلَى الشَّيْخِ الإمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ عَمِّهِ، أَنْشَدَنِي أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ لِنَفْسِهِ مِنْ قَصِيْدَةٍ طَوِيْلَةٍ أَوَّلُهَا: أَبَعْدَ ارْتِحَالِ الحَيِّ مِنْ جَوِّ بَارِقٍ … تُؤَمِّلُ أَنْ يَسْلُو الهَوَى قَلْبَ عَاشِقِ وَذَكَرَ جُمْلَةً مِنْ أَبْيَاتِ القَصِيْدَةِ تَجِدْهَا هُنَاكَ، وَهُوَ مُتَرْجَمٌ فِي كِتَابِ الصِّلَةِ (٥٩٨)، وَذَكَرَ أَخْبَارُهُ عَنِ الحُمَيْدِّي، وابِن حَيَّانَ، وبُغية المُتلمس (١٠٨)، نَقَلَ كَلَام الحُمَيْدِيِّ حَرْفِيًا، وَمِثْلُهُ في نَفْحِ الطِّيْبِ (٣/ ١١١)، وَوَصَفَهُ بِـ "الوَزِيْرِ". (الشَّيْء بالشَّيْء يُذْكَر): فَمِمَّنْ فَاتَ ذِكْرُهُ أَيْضًا مِمَّنْ يُسْتَدْرَكُ عَلَى "الطَّبَقَاتِ": - مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ سُلَيْمَان بنِ أَبِي الجَعْدِ التُّسْتَرِيُّ الحَنْبَلِيُّ، كَذَا ذَكَرَهُ ابنُ بشكُوَال في الصِّلَة (٦٠٠)، وَلَمْ يَذْكُرْ وَفَاتَهُ، ذَكَرَهُ في الغُرَبَاءِ الوَارِدِيْنَ إِلَى الأنْدَلُسِ، قَالَ: "قَدِمَ الأنْدَلُسَ تَاجِرًا سَنَةَ ثَلَاثِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَة، ذَكَرَهُ الخَزْرَجِيُّ. قَالَ: كَانَ خَيِّرًا، مُتَدَيِّنًا، نَزِيْهَ النَّفْسِ، مُتَسَنِّنًا، مُؤْتَمًّا بِأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ، وَدَائِنًا بِمَذْهَبِهِ، وَرِوَايَتُهُ وَاسِعَةٌ عَنْ شُيُوْخِ جُلَّةٍ بِـ "العِرَاقِ" وَ"خُرَاسَانَ". وَكَانَ عَالِمًا بِفُنُوْنِ عُلُوْمِ القُرْآنِ مِنْ قِرَاءَاتٍ، وَإِعْرَابٍ، وَتَفْسِيْرٍ، وَقَالَ: أَخْبَرَنَا أَنَّ مَوْلِدَهُ بـ "تُسْتَرَ" سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ".
[ ١ / ١٧٥ ]
البَغْدَادِيُّ، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، شَيْخُ أَهْلِ "العِرَاقِ" فِي زَمَانِهِ، أَبُو مُحَمَّدِ بنِ أَبِي الفَرَجِ بنِ أَبِي الحَسَنِ.
وُلِدَ سَنَة أَرْبَعِمَائَةَ، وَقِيْلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَفِي "الطَّبَقَاتِ" لابْنِ الجَوْزِيِّ: سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَقَالَ السِّلَفِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا الحَسَنِ عَلِيَّ بنَ مُحَمَّدِ بنِ سَلَامَةَ الرَّوْحَانِيَّ (^١) بِـ "مِصْرَ" يَقُوْلُ: سَمِعْتُ رِزْقَ اللهِ التَّمِيْمِيَّ بِـ "بَغْدَادَ" يَقُوْلُ: مَوْلِدِي سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ وَثَلَاثِمَائَةَ. وَقَرَأَ القُرْآنَ بالرِّوَايَاتِ عَلَى أَبِي الحَسَنِ الحَمَّامِيِّ، وَسَمِعَ الحَدِيْث مِنْ أَبِي الحُسَيْن المُتَيَّمِ (^٢)، وَأَبِي عُمَرَ بنِ مَهْدِي، وابْنَيْ بِشْرَانَ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ شَاذَانَ، وَغَيْرِهِمْ. وَأَجَازَ لَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الصُّوْفِيُّ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِيْهِ أَبِي الفَرَجِ، وَعَمِّهِ أَبِي الفَضْلِ عَبْدِ الوَاحِدِ، وَأَبِي عَلِيِّ بنِ أَبِي مُوْسَى صَاحِبِ "الإرْشَادِ".
_________________
(١) مَنْسُوْبٌ إِلَى "رَوْحَا" مِنْ قُرَى "رَحْبَةِ مَالِكِ بنِ طَوْقٍ". يُرَاجَعُ: مُعْجَمُ البُلْدَانِ (٣/ ٨٧)، وَذَكَرَ عَلِيَّ بنَ مُحَمَّدٍ هَذَا، وَنَقَلَ عَنِ الحَافِظِ السِّلَفِيِّ في "مُعْجَمِ السَّفَرِ" وفي المُعْجَمِ المَذْكُوْرِ (٤٧٩) (ط) الباكستان: ". . . واسْتَوْطَنَ مِصْرَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا، وَفِي شُيُوْخِهِ كَثْرَةٌ، وَلَمْ يَزَلْ يُسْمِعُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ ﵀ … قَالَ: "وَرَوْحَا" من قُرَى "الرَّحْبَةِ"، رَحْبَةِ مالِكِ بنِ طَوْقٍ بـ "الشَّامِ"، وَقَدْ سَمِعَ قَدِيْمًا أَبَا مُحَمَّدِ التَّمِيْمِيَّ وَأَقْرَانَهُ بِـ "بَغْدَادَ". . ." وَبَالَغَ في الثَّنَاءِ عَلَيْه، وَلَمْ يَذْكُرْ وَفَاتَهُ.
(٢) في (ط) الفقي: "التميم" وابنُ المُتَيَّمِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ حَمَّادٍ، أَبُو الحَسَنِ، الوَاعِظُ، المُعَمَّرُ، المُحَدِّثُ البَغْدَادِيُّ (ت: ٤٠٩ هـ). أَخْبَارُهُ في: تَارِيْخِ بَغْدَادَ (٤/ ٣٧٠)، وَمُعْجَمِ الأُدَبَاءِ (٤/ ٢٤٤)، وَسِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (١٧/ ٢٨٨). أَسْنَدَ إِلَيْهِ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ فِي "المَجْمَعِ المُؤَسِّسِ" عَنْهُ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ رِزْقِ اللهِ، رِوَايَاتٍ، مِنْهَا (١/ ٥٧٨، ٥٨١، ٢/ ٨٧).
[ ١ / ١٧٦ ]
قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ: وَقَرَأَ عَلَى الوَالِدِ السَّعِيْدِ قِطْعَةً مِنَ المَذْهَبِ، وَأَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ مُجَاهِدٍ (^١) رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الخَفَّافِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ سُوْرَةَ البَقَرَةِ، وَقَرَأَهَا عَلَى ابنِ مُجَاهِدٍ، وَأَدْرَكَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بَكْرٍ الشِّبْلِيِّ (^٢) رَجُلًا، وَهُوَ عُمَرُ بنُ تَعْوِيْذٍ، وَحَكَى عَنْهُ حِكَايَةً عَنِ الشِّبْلِيِّ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَشَهِدَ عَنْدَ أَبِي الحُسَيْنِ بنِ مَاكُوْلَا قَاضِي القُضَاةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَوَلِيَ ابنُ الدَّامَغَانِيِّ تَرَكَ الشَّهَادَةَ؛ تَرَفُّعًا عَنْ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ، فَجَاءَ قَاضِي القُضَاةِ إِلَيْهِ مُسْتَدْعِيًا لِمَوَدَّتِهِ وَشَهَادَتِهِ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ لَهُ عِنْ مَوْضِعِهِ، وَلَمْ يَصْحَبْهُ، مَقْصوْدَةً.
قَالَ: وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ للتَّمِيْمِيِّ القُرْآنُ، وَالفِقْهُ، وَالحَدِيْثُ، وَالأَدَبُ وَالوَعْظُ، وَكَانَ جَمِيْلَ الصُّوْرَةِ، فَوَقَعَ لَهُ القَبُوْلُ مِنَ الخَوَاصِّ وَالعَوَامِّ،
_________________
(١) ابنُ مُجَاهِدٍ إِمَامُ القِرَاءَاتِ، جَامِعُ السَّبْعَةِ، أَحْمَدُ بنُ مُوْسَى بنِ العَبَّاسِ بنِ مُجَاهِدٍ التَّمِيْمِيُّ البَغْدَادِيُّ (ت: ٣٢٤ هـ) قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في مَعْرِفَةِ القُرَّاء (١/ ٤٤١): "قَالَ أَبُو زكَرِيَّا يَحْيَىَ بنُ مَنْدَه الحَافِظُ: سَمِعْتُ رِزْقَ اللهِ يَقُوْلُ: أَدْرَكْتُ مِنْ أَصْحَابِ ابنِ مُجَاهِدٍ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَبُو القَاسِمِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الخَفَّافُ، وَقَرَأتُ عَلَيْهِ سُوْرَة البَقَرَة، وَقَرَأَهَا عَلَى أَبِي بَكْرِ بنِ مُجَاهِدٍ، فَسَمَّاهُ "عُبَيْدِ اللهِ" وَالمُثبَتُ عِنْدَنَا "عَبْدَ اللهِ"؟!
(٢) أَبُو بَكْرٍ الشِّبْلِيُّ مِنْ شُيُوْخ الصُّوْفِيَّةِ، واسُمُه دُلَفُ بنُ جَحْدَرٍ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي اسمِ أَبِيْهِ، أَصْلُهُ مِنَ الأنْدَلُسِ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: "شِبْلِيَّةُ" التَّابِعَةُ لـ "أَسْرُوشَنَةَ" وَعَاشَ في "بَغْدَادَ" وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ (٣٣٤ هـ). وَصَاحِبُهُ هَذَا لَمْ أَقفْ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ جَهَلَةِ الصُّوْفِيَّةِ. يُرَاجَعُ: الأَنْسَابُ (٧/ ٢٨٢)، وَمُعْجَمُ البُلْدَانِ (٣/ ٣٦٥).
[ ١ / ١٧٧ ]
وَأَخْرَجَهُ الخَلِيْفَةُ رَسُوْلًا إِلَى السُّلْطَانِ فِي مَهَامِّ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ لَهُ الحَلْقَةُ فِي الفِقْهِ وَالفَتْوَى وَالوَعْظَ بِجَامِعِ المَنْصُوْرِ، فَلَمَّا انْتَقَلَ إِلَى "بَابِ المَرَاتِبِ" كَانَتْ لَهُ حَلْقَةٌ بِجَامِعِ القَصْرِ يَرْوِيْ فِيْهَا الحَدِيْثَ وَيُفْتِي، وَكَانَ يُمْضِي فِي السَّنَةِ أَرْبَعَ دُفُعَاتٍ فِي رَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَعَاشُوْرَاءَ إِلَى مَقْبَرَةِ أَحْمَدَ، وَيَعْقِدُ هُنَاكَ مَجْلِسًا لِلْوَعْظِ (^١).
وَقَالَ فِي "الطَّبَقَاتِ": كَانَتْ لَهُ المَعْرِفَةُ الحَسَنَةُ بِالقُرْآنِ، وَالحَدِيْثِ، وَالفِقْهِ، وَالأُصُوْلِ، والتَّفْسِيْرِ، وَاللُّغَةِ، وَالعَرَبِيَّةِ، وَالفَرَائِضِ، وَكَانَ حَسَنَ الأَخْلَاقِ.
وَحُكِيَ عَنِ ابنِ عَقِيْلٍ قَالَ: كَانَ سَيِّدَ الجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بَيْتًا، وَرِئَاسَةً، وَحِشْمَةً أَبَا مْحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ. وَكَانَ أَحْلَى النَّاسِ عِبَارَةً فِي النَّظَرِ، وَأَجْرَاهُمْ قَلَمًا فِي الفُتْيَا، وَأَحْسَنَهُم وَعْظًا. وَقَالَ ابنُ عَقِيْلٍ فِي "فُنُوْنِهِ" - وَالكَلَامُ أَظُنُّهُ فِي "تَارِيْخِ بَغْدَادَ" -: وَمِنْ كِبَارِ مَشَايِخِي: أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ شَيْخُ زَمَانِهِ، كَانَ حَسَنَةَ العَالَمِ، وَمَاشِطَةَ "بَغْدَادَ". وَذَكَرَ عَنِ التَّمِيْمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ: كُلُّ الطَّوَائِفِ تَدَّعِيْنِي.
وَقَالَ شُجَاعٌ الذُّهْلِيُّ - فِيْمَا حَكَاهُ عَنِ السِّلَفِيِّ - كَانَ لَهُ لِسَانٌ وَعَارِضَةٌ، وَحَلَاوَةُ مَنْطِقٍ، وَهُوَ أَحَدُ الوُعَّاظِ المَذْكُوْرِيْنَ، وَالشُّيُوْخِ المُتَقَدِّمِيْنَ، وَقَدْ سَمِعْتُ مِنْهُ.
وَقَالَ السِّلَفِيُّ: سَأَلْتُ المُؤْتَمِنَ السَّاجِيَّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ؟
_________________
(١) لا شَكَّ أَنَّ اعتِيَادَ زِيَارَةِ القَبْرِ في أَوْقَاتٍ مُحَدَّدَةٍ مِنَ البِدَعِ؟!. وَالمَقَابِرُ لَيْسَتْ أَمَاكِنَ وَعْظٍ وَدَرْسٍ، كَفَى بِالمَقْبَرَةِ نَفْسِهَا مَوْعِظَةً "أَلا فَزُوْرُوْهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بِالآخِرَةِ".
[ ١ / ١٧٨ ]
فَقَالَ: هُوَ الإمَامُ عِلْمًا، وَنَفْسًا، وَأُبُوَّةً، وَمَا يُذْكَرُ عَنْهُ فَتَحَامُلٌ مِنْ أَعْدَائِهِ.
وَقَالَ شِيْرَوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ (^١) الحَافِظُ: هُوَ شَيْخُ الحَنَابِلَةِ، وَمُقَدَّمُهُمْ، سَمِعْتُ مِنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوْقًا، فَاضِلًا ذَا حِشْمَةٍ.
وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ العَبْدَرِيُّ (^٢): رِزْقُ اللهِ التَّمِيْمِيُّ كَانَ شَيْخًا بَهِيًّا، ظَرِيْفًا، لَطِيْفًا، كَثِيْرَ الحِكَايَاتِ وَالمُلَحِ، مَا أَعْلَمُ مِنْهُ إلَّا خَيْرًا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بنُ سُكَّرَةَ (^٣) فِي "مَشْيَخَتِهِ": مَا لَقِيْتُ فِي "بَغْدَادَ" مِثْلَهُ يَعْنِي التَّمِيْمِيَّ، قَرَأْتُ عَلَيْهِ كَثيْرًا، وَإِنَّمَا لَمْ أُطِلْ ذِكْرُهُ لِعَجْزِي عَنْ وَصْفِهِ؛
_________________
(١) سَيَأْتِي التَّعْرِيْفُ بِهِ فِي هَامِشِ ص (٢٩٣) مِنْ هَذَا الجُزْءِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
(٢) هُوَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدُوْنَ بنِ مُرَجَّى بنِ سَعْدُوْنَ القُرَشِيُّ العَبْدَرِيُّ المُيُوْرِقِيُّ الأنْدَلُسِيُّ الظَّاهِرِيُّ، نَزِيْلُ بَغْدَادَ (ت: ٥٢٤ هـ) وَهُوَ مِمَّن سَمِعَ مِنْ رِزْقِ اللهِ المُتَرْجَمِ هُنَا. أَخْبَارُهُ فِي: المُنْتَظَمِ (١٠/ ١٩)، وَتَذْكِرَةِ الحُفَّاظِ (٤/ ١٢٧٢)، وَالوَافِي بِالوَفَيَاتِ (٣/ ٩٣).
(٣) هُوَ الإمَامُ، العَلَّامَةُ، الحَافِظُ، القَاضِي الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ فُيَرَّةَ بنِ حَيُّونَ بنِ سُكَّرةَ، أَبُو عَلِيٍّ، الصَّدَفِيُّ، السَّرَقُسْطِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: ٥١٤ هـ) شَهِيْدًا فِي مَعْرَكَةِ قُتَنْدَة. أَخْبَارُهُ في: الصِّلَةِ (١/ ١٤٤)، وَبُغْيَةِ المُلْتَمِسِ (٢٦٦٩)، وَالغُنْيَةُ (مُعْجَمِ شُيُوْخِ القَاضِي عِيَاضٍ) (١٩٢)، وَأَكْثَرَ مِنَ النَّقْلِ عَنْهُ، وَالإِسْنَادِ إِلَيْهِ، وَخَاصَّةً عَنْ عُلَمَاءِ المَشْرِقِ أَمْثَالِ رِزْقِ اللهِ المُتَرْجَمِ هُنَا. وَخُرِّجَ لَهُ "مَشْيَخَةً". قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ في السِّيَرِ (١٩/ ٣٧٧): "وَتَلَا بالرِّوَايَاتِ عَلَى ابنِ خَيْرُوْنَ، وَرِزْقِ اللهِ، وَمِمَّا يُذْكَرُ في مَنَاقِبِهِ: أَنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى القَضَاءِ فَوَلِيَهُ فِي "مَرْسِيَةَ" من بِلَادِ الأَنْدَلُسِ، ثُمَّ اخْتَفَى حَتَّى أُعْفِيَ، ثُمَّ أُكْرِهَ ثَانِيَةً عَلَى قَضَاء "المُرِّيَّةِ" فَقَبِلَهَا، وَأَنَّه قُتِلَ بِالمَعْرَكَةِ المَذْكُوْرَةِ غَازِيًا، شَهِيْدًا ﵀ رَحْمَةً وَاسِعَةً. وَكَانَتْ رِحْلَتُهُ إِلَى المَشْرِقِ مَا بَيْنَ عَامي (٤٨١ - ٤٩٠ هـ)، وَأَقَامَ بـ "بَغْدَادَ" خَمْسَ سِنِيْنَ. وأَخْبَارُهُ وَمَنَاقِبه كَثِيْرَةٌ.
[ ١ / ١٧٩ ]
لِكَمَالِهِ وَفَضْلِهِ. وَقَالَ ابنُ نَاصِرٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْخًا ابنَ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ سَنَةً أَحْسَنَ سَمْتًا، وَهَدْيًا، وَاسْتِقَامَةً مِنْهُ، وَلَا أَحْسَنَ كَلَامًا، وَأَظْرَفَ وَعْظًا، وَأَسْرَعَ جَوَابًا مِنْهُ؛ وَلَقَدْ (^١) كَانَ جَمَالًا لِلإِسْلَامِ كَمَا لُقِّبَ، وَفَخْرًا لِأَهْلِ العِرَاقِ خَاصَّةً، وَلِجَمِيْعِ بِلَادِ الإسْلَامِ عَامَّةً، وَمَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ، وَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى الشُّيُوْخِ وَالفُقَهَاءِ وَشُهُوْدِ الحَضْرَةِ، وَهُوَ شَابٌّ ابنُ عِشْرِيْنَ سَنَةً، فَكَيْفَ بِهِ وَقَدْ نَاهَزَ التِّسْعِيْنَ سَنَةً؟ وَكَانَ مُكَرَّمًا، وَذَا قَدْرٍ رَفِيعٍ عِنْدَ الخَلفَاءِ، مُنْذُ زَمَنِ القَادِرِ (^٢) وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الخَلفَاءِ إِلَى خِلَافَةِ المُسْتَظْهِرِ. وَلَهُ تَصَانِيْفُ. مِنْهَا "شَرْحُ الإِرْشَادِ" لِشَيْخِهِ ابنِ أَبِي مُوْسَى فِي الفِقْهِ، وَ"الخِصَالُ وَالأَقْسَامُ". قَرَأَ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَاتِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُم: أَبُو الكَرَمِ الشَّهْرَزُوْرِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَأَمْلَى الحَدِيْثَ، وَسَمِعَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ بِـ "بَغْدَادَ" وَ"أَصْبَهَانَ" لَمَّا قَدِمَهَا رَسُوْلًا مِنْ جِهَةِ المُقْتَدِي (^٣)،
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه: "فلقد" وكَذلِك هي في (هـ) وَاللَّفْظَةُ سَاقِطَةٌ من (د).
(٢) التَّعْرِيْفُ بالقَادِرِ تَقَدَّمَ. أَمَّا المُسْتَظْهِرُ فَهُو الخَلِيْفَةُ، الإمَامُ، أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الله بنِ مُحَمَّدٍ. وَلِيَ الخِلَافَةَ سَنَةَ (٤٨٧ هـ) وَفِي أَيَّامِهِ احْتَلَّ الصَّلِيْبِيُّونَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وَقَتلُوا مِنْ أَهْلِهِ مَا يَزِيْدُ عَلَى سَبْعِيْنَ أَلْفًا. (ت: ٥١٢ هـ). أَخْبَارُهُ فِي: الإِنْبَاءِ بِتَارِيْخِ الخُلَفَاءِ (٢٠٦)، وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٢/ ١٨٢)، وَتَارِيْخِ الخُلفَاءِ للسُّيُوْطِيِّ (٤٥٧)، فَيَكُوْنُ رِزْقُ اللهِ قَدْ عَاصَرَ مِنَ الخُلفَاءِ (القَادِرَ ت: ٤٢٢ هـ) - وَوُلِدَ رِزْقُ اللهِ في خِلَافَتِهِ -، وَ(القَائِمَ ت: ٤٦٧ هـ) وَ(المُقْتَدِي ت: ٤٨٧ هـ) ثُمَّ المُسْتَظْهِرَ.
(٣) هُوَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَد بنِ عَبْدِ الله (ت: ٤٨٧ هـ) بُوْيعَ بِالخِلَافَةِ بَعْدَ جَدِّهِ وَلَقَّبَهُ جَدُّهُ بِالمُقْتَدِي، وَلَمْ يَكُن لَهُ مِنَ الخِلَافَةِ إلَّا الاسمُ، وَمَعَ هَذَا بَقِيَ بِالخِلَافَةِ تِسْعَةَ عَشَرَ عَامًا. أَخْبَارُهُ في: الإِنْبَاءِ بِتَارِيْخِ الخُلفَاءِ (٢٠١)، وَالعِبَرِ (٣/ ٣١٦)، وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (١٢/ ١٤٦)، وَتَارِيْخِ الخُلَفَاءِ للسُّيُوْطِيِّ (٤٥٤).
[ ١ / ١٨٠ ]
وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ الحُفَّاظُ: إِسْمَاعِيْلُ التَّيْمِيُّ (^١)، وَأَبُو سَعْدِ بنِ البَغْدَادِيِّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ، وَابنُ الخَاضِبَةِ، وَأَبُو مَسْعُوْدٍ سُلَيْمَانُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، وَأَبُو نُعَيْمِ بنِ الحَدَّادِ، وَأَبُو عَلِيٍّ البَرَدَانِيُّ، وَأَبُو نَصْرٍ الغَازِيُّ، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، وابنُ نَاصِرٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ طَاهِرٍ، وَعَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ. وَسَمِعَ مِنْهُ أَيْضًا: نَصْرُ اللهِ المِصِّيْصِيُّ، وَهِبَةُ اللهِ بنُ طَاوُسٍ، وَعَلِيُّ بنُ طِرَادٍ، وَالقَاضِي أَبُو بَكْرٍ (^٢)، وَالقَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ، وَأَخُوْهُ أَبُو حَازِمٍ، وَابنُ البَطِّيِّ، وَخَلْقٌ كَثِيْرٌ.
وَقَدْ رَوَى ابنُ (^٣) السَّمْعَانِيِّ حَدِيْثَ: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا" عَنْ أَرْبَعَةٍ وَسَبْعِيْنَ، سَمَاعًا لَهُ، سَمِعُوْهُ مِنَ التَّمِيْمِيِّ.
وَرَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِ "أَصْبَهَانَ" أَزْيَدُ مِنْ مَائَةِ رَاوٍ (^٤)، وَآخِرُ مَنْ رَوَى
_________________
(١) في (ط) الفقي: "التَّميمي" وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ، وَالمَقْصُوْدُ بِهِ الحَافِظُ الإمَامُ إِسْمَاعِيْلُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الفَضْلِ بنِ عليٍّ، أَبُو القَاسِمِ التَّيْمِيُّ الأَصْفَهَانِيُّ (ت: ٥٣٥ هـ) مَشْهُوْرٌ جِدًّا.
(٢) هُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي المَعْرُوْفُ بِـ "ابنِ قَاضِي المَارِسْتَان" (ت: ٥٣٥ هـ) حَنْبَلِيٌّ ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ، وَلَمْ يَرِدْ فِي مَشْيَخَتِهِ "أَحَادِيْثِ الشُّيُوخِ الثِّقَاتِ"؟!
(٣) ساقطٌ من (أ).
(٤) جَاء في "تَارِيْخِ الإسْلَام" للحَافِظ الذَّهَبِيِّ، عَنِ الحَافِظِ السَّمْعَانِيِّ: "رَوَى لَنَا عَنْهُ خَلْقٌ كَثِيْرٌ، وَوَرَد "أَصْبَهَانَ" رَسُوْلًا في سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنِ، وَ(ثَنَا) عَنْهُ مِنْ أَهْلِهَا أَكْثَرُ من ستِّين نَفْسًا. ثُمَّ قَالَ: (أَنبَأ) المَشَايخُ فَذَكَرَ سِتِّيْنَ بِـ "أَصْبَهَان"، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنْ غَيْرِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَجَمَاعَةٌ سِوَاهُم، قَالُوا: (أَنبَأَنَا) رِزْقُ اللهِ التَّمِيْمِيُّ فَذَكَرَ حَدِيْثَ: "مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا" وَهُوَ حَدِيْثٌ انْفَرَدَ رِزْقُ اللهِ بِعُلُوِّهِ. (أثَنَا) أَبُو المَعَالِي الهَمَذَانِيُّ، (أَنَا) أَبُو بَكْرِ بنُ سَابُوْرٍ، (أَنَا) عَبْدُ العَزِيْزِ الشِّيْرَازِيُّ، (أَنَا) رِزْقُ اللهِ إِمْلاءً، فَذَكَرَ مَجْلِسًا أَوَّلُهُ هَذَا الحَدِيْثُ … وَقَالَ السِّلَفِيُّ:- فِيْمَا (أَنَا) الدِّمْيَاطِيُّ، (أَنَا) ابنُ رَوَاجٍ، (أَنَا) =
[ ١ / ١٨١ ]
عَنْهُ السِّلَفِيُّ بِالإجَازَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي أَوَّلِ "تَارِيْخِهِ" بِإِسْنَادِهِ عَنْ خَمِيْسٍ الحَوْزِيِّ (^١) الحَافِظِ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بنَ عَلِيٍّ الرَّازِيَّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي المَنَامِ بِـ "بَغْدَادَ" كَأَنَّهُ فِي مَسْجِدِ "عَتَّابٍ" (^٢)، جَالِسٌ فِي القِبْلَةِ، وَعَلَيْهِ
_________________
(١) = أَبُو طَاهِرِ بنُ سِلَفَةَ، قَالَ: رِزْقُ اللهِ شَيْخُ الحَنَابِلَةِ، قَدِمَ "أَصْبَهَان" رَسُوْلًا مِنْ قِبَلِ الخَلِيْفَةِ إِلَى السُّلْطَانِ، وَأَنَا إِذْ ذَاكَ صَغِيْرٌ، فَشَاهَدْتُهُ يَوْمَ دُخُوْلهِ كَانَ يَوْمًا مَشْهُوْدًا كَالعِيْدِ، بَلْ أَبْلَغُ في المَزِيْدِ، وَأُنْزِلَ بِـ "بَابِ القَصْرِ" مَحِلَّتِنَا، في "دَارِ سُلْطَان"، وَحَضَرْتُ فِي الجَامِعِ الجُورجِيْرِيِّ مَجْلِسَهُ مُتَفَرِّجًا، ثُمَّ لمَّا تَصَدَّيْتُ للسَّمَاعِ قَالَ لِي أَبُو الحَسَنِ أَحْمَدُ بنُ مَعْمَرٍ اللُّنْبَانِيُّ - وَكَانَ مِنَ الأَثْبَاتِ -: قَدِ اسْتَجزْتُهُ لَكَ في جُمْلَةِ مَنْ كَتَبْتُ اسْمَهُ مِنْ صِبْيَانِنَا، فَكَتَبَ خَطَّهُ بِالإجَازَةِ، قَالَ أَبُو غَالبٍ هِبَةُ اللهِ قَصِيْدَة أَوَّلها: بِمُقْدَمِ الشَّيْخِ رِزقُ الله قَدْ رزِقَتْ … أَهْلُ أصْبَهَانَ أَسَانِيْدًا عَجِيْبَاتِ يَقُوْلُ الفَقِيْرُ إلَى الله تَعَالَى عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ سُلَيْمَان العُثَيْمِيْنَ - عَفَا اللهُ عَنْهُ -: يَكُوْنُ عُمْرُ الحَافِظِ السِّلَفِيِّ عِنْدَ إِجَازَتِهِ تِلْكَ لَا يَتَجَاوزُ ثَمَانِ سِنِيْنَ؛ لأنَّ مَوْلِدَهُ سَنَةَ (٤٧٥ هـ) وَوُروْدُ رِزْقُ اللهِ إِلَى "أَصْبَهَانَ" سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِيْنَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ رَوَى عَنْ رِزْقِ اللهِ كَثيْرٌ مِنْ أهْلِ الأنْدَلُس يُرَاجَعُ مَثلًا: الصِّلَةُ لابنِ بشكوال (٤٥٢)، وَصِلَةُ الصَّلَةِ (٣/ ١٧٩)، وَالذَّيْلُ وَالتَّكْمِلَةُ (١/ ٢٠٤)، وَفِيْهِ رَفْعُ نَسَبِهِ وَالحَدِيْث عَنْ هَذَا النَّسَبِ نَقْلًا عَنِ الأَمِيْرِ في "الإِكْمَالِ" وَالقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ الصَّدفي .. وَالذَّيْلُ والتَّكْمِلَةُ أيْضًا (٤/ ٧)، وَنَفْحُ الطِّيْبِ (٢/ ٥٧٥، ٣/ ١١١، ١١٢)، وَالمُتَتَبِّعُ لِأَسَانِيْدِ الأَنْدَلُسِيِّيْن يَظْفَرُ بِأَعدَادٍ كَبِيْرَةٍ.
(٢) في (ط) بطَبْعَتَيْهِ: "الجَوْزِيّ" وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى ذلِك فِيْمَا مَضَى.
(٣) بَغْدَاد مَدِيْنَةُ السَّلامِ للدُّكتور صالح أَحْمَد العَلي (٢/ ١٥٨)، ونَقَلَ عن تَارِيْخِ ابنِ النَّجَّارِ (٢/ ٢٢٤) "الَّذِي كَانَ يُدَرِّسُ فيه عُثْمَانُ بنُ مُحَمَّدٍ الشَّامِيُّ" وَفَاتَتْهُ هَذِهِ الإشَارَةُ.
[ ١ / ١٨٢ ]
بُرْدٌ كُحْليٌّ (^١)، وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ بِسَيْفٍ، وَالمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَفِي الجَمَاعَةِ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ وَهُوَ يَقُوْلُ لَهُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، ادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ - وَأَنَا أَقُوْلُ مَعَهُ -: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ حُسْنَ الاخْتِيَارِ فِي جَمِيْعِ الأَقْدَارِ، وَنَعُوْذُ بِكَ مِنْ سُوْءِ الاخْتِيَارِ فِي جَمِيْعِ الأَقْدَارِ.
قَالَ أَحْمَدُ بنُ طَارِقٍ الكَرْكِيُّ (^٢): سَمِعْتُ أَبَا الكَرَمِ الشَّهْرَزُوْرِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ التَّمِيْمِيَّ يَقُوْلُ: لَمَّا دَخَلْتُ "سَمَرْقَنْدَ" (^٣) بِرِسَالَةِ المُقْتَدِي إِلَى "مَلِكْشَاه" (^٤) رَأَيْتُهُمْ يَرْوُوْنَ "النَّاسِخَ والمَنْسُوْخَ" لِهِبَةِ الله (^٥) عَنْ خَمْسَةِ رِجَالٍ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: الكِتَابُ مَعِي، وَالمُصْنِّفُ جَدِّي لأُمِّيِّ، وَمِنْهُ سَمْعْتُهُ، وَلكِنْ مَا أُسْمِعُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُم إلَّا بِمَائَةِ دِيْنَارٍ، فَمَا كَانَ الظُّهْرُ حَتَّى جَاءَنِي كِيْسٌ فِيْهِ خَمْسُمَائَةُ دِيْنَارٍ وَالجَمَاعَةُ، فَسَمِعُوا عَلَيَّ، وَسَلَّمُوا إِلَيَّ الذَّهَبَ، قَالَ: وَلمَّا عُدْنَا مِنْ "سَمَرْقَنْدَ" وَدَخَلْنَا "أَصْبَهَانَ" وَأَمْلَيْتُ الحَدِيْثَ يَوْمَ جُمْعَةٍ، فَقَامَ الجَمَاعَةُ وَمَدَحُوْنِي، وَقَالُوا: مَا سَمِعْنَا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا.
_________________
(١) في (ط) بطبعتيه: "كحل".
(٢) أَحْمَدُ بنُ طَارِقٍ الكَركِيُّ، أَبُو الرِّضَا البَغْدَادِيُّ، التَّاجِرُ، المُحَدِّثُ (ت: ٥٩٢ هـ). أَخْبَارُهُ في: العِبَرِ (٣٧٨)، والنُّجُوْمِ الزَّاهِرَةِ (٦/ ١٤٠)، وَهُوَ مَنْسُوْبٌ إِلَى "كَرْكَ" قَرْيَةٌ في أَصْلِ جَبَلِ لُبْنَانَ. وَيُرَاجَعُ: مُعْجَمُ البُلْدَانِ (٤/ ٥١٤)، وَذَكَرَ أَحْمَدُ بنُ طَارِقٍ وَأَطَالَ فِي ذِكْرِهِ.
(٣) مَعَ أَنَّهُ دَخَلَ "سَمَرْقَنْدَ" لم يَرِدْ لهُ ذِكْرٌ في تَارِيْخِهَا "القَنْد في ذَيْل تَارِيْخِ سَمَرْقَنْدَ".
(٤) مَلِكْشَاه بنُ أَلْبَ أَرْسَلَان تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(٥) هِبَةُ اللهِ بنُ سَلَامَةَ البَغْدَادِيُّ، تَقدَّمَ ذكرُهُ.
[ ١ / ١٨٣ ]
وَلأَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ شِعْرٌ حَسَنٌ (^١)، قَالَ ابنُ السَّمْعَانِيُّ: أَنْشَدَنَا هِبَةُ اللهِ بنُ طَاوُوسٍ (^٢) بِـ "دِمَشْقَ"، أَنْشَدَنَا التَّمِيْمِيُّ لِنَفْسِهِ: (^٣)
وَمَا شنَآنُ الشَّيْبِ مِنْ أَجْلِ لَوْنِهِ … وَلكِنَّهُ حَادٍ إِلَى البَيْنِ مُسْرِعُ
إِذَا مَا بَدَتْ مِنْهُ الطَّلِيْعَةُ آذَنَتْ … بِأَنَّ المَنَايَا خَلْفَهَا تَتَطَلَّعُ
فَإِنْ قَصَّهَا المِقْرَاضُ صَاحَتْ بِأُختِهَا … فَتَظْهَرُ تَتْلُوْهَا ثَلَاثٌ وَأَرْبَعُ
_________________
(١) ذَكَرَهُ عِزُّ الدِّيْنِ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ جَمَاعَةَ الكِنانِيُّ في كِتَابِهِ "التَّعْلِيْقَةِ في أَخْبَار الشُّعَرَاءِ" وَتَرْجَمَ لَهُ، وَلابْنِهِ أَبِي الفَضْل، وَأَوْرَدَ مَجْمُوْعةً مِنْ أَشْعَارِهِ وَأَخْبَارِهِ (الوَرَقَات: ١٩٧ - ١٩٩) نُسْخَةٌ مُصَوَّرَةٌ عَنِ المَكْتَبَةِ الوَطَنِيَّةِ ببارِيْسَ أهْدَاهَا إِليَّ أَخِي الكَرِيْم الدُّكتور عَبْدُ اللهِ بنُ صَالح الفَلَاحُ، وَكُنْتُ قَدْ أَرْشَدْتُهُ إِلَيْهَا، فَصَوَّرَهَا مِنْ هُنَاكَ.
(٢) هُوَ هِبَةُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَلِيِّ بنِ طَاوُوس، أَبُو مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ، ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ (ت: ٥٣٦ هـ) إِمَامُ جَامِعِ دِمَشْقَ، مُقْرِئٌ، مُحَدِّثٌ، صَدُوْقٌ، صَحِيْحُ السَّمَاعِ، وَثَّقه ابنُ عَسَاكِر وَغَيْرُهُ. وَذَكَرُوا في شُيُوْخِهِ رِزْقُ اللهِ التَّمِيْمِيُّ، وَذَكَرُوا مِمَّن رَوَى عَنْهُ السَّمْعَانِيَّ وَلَمْ يُذْكَرْ في مُعْجَمَيْ شُيُوْخِهِ لا في "التَّحْبِيْرِ" ولا فِي "المُنْتَخَبِ". أَخْبَارُهُ في: الأنْسَابِ (٣/ ٤١٠)، وَالمُنْتَظَمِ (١٠/ ١٠١)، وَمُخْتَصَرِ تَارِيْخِ دِمَشْقَ (٢٧/ ٦٦٥)، وَطَبَقَاتِ الشَّافعِيَّةِ لابنِ السُّبْكِيِّ (٧/ ٣٢٤).
(٣) الأبْيَات في التَّعْلِيْقَةِ لابنِ جَمَاعَةَ (ورقة: ١٩٩). قَالَ: "أَخْبَرَنِي أَبُو الفَضْلِ بنُ أبِي الحُسَيْنِ الدِّمَشْقِيُّ مُكَاتَبَةً وَغَيْرُهُ، عَنْ أَبِي المُظَفَّرِ بنِ عَبْدِ الكَرِيْمِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَنْصُوْرٍ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرِهِ، عَنْ وَالِدِهِ عَبْدِ الْكَرِيْمِ السَّمْعَانِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ هِبَةِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ طَاوُوسٍ المُقْرِئُ، قَالَ: أَنْشَدَنَا رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْميُّ لِنَفْسِهِ، وَأَنْبَأَنَا أَعْلَى مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِدَرَجَة مِنْ مَشَايِخِي، عَنِ ابنِ مَسْلَمةَ، عنِ البَطِّيِّ، عَنْ رِزْقِ اللهِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ.
[ ١ / ١٨٤ ]
وَإِنْ خُضِبَتْ حَالَ الخِضَابُ لأنَّهُ … يُغَالِبُ صُنْعَ اللهِ وَاللهُ أَصْنَعُ
فَيُضْحِي كَرِيْشِ الدِّيْكِ فِيْهِ تَلَمُّعٌ … وَأَقْطَعُ مَا يُكْسَاهُ ثَوْبٌ مُلَمَّعُ
إِذَا مَا بَلَغْتَ الأَرْبَعِيْنَ فَقُلْ لِمَنْ … يَوَدُّكَ فِيْمَا تَشْتَهِيْهِ وَتُسْرِعُ
هَلِمُّوا لِنَبْكِي قَبْلَ فُرْقَةِ بَيْنِنَا … فَمَا بَعْدَهَا عَيْشٌ لَذِيْذٌ وَمَجْمَعُ
وَخَلِّ التَّصَابِي وَالخَلَاعَةَ وَالهَوَى … وَأُمَّ طَرِيْقَ الحَقِّ فَالحَقُّ أَنْفَعُ
وَخُذْ جُنَّةً تُنْجِي وَزَادًا مِنَ التُّقَى … وَصحْبَةَ مَأْمُوْنٍ، فَقَصْدُكَ مُفْزِعُ
قَالَ: وَأَنْشَدَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ، أَنْشَدَنَا التَّمِيْمِيُّ لِنَفْسِهِ (^١):
مَرَرْنَا عَلَى رَسْمِ الدِّيَارِ فَسَلَّمْنَا … وَقُلْنَا لَهُ يَا رَبْعُ أَيْنَ نَأَوْا عَنَّا
وَجُدْنَا بِدَمْعٍ كَالرَّذَاذِ عَلَى الثَّرَى … فَصُمَّ المُنَادَى فَانْصَرَفْنَا وَمَا كُنَّا
وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ رَسْمَ دِيَارِهِمْ … بِهِ كَالَّذِيْ نَلْقَى فَقَدْ زَادَنَا حُزْنَا
_________________
(١) جَاءَ فِي "التَّعْلِيْقَةِ" لابنِ جَمَاعَةَ: "أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ، المُسْنِدُ، المُحَدِّثُ، نَجْمُ الدِّينِ عَبْدُ اللهِ بنُ عليِّ بنِ عُمَرَ الحِمْيَرِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قَالَ: (أَنَا) الشَّيْخُ فَخْرُ الدِّينِ أبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ [بنُ] مُحَمَّدِ بنِ الحَاجِبِ مَنْصُوْرِ بن عَبْدَ اللهِ الأَمِيْنِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَستِّين وَستِّمَائَةَ، قَالَ: (أَنَا) شَمْسُ الدِّينِ أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بنُ هِبَةِ اللهِ بنِ صَصْرَى سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمَائَةَ قَالَ: (أنْبَأَنَا) أَبُو الكَرَمِ المُبَارَكُ بنُ الحُسَيْنِ السَّهْرَوَرْدِيُّ، قَالَ: (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيُّ قَالَ: زُرْتُ قَبْرَ أَبِي فَقُلْتُ عِنْدَهُ (ح) و(أَنْبَأَنِي) أَعْلَى مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِدَرَجَةٍ؛ لكِنْ بِالإِجَازَةِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ مَشَايِخِي عَنْ أَبِي الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ المُقَيَّرِ، عَنْ أَبِي الكَرَمِ السَّهْرَوَرْدِيِّ المَذْكُوْرِ. (ح) و(أَنْبأني) أَبُو حَفْصِ بنُ القَوَّاسِ وَغَيْرَهُ، عَنْ زَيْدِ بنِ الحَسَنِ بنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي القَاسِمِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيِّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيُّ لِنَفْسِهِ".
[ ١ / ١٨٥ ]
فَلَمَّا أَيِسْنَا مِنْ جَوَابِ رُسُوْمِهِمْ … نَزَلْنَا فَقَبَّلْنَا الثَّرَى قَبْلَ أَنْ رُحْنَا
وَمِنْ شِعرِه (^١):
يَا وَيْحَ هَذَا القَلْبِ مَا حَالُهُ … مُشْتَغِلًا فِي الحَيِّ بِلْبَالُهُ
سَكْرَانُ لَوْ يَصْحُو لَعَاتَبَهُ … وَكَيْفَ بِالعُتْبِ لِمَنْ حَالُهُ
دَمْعٌ غَزِيْرٌ وَجَوًى كَامِنٌ … يَرْحَمُهُ مِنْ ذَاكَ عُذَّالُهُ
مَا يَنْثَنِي بِاللَّوْمِ عَنْ حُبِّهِ … تَغَيَّرَتْ فِي الحُبِّ أَحْوَالُهُ
_________________
(١) الأَبْيَاتُ فِي الوَافِي بِالوَفَيَات (١٤/ ١١٣)، وَأَوْرَدَهَا ابنُ جَمَاعَةَ في "التَّعْلِيقَةِ" قَالَ: (أنْبَأَنَا) أَبُو الفَرَجِ ابنُ وُرَّيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بنِ مَحْمُوْدٍ الحَافِظِ، قَالَ: أَنَا أَبُو القَاسِمِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ: أَنْشَدَنَا رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيُّ الفَقِيْهُ الوَاعِظُ لِنَفْسِهِ. وَأَنْشَدَ لَهُ بِالإِسْنَادِ المَذْكُوْرِ قَبْلَ هَذَا الإِسْنَادِ عَنْ أَبِي القَاسِمِ قَالَ: أَنْشَدَنِي رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ لِنَفْسِهِ: أَفِقْ يَا فُؤَادِي مِنْ غَرَامِكَ وَاسْتَمِعْ … مَقَالَةَ مَحْزُوْنٍ عَلَيْكَ شَفِيْقُ عَلِقْتَ فَتَاةً قَلْبُهَا مُتَعَلِّقٌ … بِغَيْرِكَ فَاسْتَوْثَقْتَ غَيْرَ وَثِيْقِ فَأَصْبَحْتَ مَوْثُوْقًا وَرَاحَتْ طَلِيْقَةً … فَكَمْ بَيْنَ مَوْثُوْقٍ وَبَيْنَ طَلِيْقِ وَأَنْشَدَ لَهُ يَاقُوْتٌ الحَمَوِيُّ في "مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ": بِأَبِي حَبِيْبٌ زَارَنِي مُتَنكِّرًا … فَبَدَا الوُشَاةُ لَهُ فَوَلَّى مُعْرِضَا فَكَأَنِّي وَكَأَنَّهُ وَكَأَنَّهُمْ … أَمَلٌ وَنَيْلٌ حَالَ دُوْنَهُمَا القَضَا وَأَنْشَدَ لَهُ أَيْضًا فِي "مُعْجَمِ الأُدَبَاءِ" وَ"مُعْجَمِ البُلْدَانِ": شَارِعُ دَارِ الرَّقِيْقِ أَرَّقَنِي … فَلَيْتَ دَارَ الرَّقِيْقَ لَمْ تَكُنِ بِهِ فَتَاةٌ لِلْقَلْبِ فَاتِنَةٌ … أَنَا فِدَاءٌ لِوَجْهِهَا الحَسَنِ
[ ١ / ١٨٦ ]
قَالَ: وَأَنْشَدَنَا لِنَفْسِهِ: (^١)
وَلَمْ أَسْتَطِعْ يَوْمَ الفِرَاقِ وَدَاعَهُ … بِلَفْظِي فَنَابَ الدَّمْعُ مِنِّي عَنِ القَوْلِ
وَشَيَّعَهُ صَبْرِي وَنَوْمِي كِلَاهُمَا … فَعُدْتُ بِلَا أُنْسٍ نَهَارِي وَلَا لَيْلِي
فَلَمَّا مَضَى أَقْبَلْتُ أَسْعَى مُوَلَّهًا … يَدَيَّ عَلَى رَأْسِي وَنَادَيْتُ يَا وَيْلِي
تَبَدَّلْتُ يَوْمَ البَيْنِ بِالأُنْسِ وَحْشَةً … وَجَرَّرْتُ بِالخُسْرَانِ يَوْمَ النَّوَى ذَيْلِي
وَلَهُ أَيْضًا (^٢):
لَا تَسْأَلَانِي عَنِ الحَيِّ الَّذِي بَانَا … فَإِنَّنِي كُنْتُ يَوْمَ البَيْنِ سَكْرَانَا
يَا صَاحِبَيَّ عَلَى وَجْدِي بِنَعْمَانَا … هَلْ رَاجِعٌ وَصْلُ لَيْلَى كَالَّذِيْ كَانَا
أَمْ ذَاكَ آخِرُ عَهْدٍ لِلِّقَاءِ بِهَا … فَنَجْعَلَ الدَّهْرَ مَا عِشْنَاهُ أَحْزَانَا
مَا ضَرَّهُمْ لَوْ أَقَامُوا يَوْمَ بَيْنَهُمُ … بِقَدْرِ مَا يَلْبَسِ المَحْزُوْنُ أَكْفَانَا
_________________
(١) الأبْيَاتُ فِي "التَّعْلِيقَةِ" لابنِ جَمَاعَةَ بسَنَدِهِ المَذْكُوْرِ.
(٢) الأَبْيَاتُ في "التَّعْلِيْقَة" لابنِ جَمَاعَةَ قَالَ: "وَ(أَنْبَأَنِي) أيْضًا عَنْ عَبْدِ العَزيْزِ المذْكُوْرِ، قَالَ: (أَنَا) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عُبِيْدِ اللهِ بنِ نَصْرٍ الزَّاغُوَنِيُّ قَالَ: (أَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ التَّمِيْمِيُّ فِيْمَا أَنْشَدَ لِنَفْسِهِ" وأنْشَدَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْشَدَ لَهُ ابنُ جَمَاعَةٍ أَيْضًا: وَمَا وَطَنِي إِلَّا الَّذِي تَسْكُنِيْنَهُ … وَلَا مَنْزِلي إِلَّا الَّذِي فِيْهِ أَحْبَابِي بِذِكْرَاكِ أَدْعُو في صَلَاتَي لِأَنَّني … أَرَاكِ إِذَا صَلَّيْتُ فِي صَدْرِ مِحْرَابِي أَقُوْلُ: ولا يَخْفَى مَا فِي هَذَيْن البَيْتَيْنِ مِنْ مُبَالَغَةٍ مَمْجُوْجَةٍ؟! وَأَنْشَدَ لَهُ أَيْضًا: وَقَفَتْ للسَّلَامِ يَوْمَ التَقَيْنَا … وَأَشَارَتْ بِطَرْفِهَا الفَتَّانِ تَدَّعِي حُبَّنَا وَتَصْبِرُ عَنَّا … لَيْسَ هَذَا مِنْ عَادَةِ الفِتْيَانِ مُدَّعِي حُبَّنَا يَمُوْتُ قَتِيْلًا … وَلِصعْبِ الأُمُوْرِ فِيْنَا يُعَانِي
[ ١ / ١٨٧ ]
لَيْتَ الجِمَالَ الَّتِي لِلْبَيْنِ مَا خُلِقَتْ … وَلَيْتَ حَادٍ حَدَا لِلْبَيْنِ حَيْرَانَا
تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّد التَّمِيْمِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - لَيْلَة الثُّلَاثَاءِ خَامِسَ عَشَرَ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابنُهُ أَبُو الفَضْلِ مِنَ الغَدِ، وَدُفِنَ بِدَارِهِ بِـ "بَابِ المَرَاتِبِ" بِإِذْنِ الخَلِيْفَةِ المُسْتَظْهِرِ، وَلَمْ يُدْفَنْ بِهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ. ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ ابنُهُ أَبُو الفَضْلِ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ نُقِلَ مَعَهُ إِلَى مَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ" فَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَبِيْهِ وَجَدِّهِ وَعَمِّهِ، بِدَكَّةِ الإمَامِ أَحْمَدَ عَنْ يَمِيْنِهِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ الصَّالِحِيُّ (^١) (أَثَنَا) أَبُو المَعَالِي أَحْمَدُ بنُ إِسْحَقَ الهَمَذَانِيُّ (أَثَنَا) أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ سَابُوْرَ (^٢)
_________________
(١) لَعَلَّهُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الصَّمَدِ بنِ مَرْجَانَ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الصَّالِحِيُّ المُقْرِئ (ت: ٧٧٤ هـ). أَخْبَارُهُ في: المَقْصَدِ الأرْشَدِ (٢/ ٣٦٥)، وَالدُّرَرِ الكَامِنَةِ (٣/ ٣٦٤) .. وَغَيْرِهِمَا، ولَسْتُ عَلَى يَقِيْنٍ مِنْ ذلِكَ؟! فَلْيُرَاجَعْ. وَزَيْنَبُ هِي بِنْتُ الكَمَالِ، تَقَدَّم ذِكْرُهَا.
(٢) كَذَا في (ط) بطبعتيه وكذلك هو في (د) و(هـ) وفي الباقي: "أَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الله" وَتِلْمِيْذُهُ المَذْكُوْرُ بَعْدَهُ هُوَ أَحْمَدُ بنُ إِسْحَقَ بنِ المُؤَيَّدِ الهَمَذَانِيُّ الأَبَرْقُوْهِي (ت: ٧٠١ هـ) قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ في تَرْجَمَتِهِ: "كَانَ أَبُوْهُ قَاضِي "أَبَرْقُوْه" .. فَأَسْمَعَهُ مْن أِبي بْكرِ بنِ سَابُور سَنَةَ (٦١٩ هـ). . ." وَفِي "ذَيْلِ تَارِيْخِ الإِسْلامِ" فِي تَرْجَمَةِ الأَبَرْقُوْهِيِّ ص (٢٢) عَدَّ في شُيُوْخِهِ: أَبَا بَكْرِ بنِ سَابِقٍ القَلَانِسِيَّ؟!. وَلَا شَكَّ أَنَّ "سَابِقًا" تَحْرِيْف "سَابُوْرٍ". قَالَ الحَافِظُ البَرْزَاليُّ فِي المُقْتَفَى (٢/ ورقة: ٥٩) في تَرْجَمَةِ (الأَبَرْقُوْهِيِّ) أَيْضًا - لَمَّا ذَكَرَ سَمَاعَهُ -: "و"بِشِيْرَازِ" عَلَى أبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَابُوْرٍ القَلَانِسِيِّ في سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَسَتِّمَائة" وَنُسْخَةُ "المُقْتَفَى" هَذِهِ مُتْقَنَةٌ جَيِّدَةٌ. وَلَدَيَّ "مُعْجَم الأبَرْقُوْهِي" المَذْكُوْرِ تَخْرِيْجِ سَعْدِ الدِّيْن مَسْعُوْدٍ الحَارِثِيِّ الحَنْبَلِيِّ نُسْخَةٌ جَيِّدَةٌ أَيْضًا =
[ ١ / ١٨٨ ]
(أَثَنَا) عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَنْصُوْرٍ الشِّيْرَازِيُّ (حَ) وَأَنْبَأَتْنَا زَيْنَبُ بِنْتُ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَكِّيِّ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي الطَّاهِرِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَا: (أثَنَا) أَبُو مُحَمَّدٍ رِزْقُ اللهِ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ بنِ الحَرِثِ بنِ أَسَدِ بنِ اللَّيْثِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ الأَسْوَدِ بنِ سُفْيَانَ بنِ يَزِيْدَ بنِ أُكَيْنَةَ بنِ الهَيْثَم بن عَبْدِ اللهِ التَّمِيْمِيُّ - قَالَ الأَوَّلُ: سَمَاعًا، وَقَالَ الثَّانِي: إِجَازَةً (^١) -: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا الفَرَجِ عَبْدَ الوَهَّابِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا الحَسَنِ عَبْدَ العَزِيْزِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَبَا بَكْرٍ الحَرثَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أَسَدًا يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي اللَّيْثَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبي سُلَيْمَانَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي الأَسْوَدَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي سُفْيَانَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي يَزِيْدَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي أُكَيْنَةَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبي الهَيْثَمَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللهِ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ - ﷺ - يَقُوْلُ: "مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ عَلَى ذِكْرٍ (^٢) إلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ".
"أُكَيْنَةُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وَفَتْحِ الكَافِ، وَبِاليَاءِ وَالنُّوْنِ المَفْتُوْحَةِ، قَيَّدَهُ
_________________
(١) = ذَكَرَ فِيْهَا شَيْخَهُ المَذْكُوْر هُنَا (وَرَقة: ٦٠) كَمَا ذَكَرَ الحَافِظُ البَرْزَالِيُّ تَمَامًا، فَصَحَّ للهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ. وَمِنْ حُسْنِ الطَّالِعِ أَنَّ أَوَّلَ حَدِيْثٍ رَوَاهُ بِسَنَدِ شَيْخِهِ المَذْكُوْرِ هُوَ حَدِيْثِ رِزْقِ اللهِ التَّمِيْمِيِّ المَذْكُوْرِ هُنَا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ فِي إِيْرَادِ الأَسَانِيْدِ، وَكُلِّهَا مُتَّصِلَةٍ بِرِزْقِ اللهِ، ثُمَّ أَوْرَدَ تَرْجَمَتَهُ، وَذَكَرَ في شُيُوْخِهِ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مُحَمَّدٍ … وذكر مَوْلِدَه سَنَةَ (٥٤٢ هـ) بـ "شِيْرَاز" وَلَم يَذْكُرْ وَفَاتَهُ.
(٢) في (ط) بِطبعتيه و(هـ): "قَالَ: سَمِعْتُ".
(٣) في (ط) بطبعتيه: "عَلَى ذِكْرِ اللهِ" في (ط) الدُّكتور هنري لاووست، وَالدُّكتور سَامي الدَّهَّان عَنْ لَفْظِ الحَدِيْثِ في "فَتْحِ البَارِي" وَ"مُسْنَدِ أَحْمَدَ"، وفي (ط) الفقي زَادَهَا وَلَمْ يُشِرْ.
[ ١ / ١٨٩ ]
ابنُ مَاكُوْلَا وَغَيْرُهُ. وَعَبْدُ اللهِ هَذَا هُوَ ابنُ الحَارِثِ بنِ سَيْدَانَ بنِ مُرَّةَ بنِ سُفْيَان بنِ مُجَاشِعٍ بنِ دَارِمِ بنِ مَالِكِ بنِ حَنْظَلَةَ بنِ مَالِكِ بنِ زَيْدِ مَنَاةَ بنِ تَمِيْمٍ التَّمِيْمِيُّ. كَذَا نَسَبَهُ ابنُ مَاكُوْلًا. وَقَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ عَبْدُ اللهِ هَذَا اسْمُهُ عَبْدَ اللَّاتِ، فَسَمَّاهُ رَسُوْلُ اللهِ - ﷺ -: عَبْدَ اللهِ، وَعَلَّمَهُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى اليَمَامَةِ وَالبَحْرِيْنَ؛ لِيُعَلِّمَهُمْ أَمْرَ دِيْنِهِمْ، وَقَالَ: "نَزَعَ اللهُ مِنْ صَدْرِكَ وَصَدْرِ وَلَدِكَ الغِلَّ وَالغِشَّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".
قَرَأْتُ بِخَطِّ الإمَامِ أَبِي العَبَّاسِ بنِ تَيْمِيَّةَ: أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ وَافَقَ جَدَّهُ أَبَا الحَسَنِ عَلَى كَرَاهَةِ المَاءِ المُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ.
وَنَقَلَ بَعْضُ الأَصْحَابِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيِّ: أَنَّهُ اخْتَارَ أَنَّ خُرُوْجَ المَنِيِّ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ يُوْجِبُ الغُسْلَ.
وَذَكَرَ ابنُ الصَّيْرَفِيِّ (^١) في "نَوَادِرِهِ" قَالَ: نَقَلَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ: المَرْأَةُ تَعْدِمُ المَاءَ، وَيَكُوْنُ عِنْدَهُ مُجْتَمَعُ الفُسَّاقِ، فَتَخَافَ أَنْ تَخْرُجَ: أتَتَيَمَّمُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ فِي "شَرْحِ الإِرْشَادِ": يَتَوَجَّهُ أَنْ تَتَيَمَّمَ؛ لأنَّهُ ضَرُوْرَةٌ، وَهَلْ تُعِيْدُ الوُضُوْءَ إِذَا قَدَرَتْ عَلَى المَاءِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا: لَا إِعَادَةَ عَلَيْهَا. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ العَزِيْزِ (^٢) يَقُوْلُ: تُعِيْدُ الوَضُوْءَ وَالصَّلَاةَ إِذَا قَدَرَتْ، فَإِنْ لَمْ تُعِدْ فَلَا جُنَاحَ، وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا إِعَادَةَ، قَالَ:
_________________
(١) ابنُ الصَّيْرَفِيِّ هُوَ يَحْيَى بنُ أَبِي مَنْصُوْرٍ الحَرَّانِيُّ المَعْرُوْفُ بِـ "ابن الحُبَيْشِيِّ" (ت: ٦٧٨ هـ) ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ.
(٢) هُو المَعْرُوْف بـ "غُلَام الخَلَّالِ" عَبْد العَزِيْز بنُ جَعْفَرٍ (ت: ٣٦٣ هـ) مُتَرْجَمٌ فِي "الطَّبَقَاتِ".
[ ١ / ١٩٠ ]
وَهُوَ الصَّحِيْحُ، وَبِهِ يَقُوْلُ شَيْخُنَا يَعْنِي: ابنَ أَبي مُوْسَى.
قُلْتُ: فَحَقِيْقَةُ الوَجْهَيْنِ فِي الإعَادَةِ إِنَّمِا هِيَ فِي الاسْتِحْبَابِ وَعَدَمِهِ؛ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ قَالَ: فَإِنْ لَمْ تُعِدْ فَلَا حَرَجَ، وَقَدْ ذَكَرَ الأَصْحَابُ: أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أُخْرَى عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْضِي وَتتَيَمَّمُ بَلْ قَالُوا: لَا يَجُوْزُ لَهَا المُضِيُّ إِذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهُمْ.
وَفِي "النَّوَادِرِ" أَيْضًا: أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيَّ حَكَى رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ: بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ عَنْ يَسَارِ الإمَامِ مَعَ الكَرَاهَةِ.
وَفِي "المَنْثُوْرِ" لابنِ عَقِيْلٍ: ذَكَرَ شَيْخُنَا (^١) فِي "الجَامِعِ الكَبِيْرِ": إِذَا فَصَدَ، وَشَدَّ العِصَابَةَ: مَسَحَ عَلَيْهَا وَتَيَمَّمَ، فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيْمِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ جُرْحًا فَيَتَيَمَّمُ لَهُ، أَوْ مِثْلَ الجَبِيْرَةِ فَيَمْسَحَهُ فَقَطْ، فَقَالَ القَاضِي: وَجَدْتُهُ عَنْ أَحْمَدَ كَذلِكَ - يَعْنِي: جَوَابَ التَّمِيْمِيِّ -.
وَذَكَرَ ابنُ الجَوْزِيِّ فِي "تَارِيْخِهِ": أَنَّ جَلَالَ الدَّوْلَةِ أَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ شَاهِنْشَاه الأَعْظَمَ مَلِكَ المُلُوْكِ، وَخُطِبَ لَهُ بِذلِكَ، فَنَفَرَ العَامَّةُ، وَرَجَمُوا الخُطَبَاءَ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ، وَذلِكَ سَنَةَ تِسْعِ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِمَائَةَ، فَاسْتُفْتِيَ الفُقَهَاءُ فَكَتَبَ الصَّيْمَرِيُّ (^٢): أَنَّ هَذِهِ الأَسْمَاء يُعْتَبَرُ فِيْهَا القَصْدُ وَالنِّيَّةُ،
_________________
(١) هو القَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَجَامِعُهُ الكَبِيْر هُوَ نَفْسُهُ "التَّعْلِيْقَةُ فِي مَسَائِلِ الخِلَافِ".
(٢) لَعَلَّهُ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ، أَبُو عَبْدِ الله الصَّيْمَرِيُّ، القَاضِي العَلَّامَةُ الحنَفِيُّ (ت: ٤٣٦ هـ). أَخْبَارُهُ في: سِيَرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٧/ ٦١٥)، وَالجَوَاهِرِ المُضِيَّة (٢/ ١١٦)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٢٥٦)، مَنْسُوْبٌ إِلَى "صَيْمَرِ" نَهْرٌ مِنْ أَنْهَارِ "البَصْرَةِ" عَلَيْهِ عَدَّةُ قُرّى. =
[ ١ / ١٩١ ]
وَكَتَبَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ (^١): أَنَّ إِطْلَاقَ مَلِكِ المُلُوْكِ جَائِزٌ، وَيَكُوْنُ مَعْنَاهُ: مَلِكُ مُلُوْكِ الأَرْضِ، وَإِذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: "قَاضِيْ القُضَاةِ"، وَ"كَافِي الكُفَاةِ"، جَازَ أَنْ يُقَالَ: "مَلِكُ المُلُوْكِ". وَكَتَبَ التَّمِيْمِيُّ نَحْوَ ذلِكَ، وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الهَمَذَانِيّ (^٢): أَنَّ القَاضِي المَاوَرْدِيُّ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ ذلِكَ.
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: وَالَّذِي ذَكَرَهُ الأَكْثَرُوْنَ هُوَ القِيَاسُ إِذَا قُصِدَ بِهِ مُلُوْكُ الدُّنْيَا، إلَّا أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا مَا رَآهُ المَاوَرْدِيُّ؛ لأنَّهُ قَدْ صَحَّ فِي الحَدِيْثِ مَا يَدُلُّ عَلَى المَنْعِ، لكِنَّهُمْ عَنِ النَّقْلِ بِمَعْزِلٍ، ثُمَّ سَاقَ حَدِيْثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيْحَيْنِ. وَابنُ الجَوْزِيِّ وَافَقَ عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِـ "قَاضِي القُضَاةِ" وَنَحْوِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ القَيِّمِ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: وَفِي مَعْنَى ذلِكَ - يَعْنِي: مَلِكَ المُلُوْكِ - كَرَاهِيَةُ التَّسْمِيَةِ بـ "قَاضِي القُضَاةِ"، وَ"حَاكِمِ الحُكَّامِ" فَإِنَّ حَاكِمَ الحُكَّامِ فِي الحَقِيْقَةِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الدِّيْنِ وَالفَضْلِ يَتَوَرَّعُوْنَ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ "قَاضِي
_________________
(١) = مُعْجَمُ البُلْدَانِ (٣/ ٤٩٨).
(٢) هُوَ طَاهِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ طَاهِرٍ، أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ الشَّافِعِيُّ الإمَامُ العَلَّامَةُ (ت: ٤٥٠ هـ). أَخْبَارُهُ في: سِيْرِ أَعْلامِ النُّبَلاءِ (١٧/ ٦٦٨)، وَطَبَقَاتِ الشِّيْرَازِيِّ (١٢٧)، وَالشَّذَرَاتِ (٣/ ٢٨٤).
(٣) مُحَمَّد بنُ عَبدِ المَلكِ الهَمَذَانِيُّ هُوَ المَعْرُوْفُ بـ "الكَرَجِيِّ" (ت: ٥٣٢ هـ) تَقَدَّم الحَديْثُ عَنْهُ في تَرْجَمَةِ شَيْخِ الإِسْلَامِ الأَنْصَارِيِّ (ت: ٤٨١ هـ) والمَاوَرْدِيُّ هو الإمَامُ العَلَّامَةُ المَشْهُوْرُ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَبِيْبٍ (ت: ٤٠٥ هـ) صَاحِبُ "الحَاوِي" في الفِقْهِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ. يُرَاجَعُ: تَارِيْخُ بَغْدَادَ (١٢/ ١٠٢)، وَطَبَقَاتُ الفُقَهَاءِ (١٣١).
[ ١ / ١٩٢ ]
القُضَاةِ"، وَ"حَاكِمِ الحُكَّامِ" قِيَاسًا عَلَى مَا يُبْغِضُهُ اللهُ وَرَسُوْلُهُ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِـ "مَلِكِ الأَمْلَاكِ"، وَهَذَا مَحْضُ القِيَاسِ.
قُلْتُ: وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو عُمَرَ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ جَمَاعَةٍ (^١) الكِنَانِيُّ الشَّافِعِيُّ - قَاضِي الدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ، وَابْنُ قَاضِيْهَا - يَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يُخَاطِبُوْهُ بِـ "قَاضِي القُضَاةِ" أَوْ يَكْتُبُوا لَهُ ذلِكَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبْدِلُوا ذلِكَ بِـ "قَاضِي المُسْلِمِيْنَ" وَقَالَ: إِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَأْثُوْرٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁.
يُوْضِحُ ذلِكَ: أَنَّ التَّلْقِيْبَ (^٢) بِـ "مَلِكِ المُلُوْكِ" إِنَّمَا كَانَ مِنْ شَعَائِرِ مُلُوْكِ الفُرْسِ مِنَ الأَعَاجِمِ المَجُوْسِ وَنَحْوِهِمْ، وَكَذلِكَ كَانَ المَجُوْسُ يُسَمُّوْنَ قَاضِيْهِم "موبَذ مُوبَذان" يَعْنُوْنَ بذلِكَ: قَاضِي القُضَاةِ. فَالكَلِمَتَانِ مِنْ شَعَائِرِهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي التَّسْمِيَةُ بِهِمَا (^٣). وَاللهُ أَعْلَمُ.