_________________
(١) المُبَاركُ بنُ كَامِلِ بنِ أَبِي غَالِبٍ، أَبُو بَكْرٍ الخَفَّافُ الحَنْبَلِيُّ البَغْدَادِيُّ الظَّفَرِيُّ (ت: ٥٤٣ هـ)، ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ فِي مَوْضِعِهِ كَمَا سَيَأْتِي.
(٢) ٥٢ - ابنُ أبي عِمَامَةَ البَقَّالُ (٤٢٩ - ٥٠٦ هـ): لَمْ يذكُرْهُ القَاضِي أَبُو الحُسَيْنِ بْنِ أَبي يَعْلَى في "الطَّبَقَاتِ". وَأَخْبَارُهُ في: مُخْتَصَرِ الذَّيْلِ عَلَى طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ لابنِ نَصْرِ اللهِ (ورَقَة: ١١)، وَالمَقْصَدِ الأَرْشَدِ (٣/ ٣٧)، وَالمَنْهَجِ الأَحْمَدِ (٣/ ٤٧)، وَمُخْتَصَرِهِ "الدُّرِّ المُنَضِّدِ" (١/ ٢٣٠). وَيُرَاجَعُ: المُنْتَظَمُ (٩/ ١٧٣)، وَمُعْجَمُ ابنِ عَسَاكِرٍ (٢/ ١١٤٨)، وَتَكْمِلَةُ الإِكْمَالِ (٥/ ٣٨٠)، وَالكَامِلُ فِي التَّارِيْخِ (١٠/ ٤٩٣)، وَسِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلاءِ (١٩/ ٤٥١)، وَتَارِيْخُ الإِسْلامِ (١٥٠)، وَالعِبَرُ (٤/ ١١)، وَالبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (١٢/ ١٧٥)، وَمِرْآةُ الجِنَانِ (٣/ ١٩٣)، وَتَوْضِيْحُ المُشْتَبَهِ (٨/ ٢٢٤)، وَتَبْصِيْرُ المُنْتَبِهِ (٤/ ١٣٠٤)، وَالنُّجُوْمُ الزَّاهِرَةُ (٥/ ٢٠٥)، وَشَذَرَاتُ الذَّهَبِ (٤/ ١٤، ١٥) (٦/ ٢٣). وَرَوَى عَنْهُ الحَافِظُ السِّلَفِيُّ فِي "المَشْيَخَةِ البَغْدَادِيَّةِ" (ورقة: ٣٨) قَالَ: "أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ المُعَمَّرُ بنُ عَلِيِّ بنِ المُعَمَّرِ بنِ عَبْدِ اللهِ الوَاعِظُ يُعْرَفُ بـ "ابنِ أَبِي عِمَامَةَ الفَامِيِّ. . .". وَأَخُوْهُ: عُثْمَانُ بنُ عَلِيِّ بنِ المُعَمَّرِ بنِ أَبي عِمَامَةَ، سَيَأْتِي فِي اسْتِدْرَاكِنَا عَلَى وَفَيَاتِ سَنَةَ (٥١٧ هـ) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
[ ١ / ٢٤٨ ]
الفَقِيْهُ، الوَاعِظُ، رَيْحَانَةُ البَغْدَادِيِّيْنَ، وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعَمِائَةَ، وَسَمِعَ مِنِ ابْنِ غَيْلَانِ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الخَلَّالِ، وَالجَوْهَرِيِّ، وَأَبِي القَاسِمِ الأَزَجِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ فَقِيْهًا مُفْتِيًا، وَوَاعِظًا بَلِيْغًا فَصِيْحًا، لَهُ قَبُوْلٌ تَامٌّ، وَجَوَابٌ سَرِيْعٌ، وَخَاطِرٌ حَادٌّ، وَذِهْنٌ بَغْدَادِيٌّ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي حِدَّةِ الخَاطِرِ، وَسُرْعَةِ الجَوَابِ بِالمُجُونِ، وَطِيْبِ الخُلُقِ، وَلَهُ كَلِمَاتٌ فِي الوَعْظِ حَسَنَةٌ، وَرَسَائِلُ مُسْتَحْسَنَةٌ، وَجُمْهُوْرَ وَعْظِهِ حِكَايَاتُ السَّلَفِ، وَكَانَ يَحْصُلُ بِوَعْظِهِ نَفْعٌ كَثيرٌ، وَكَانَ فِي زَمَنِ أَبِي عَلِيِّ عَبْدُ اللهِ بنِ (^١) الوَلِيدِ، شَيْخِ المُعْتَزِلَةِ، يَجْلِسُ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَلْعَنُ المُعْتَزِلَةَ.
وَخَرَجَ مَرَّةً فَلَقِيَ مُغَنِيَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِ تُرْكِيٍّ، فَقَبَضَ عَلَى عُوْدِهَا وَقَطَّعَ أَوْتَارَهَا، فَعَادَتْ إلَى التُّرْكِيِّ فَأَخْبَرَتْهُ، فَبَعَثَ مَنْ كَبَسَ دَارَ أَبِي سَعْدٍ، وَأُفْلِتَ، وَاجْتَمَعَ (^٢) بِسَبَبِ ذَلِكَ الحَنَابِلَةُ، وَطَلَبُوا مِنَ الخَلِيْفَةِ إزَالَةَ المُنْكَرَاتِ كُلِّهَا، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُ ذْلِكَ فِي تَرْجَمَةِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ (^٣)، وَكَانَ أَبُو سَعْدٍ يَعِظُ بِحَضْرَةِ الخَلِيْفَةِ المُسْتَظْهِرِ وَالمُلُوْكِ، وَقَالَ يَوْمًا لِلْمُسْتَظْهِرِ فِي وَعْظِهِ: أَهْوَنُ مَا عِنْدَهُ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ أَبْوَابَ العِرْضِيِّ (^٤) تَوَابِيْتَ وَوَعَظَ نِظَامَ المُلْكِ الوَزِيْرَ مَرَّةً بِجَامِعِ المَهْدِيِّ، فقَالَ: الحَمْدُ للهِ وَلِيِّ الإِنْعَامْ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى
_________________
(١) في (ط) بِطَبْعَتَيْهِ: "أَبِي عَلِيِّ بن الوَلِيْد" وَتَقَدَّمَ التَّعْرِيْفِ بِهِ في تَرْجَمَةِ الشَّرِيْفِ أَبِي جَعْفَرٍ.
(٢) في (أ) و(ب): "وَاحْتَجُّوا. .".
(٣) يُرَاجَعُ ص (٣٦).
(٤) في (ط) بطبعتيه و(هـ): "العراض".
[ ١ / ٢٤٩ ]
مَنْ هُوَ لِلأَنْبِيَاءِ خِتَامْ، وَعَلَى آلِهِ سُرُجِ الظَّلَامْ، وَعَلَى أَصْحَابِهِ (^١) الغُرِّ الكِرَامْ، وَالسَّلَامُ عَلَى صَدْرِ الإسْلَامْ، وَرَضِيَّ الإمَامْ، زَيَّنَهُ اللهُ بِالتَّقْوَى، وَخَتَمَ عَمَلَهُ (^٢) بِالحُسْنَى، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ خَيْرِ الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، مَعْلُوْمٌ يَا صَدْرَ الإسْلَامِ، أَنَّ آحَادَ الرَّعِيَّةِ مِنَ الأَعْيَانِ مُخَيَّرُوْنَ فِي القَاصِدِ وَالوَافِدِ، إِنْ شَاءُوا وَصَلُوا وَإِنْ شَاءُوا فَصَلُوا، وَأَمَّا مَنْ تَوَشَّحَ بِوِلَايَةٍ فَلَيْسَ مُخَيَّرًا فِي القَاصِدِ وَالوَافِدِ؛ لِأَنَّ مَنْ هُوَ عَلَى الخَلِيْفَةِ أَمِيْرٌ، فَهُوَ فِي الحَقِيْقَةِ أَجِيْرٌ، قَدْ بَاعَ زَمَنَهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ نَهَارِهْ مَا يَتَصَرَّفُ فِيْهِ عَلَى اخْتِيَارِهْ، وَلَا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ نَفْلًا، وَلَا يَدْخُلَ مُعْتَكَفًا، دُوْنَ الصَّدَدِ لِتَدْبِيْرِهِمْ، وَالنَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ؛ لِأَنَّ ذلِكَ فَضْلٌ، وَهَذَا فَرْضٌ لَازِمٌ. وَأَنْتَ يَا صَدْرَ الإسْلَامِ وَإِنْ كُنْتَ وَزِيرَ الدَّوْلَةِ، فَأَنْتَ أَجِيْرُ الأُمَّةِ، اسْتَأْجَرَكَ جَلَالُ الدَّوْلَةِ بِالأُجْرَةِ الوَافِرَهْ؛ لِتَنُوْبَ عَنْهُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَهْ (^٣) فَلْتُجِيْبَ عَنْهُ رَبَّ العَالَمِيْنَ؛ فَإِنَّهُ سَيَقِفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ: مَلَّكْتُكَ البِلادْ، وَقَلَّدْتُكَ أَزِمَّةَ العِبَادْ، فَمَا صَنَعْتَ فِي إفَاضَةِ البَذْلِ، وَإِقَامَةِ العَدْلِ؟ فَلَعَلَّهُ يَقُوْلُ: يَا رَبِّ اخْتَرْتُ مِنْ دَوْلَتِي
_________________
(١) في (أ) و(ب): "الصَّحَابَةُ".
(٢) في (ط) بطبعتيه و(هـ): "لَهُ".
(٣) بعدها في (ط) بطبعتيه: "فَأمَّا في الدُّنيا ففي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ، وَأَمَّا في الآخرة" وَهَذه الزِّيَادَةُ لَا تُوجَدُ في جَمِيْعِ النُّسَخِ زَادَهَا المُحَقِّقَان الدُّكتور هنري لَاووست والدُّكتور سَامِي الدَّهَّان عَنْ "المُنْتَظَمِ" وَزَادَهَا الشَّيْخُ حامد الفقي دُوْنَ إِشَارَةٍ كَعَادَتِهِ، وَوُجُوْدُهَا ضَرُوْرِيٌّ لكِنَّ اتِّفَاقَ النُّسَخِ عَلَى إِسْقَاطِهَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّهَا سَقَطَتْ مِنَ المُؤَلِّفِ نَفْسِهِ، إِمَّا سَهْوٌ مِنْهُ - ﵀ - وَإِمَّا لِسُقُوْطِهَا مِنْ نُسْخَتِهِ مِن "المُنْتَظَمِ" لِذلِكَ فَمَوْضِعُهَا الهَامِشُ.
[ ١ / ٢٥٠ ]
شُجَاعًا عَاقِلًا، حَازِمًا، فَاضِلًا، وَسَمَّيْتُهُ قَوَامَ الدِّيْنِ، نِظَامَ (^١) المُلْكِ، وَهَا هُوَ قَائِمٌ فِي جُمْلَةِ الوُلَاةِ، وَبَسَطْتُ بِيَدِهِ فِي الشُّرَطِ وَالسَّيْفِ وَالقَلَمِ، وَمَكَّنْتُهُ فِي الدِّيْنَارِ وَالدِّرْهَمِ، فَاسْأَلْهُ يَا رَبِّ: مَاذَا صَنَعَ فِي عِبَادِكَ وَبِلَادِكَ؟ أَفَتُحْسِنُ أَنْ تَقُولَ فِي الجَوَابِ نَعَمْ، تَقَلَّدْتُ أُمُوْرَ البِلَادِ، وَمَلَكْتُ أَزِمَّةَ العِبَادِ، وَبَثَثْتُ النَّوَالَ، وَأَعْطَيْتُ الإِفْضَالَ، حَتَّى إِذَا قَرُبْتُ مِنْ لِقَائِكَ، وَدَنَوْتُ مِنْ تِلْقَائِكَ، اتَّخَذْتُ الأَبْوَابَ وَالبَوَّابَ، وَالحِجَابَ وَالحُجَّابَ؛ لِيَصُدُّوا عَنِّيَ القَاصِدَ، وَيَرُدُّوا عَنِّي الوَافِدَ! فَاعْمُرْ قَبْرِكَ كَمَا عَمَرْتَ قَصْرَكَ، وَانْتَهِزِ الفُرْصَةَ مَا دَامَ الدَّهْرُ يَقْبَلُ أَمْرَكَ، فَلَا تَعْتَذِرْ، فَمَا ثَمَّ مَنْ يَقْبَلُ عُذْرَكَ. وَهَذَا مَلِكُ الهِنْدِ - وَهُوَ عَابِدُ صَنَمٍ - ذَهَبَ سَمْعُهُ (^٢)، فَقَالَ: مَا حَسْرَتِي لِذَهَابِ الجَارِحَةِ مِنْ بَدَنِي، وَلكِنْ تَأَسُّفِي لِصَوْتِ المَظْلُومِ لا أَسْمَعَهُ فَأُغِيْثَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ سَمْعِي فَمَا ذَهَبَ بَصَرِي فَلْيُؤْمَرْ كُلُّ ذِيْ ظَلَامَةٍ أَنْ يَلْبَسَ الأَحْمَرَ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُ عَرَفْتُهُ فَأَنْصَفْتُهُ. وَهَذَا أَنُوشِرْوَانَ قَالَ لَهُ رَسُوْلُ مَلِكِ الرُّوْمِ: لَقَدْ أَقْدَرْتَ عَدُوَّكَ عَلَيْكَ بِتَسْهِيْلِ الوُصُوْلِ إِلَيْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَجْلِسُ هَذَا المَجْلِسَ لأَكْشِفَ ظُلَامَةً وَأَقْضِيَ
_________________
(١) في (ط) بِطَبْعَتَيْهِ: "ونظام .. ".
(٢) بعدها في (ط) بطبعَتَيْهِ: "فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَهلُ مَمْلَكَتِهِ يُعَزُّوْنَهُ بِسَمْعِهِ" وَلَا تُوْجَدُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ في جَمِيع النُّسَخِ، زَادَهَا المُحقِّقَان الدُّكتور هنري لاووست والدُّكتور سامي الدَّهَّان عَن "المُنْتَظَمِ" وَزَادَهَا الشَّيخُ حَامِدٌ الفَقِي دُونَ إِشَارَةٍ، وَوُجُوْدِهَا غَيْرُ ضَرُورِيٌّ وَهِيَ مِمَا يَجُوْزُ حَذْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ، اخْتَصَرَ المُؤلِّفُ عِبَارَة "المُنْتَظم" أَوْ هُو سَهْوٌ مِنْهُ، أَوْ لِعَدَمِ وُجُودِ هَذِهِ العِبَارَةِ في نُسْخَتِهِ مِن "المُنْتَظَمِ" كَمَا قُلْنَا فِي سَابِقِهَا.
[ ١ / ٢٥١ ]
حَاجَةً. وَأَنْتَ يَا صَدْرَ الإِسْلَامِ، أَحَقُّ بِهَذِهِ المَأْثَرَةِ، وَأَوْلَى بِهَذِهِ وَأَحْرَى مَنْ أَعَدَّ جَوَابًا لِتِلْكَ المَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ اللهُ الَّذِي ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ (^١) فِي مَوْقِفٍ مَا فِيْهِ إِلَّا خَاشِعٌ، أَوْ خَاضِعٌ، أَوْ مُقْنِعٌ، فَيَنْخَلِعَ فِيْهِ القَلْبُ، وَيَحْكُمَ فِيْهِ الرَّبُّ، وَيَعْظُمَ فِيْه الكَرْبُ، وَيَشِيْبَ فِيْهِ الصَّغِيْرُ، وَيُعْزَلَ فِيهِ المَلِكُ وَالوَزِيْرُ: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ (^٢) ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (^٣)، وقَدِ اسْتَجْلَبْتُ لَكَ الدُّعَاءَ، وَخَلَّدْتُ لَكَ الثَّنَاءَ، مَعَ بَرَاءَتِي مِنَ التُّهَمَةِ، فَلَيْسَ لِي - بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى -[فِي أَرْضِ اللهِ ضَيْعَةٌ ولَا قَرْيَةٌ، وَلَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ خُصُوْمَةٌ، وَلَا بِي - بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى -] (^٤) فَقْرٌ وَلَا فَاقَةٌ. فَلَمَّا سَمِعَ نِظَامُ المُلْكِ هَذِهِ المَوْعِظَةَ بَكَى بُكَاءً شَدِيْدًا، وَأَمَرَ لَهُ بِمَائَةِ دِيْنَارٍ، فَأَبَى أَنْ يَأخُذَهَا، وَقَالَ: أَنَا فِي ضِيَافَةِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، وَمَنْ يَكُنْ فِي ضِيَافَةِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ يَقْبُحُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ عَطَاءَ غَيْرِهِ، فَقَالَ لَهُ: فُضَّهَا (^٥) عَلَى الفُقَرَاءِ، فَقَالَ: الفُقَرَاءُ عَلَى بَابِكِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ عَلَى بَابِي، وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
تُوُفِّيَ أَبُو سَعْدٍ يَوْمَ الاثْنَيْنِ ثَامِنَ عِشْرِينَ رَبِيْعَ الأَوَّلَ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسَمَائَةَ،
_________________
(١) سُوْرَةُ مَريَمَ، الآية: ٩٠.
(٢) سُورةُ النَّازِعَاتِ.
(٣) سُورةُ آلِ عِمْرَان، الآية: ٣٠.
(٤) ساقط من (أ) و(ب) و(جـ).
(٥) في (أ): "فضُمَّها" وَعَلَى قِرَاءَةِ نُسْخَةٍ أُخْرَى "قَسِّمْهَا".
[ ١ / ٢٥٢ ]
وَدُفِنَ مِنَ الغَدِ بِمَقْبَرَةِ "بَابِ حَرْبٍ"، - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - (٢).
قَالَ ابنُ الجَوْزِيِّ: حَكَى أَبُو المَكَارِمِ بْنُ رُمَيْضَاءَ السَّقْلَاطُوْنِيُّ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعْدٍ بنَ أَبِي عِمَامَةَ فِي المَنَامِ، حِينَ اخْتَصَمَ المُسْتَرْشِدُ وَالسُّلْطَانِ مَحْمُوْدٌ، وَعَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، وَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَهَا هُوَ وَرَائِي، فَالْتَفَتُّ فَرَأَيْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ تَقْصِدُوْنَ؟ قَالَ: إِلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ المُسْتَرْشِدِ بِاللهِ لِنَدْعُوَ لَهُ، فَصَحِبْتُهُمْ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى "الحَرْبِيَّةِ" إِلَى "مَسْجِدِ ابْنِ القَزْوِيْنِيِّ" فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: نَدْخُلُ، فَأَخَذَ الشَّيْخُ مَعَنَا، فَدَخَلَ بَابَ المَسْجِدِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ (^١)، فَإِذَا الصَّوْتُ مِنْ صَدْرِ المَسْجِدِ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، الإِمَامُ قَدْ نُصِرَ، قَالَ: فَانْتَبَهْتُ مَرْعُوْبًا، وَكَانَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ.