بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم ابن الوليد بن منده بن بطّة بن أستندار - واسمه الفيرزان - بن جهار بخت،
[ ١ / ٢٦ ]
العبدى الأصبهانى الإمام الحافظ، أبو القاسم ابن الحافظ الكبير أبى عبد الله بن منده. ومنده لقب إبراهيم جده الأعلى.
ذكره أبو الحسين، وابن الجوزى فى طبقات الأصحاب فى آخر المناقب.
وترجمه ابن الجوزى فى تاريخه، فقال: ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة.
وسمع أباه وأبا بكر بن مردويه، وخلقا كثيرا. وكان كثير السماع، كبير الشأن، سافر فى البلاد، وصنف التصانيف، وخرّج التخاريج. وكان ذا وقار وسمت، وأتباع فيهم كثرة. وكان متمسكا بالسنة، معرضا عن أهل البدع، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لا يخاف فى الله لومة لائم.
وكان سعد بن محمد الزّنجانى يقول: حفظ الله الإسلام برجلين، أحدهما بأصبهان، والآخر بهراة: عبد الرحمن بن منده، وعبد الله الأنصارى.
وقال ابن السمعانى: كان كبير الشأن، جليل القدر، كثير السماع، واسع الرواية. سافر إلى الحجاز وبغداد وهمذان، وخراسان، وصنف التصانيف.
وقال القاضى أبو الحسين: لم يكن فى عصره وبلده مثله فى ورعه وزهده وصيانته، وحاله أظهر من ذلك. وكانت بينه وبين الوالد السعيد مكاتبات.
وقال غيره: سمع أبو القاسم من أبيه، وإبراهيم بن خرشيد قوله، وإبراهيم ابن محمد الجلاب، وأبى جعفر بن المرزبان، وأبى ذر بن الطبرانى، وخلق بأصبهان، ومن أبى عمر بن مهدى، وهلال الحفار، وغيرهما ببغداد. ومن ابن خزيمة الواسطى بها، ومن ابن جهضم بمكة، ومن أبى بكر الحيرى، وأبى سعيد الصيرفى بنيسابور، لكنه لم يرو عن الحيرى كما فعل الأنصارى، وأجاز له زاهر السّرخسى، وتفرد بذلك، ومحمد بن عبد الله الجوزقى، وعبد الرحمن ابن أبى شريح.
وقال أبو عبد الله الدقاق الحافظ: فضائل ابن منده ومناقبه أكثر من أن تعد - إلى أن قال: ومن أنا لنشر فضله؟ كان صاحب خلق وفتوة، وسخاء
[ ١ / ٢٧ ]
وبهاء، والإجازة كانت عنده قوية، وله تصانيف كثيرة، وردود جمّة على المبتدعين والمنحرفين فى الصفات وغيرها.
قال: وكان جذعا فى أعين المخالفين، لا يخاف فى الله لومة لائم - إلى أن قال: ووصفه أكثر من أن يحصى.
وقال يحيى بن منده: كان عمى سيفا على أهل البدع، وهو أكبر من أن يثنى عليه مثلى، كان والله آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، وفى الغدوّ والآصال ذاكرا، ولنفسه فى المصالح قاهرا، أعقب الله من ذكره بالشرّ الندامة. وكان عظيم الحلم كثير العلم، قرأت عليه قول شعبة «من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد» فقال «من كتب عنى حديثا فأنا له عبد»
قلت: قد ذكر عن شيخ الإسلام الأنصارى أنه قال: كانت مضرته فى الإسلام أكثر من منفعته. وعن إسماعيل التيمى أنه قال: خالف أباه فى مسائل، وأعرض عنه مشايخ الوقت، وما تركنى أبى أسمع منه. وكان أخوه خيرا منه.
وهذا ليس بقادح - إن صح - فإن الأنصارى والتيمى وأمثالهما يقدحون بأدنى شئ ينكرونه من مواضع النزاع، كما هجر التيمىّ عبد الجليل الحافظ كوباه على قوله «ينزل بالذات» وهو فى الحقيقة يوافقه على اعتقاده، لكن أنكر إطلاق اللفظ لعدم الأثر به.
قال ابن السمعانى: سمعت الحسين بن عبد الملك يقول: سمعت عبد الرحمن ابن منده يقول: قد تعجبت من حالى مع الأقربين والأبعدين، فإنى وجدت بالآفاق التى قصدتها أكثر من لقيته بها - موافقا كان أو مخالفا - دعانى إلى مساعدته على ما يقوله، وتصديق قوله، والشهادة له فى فعله على قبول ورضى.
فإن كنت صدّقته: سمانى موافقا، وإن وقفت فى حرف من قوله، أو فى شئ من فعله: سمانى مخالفا. وإن ذكرت فى واحد منهما أن الكتاب والسنة بخلاف ذلك: سمانى خارجيا. وإن رويت حديثا فى التوحيد: سمانى مشبها. وإن كان
[ ١ / ٢٨ ]
فى الرؤية: سمانى سالميا. وأنا متمسك بالكتاب والسنة، متبرئ إلى الله من التشبيه، والمثل والضد والند، والجسم والأعضاء والآلات، ومن كل ما ينسب إلىّ ويدّعى علىّ، من أن أقول فى الله تعالى شيئا من ذلك أو قلته، أو أراه، أو أتوهمه، أو أتخذه، أو أنتحله.
قال ابن السمعانى: وسمعت الحسن بن محمد بن الرضى العلوى يقول: سمعت خالى أبا طالب بن طباطبا يقول: كنت أشتم أبدا عبد الرحمن بن منده، فرأيت عمر ﵁ فى المنام، ويده فى يد رجل عليه جبة صوف زرقاء، وفى عينيه نكتة، فسلمت عليه، فلم يردّ على، وقال لى: لم تشتم هذا إذا سمعت اسمه؟ فقيل لى: هذا أمير المؤمنين عمر ﵁، وهذا عبد الرحمن بن منده.
فانتبهت، فأتيت أصبهان، وقصدت الشيخ عبد الرحمن، فلما دخلت عليه صادفته على النعت الذى رأيت فى المنام، وعليه جبة زرقاء. فلما سلمت عليه قال:
وعليك السلام يا أبا طالب، وقبلها ما رآنى ولا رأيته، فقال قبل أن أنطق:
شئ حرمه الله ورسوله يجوز لنا أن نحلّه؟ فقلت: اجعلنى فى حلّ، وناشدته الله وقبّلت بين عينيه. فقال: جعلتك فى حل مما يرجع إلى.
حدّث عن الحافظ أبى القاسم خلق كثير من الحفاظ، والأئمة، وغيرهم، مثل: ابن أخيه يحيى بن عبد الوهاب، وأبى نصر الغازى، وأبى سعد البغدادى، والحسين الخلال، وأبى عبد الله الدقاق، وأبى بكر الباغبان، وروى عنه بالإجازة مسعود الثقفى.
وله تصانيف كثيرة، منها: كتاب «حرمة الدين» وكتاب «الرد على الجهمية» بين فيه بطلان ما روى عن الإمام أحمد فى تفسير حديث «خلق الله آدم على صورته» بكلام حسن. وله كتاب «صيام يوم الشك».
وبأصبهان طائفة من أهل البدع ينتسبون إلى ابن منده هذا، وينسبون إليه أقوالا فى الأصول والفروع، هو منها برئ.
[ ١ / ٢٩ ]
منها: أن التيمم بالتراب يجوز مع القدرة على الماء.
ومنها: أن صلاة التراويح بدعة، وقد ردّ عليهم علماء أصبهان من أهل الفقه والحديث، وبيّنوا أن ابن منده برئ مما نسبوه إليه من ذلك.
توفى فى شوال سنة سبعين وأربعمائة بأصبهان، وشيّعه خلق كثير لا يحصيهم إلاّ الله تعالى.
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بمصر، أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف ابن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن على الحافظ أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد البغدادى، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى عبد الله بن منده، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن المرزبان حدثنا محمد بن إبراهيم الحرانى، حدثنا محمد بن سليمان لوين، حدثنا عبد الحميد بن سليمان عن محمد بن عجلان عن سعيد ابن يسار عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما من امرئ يتصدق بصدقة من كسب طيّب - ولا يقبل الله إلاّ طيّبا - حتى ولو بتمرة، إلاّ أخذها الله بيمينه، ثم ربّاها له كما يربّى أحدكم فلوّه أو فصيله، حتى يوافيه يوم القيامة مثل الجبل العظيم».
قرأت بخط الإمام أبى العباس أحمد بن تيمية ﵀: أن أبا القاسم بن منده كان من الأصحاب، وكان يذهب إلى الجهر بالبسملة فى الصلاة.
وذكر أيضا فى مسائله الماردانيات: أن طائفة من الأصحاب لم يذهبوا إلى صيام يوم الغيم، منهم أبو القاسم بن منده.
وذكر أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن منده قال: قال عمى الإمام - يعنى أبا القاسم ﵀ - علامة الرضا: إجابة الله ﵎ من حيث دعا بالكتاب والسنة. وعلامة الورع: الخروج من الشبهات بالأخبار والآيات. وعلامة القناعة السكوت على الكتاب والسنة فى الوقوف عند الشبهة. وعلامة الإخلاص:
[ ١ / ٣٠ ]
زيادة السرّ على الإعلان فى إيثار قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ على الأقاويل كلها بالإيمان والاحتساب. وعلامة الصبر: حبس النفس فى استحكام الدرس بالكتاب والسنة. وعلامة التسليم: الثقة بالله الحكيم فى قوله، والسكون إلى الله العليم بقول رسوله ﷺ فى جميع الأشياء.
وقال أبو القاسم بن منده فى كتاب «الرد على الجهمية»: التأويل عند أصحاب الحديث: نوع من التكذيب.