بن عبد الله بن البناء البغدادى، الإمام، أبو على المقرئ، المحدّث الفقيه الواعظ، صاحب التصانيف.
ولد سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
وقرأ القراءات السبع على أبى الحسن الحمامى وغيره. وسمع الحديث من هلال الحفار، وأبى محمد السكرى، وأبى الحسن بن رزقويه، وأبى الفتح بن أبى الفوارس، وابن رزقويه، وأبى الحسين بن بشران، وأخيه أبى القاسم، وأبى على بن شهاب، وأبى الفضل التميمى، وخلق كثير.
وتفقه أولا على أبى طاهر بن الغبارى، ثم على القاضى أبى يعلى، وهو من قدماء أصحابه. وحضر عند أبى على بن أبى موسى وناظر فى مجلسه. وتفقه أيضا على أبى الفضل التميمى، وأخيه أبى الفرج.
وقرأ عليه القرآن جماعة، مثل أبى عبد الله البارع، وأبى العز القلانسى، وأبى بكر المزرفىّ.
[ ١ / ٣٢ ]
وسمع منه الحديث خلق كثير. وقرأ عليه الحافظ الحميدى كثيرا.
حدّث عنه ولداه أبو غالب أحمد ويحيى، وأبو الحسين بن الفراء، وأبو بكر ابن عبد الباقى، وابن الحصين، وأبو القاسم بن السمرقندى وغيرهم.
ودرس الفقه كثيرا وأفتى زمانا طويلا.
قال القاضى أبو الحسين: تفقه على الوالد، وعلق عنه المذهب والخلاف، ودرس بدار الخلافة فى حياة الوالد وبعد وفاته. وصنف كتبا فى الفقه والحديث والفرائض، وأصول الدين، وفى علوم مختلفات. وكان متفننا فى العلوم. وكان أديبا شديدا على أهل الأهواء.
وقال ابن عقيل: هو شيخ إمام فى علوم شتى: فى الحديث، والقراءات، والعربية، وطبقة فى الأدب والشعر والرسائل، حسن الهيئة، حسن العبادة. كان يؤدب بنى جردة.
وقال ابن شافع: كان له حلقتان، إحداهما: بجامع المنصور، وسط الرواق.
والأخرى: بجامع القصر، حيال المقصورة، للفتوى والوعظ وقراءة الحديث. وكان يفتى الفتوى الواسعة، ويفيد المسلمين بالأحاديث والمجموعات وما يقرئه من السنن.
وكان نقى الذهن، جيد القريحة، تدل مجموعاته على تحصيله لفنون من العلوم، وقد صنف قديما فى زمن شيخه الإمام أبى يعلى فى المعتقدات وغيرها، وكتب له خطه عليها بالإصابة والاستحسان.
ولقد رأيت له فى مجموعاته من المعتقدات ما يوافق بين المذهبين: الشافعى، وأحمد. ويقصد به تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، مما قد استقر له وجود فى استنباطه، مما أرجو له به عند الله الزلفى فى العقبى. فلقد كان من شيوخ الإسلام النصحاء، الفقهاء الألباء. ويبعد غالبا أن يجتمع فى شخص من التفنن فى العلوم ما اجتمع فيه.
وقد جمع من المصنفات فى فنون العلم فقها وحديثا، وفى علم القراءات والسير،
[ ١ / ٣٣ ]
والتواريخ والسنن، والشروح للفقه، والكتب النحوية إلى غير ذلك جموعا حسنة، تزيد على ثلاثمائة مجموع. كذا قرأته محققا بخط بعض العلماء.
وقال ابن الجوزى: ذكر عنه أنه قال: صنفت خمسمائة مصنف.
وقال أبو نصر بن المجلى، مما ذكره ابن شافع عنه: له مجموعات ومؤلفات فى المذهب، وفيما سواه من المذاهب، وفى الحديث وغيره. وتراجم كتبه مسجوعة على طريقة أبى الحسين بن المنادى.
قال: وكتبت الحديث عن نحو من ثلاثمائة شيخ لم أر فيهم من كتب بخطه أكثر من ابن البناء.
قال: وقال لى هو ﵀: ما رأيت بعينى من كتب أكثر منى.
قال: وكان طاهر الأخلاق، حسن الوجه والشيبة، محبا لأهل العلم مكرما لهم.
توفى ﵀ ليلة السبت خامس رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
وصلّى عليه فى الجامعين: جامع القصر، وجامع المنصور. وكان الجمع فيهما متوفرا جدا. أمّ الناس فى الصلاة عليه: أبو محمد التميمى، وتبعه خلق كثير، وعالم عظيم.
ودفن بباب حرب.
وقد غمزه ابن السمعانى، فقال: سمعت أبا القاسم بن السمرقندى يقول: كان واحد من أصحاب الحديث اسمه الحسن بن أحمد بن عبد الله النيسابورى. وكان قد سمع الكثير. وكان ابن البناء يكشط من التسميع بورى، ويمدّ السّين، وقد صار الحسن بن أحمد بن عبد الله البناء، كذا قيل إنه يفعل هذا.
قال أبو الفرج بن الجوزى: وهذا القول بعيد الصحة؛ لثلاثة أوجه. أحدها:
أنه قال «كذا قيل» ولم يحك عن علمه بذلك. فلا يثبت هذا. والثانى: أن الرجل مكثر، لا يحتاج إلى استزادة لما يسمع. والثالث: أنه قد اشتهرت كثرة رواية أبى على بن البناء. فأين ذكر هذا الرجل، الذى يقال له: الحسن بن أحمد ابن عبد الله النيسابورى؟ ومن ذكره؟ ومن يعرفه؟ ومعلوم أن من اشتهر سماعه لا يخفى، فمن هذا الرجل؟ فنعوذ بالله من القدح بغير حجة. اهـ.
[ ١ / ٣٤ ]
وذكر السلفى عن شجاع الذهلى، والمؤتمن الساجى: أنهما غمزاه أيضا. ولم يفسرا. وفسره السلفى بأنه كان يتصرف فى أصوله بالتغيير والحكّ.
وذكر ابن النجار: أن تصانيفه تدل على قلة علمه، وسوء تصرفه، وقلة معرفته بالنحو واللغة. كذا قال. وابن النجار أجنبى من هذه العلوم فما باله يتكلم فيها؟ وقد وقع لنا الكثير من حديثه عاليا.
فمن ذلك: ما أخبرنا به أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم - بفسطاط مصر - قال: أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد بن الجوزى، أخبرنا أبو المعالى أحمد بن محمد بن الحسين المدارى، أخبرنا أبو على الحسن بن أحمد بن البناء، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا أبو على بن صفوان، حدثنا عبد الله بن محمد القرشى حدثنى الوليد ابن سفيان، حدثنا ابن أبى عدىّ عن شعبة عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر».
ذكر ما وقفت عليه من أسماء مصنفات ابن البناء:
شرح الخرقى فى الفقه، الكامل فى الفقه، الكافى المحدد فى شرح المجرد.
الخصال والأقسام، نزهة الطالب فى تجريد المذاهب، آداب العالم والمتعلم، شرح كتاب الكرمانى فى التعبير، شرح قصيدة ابن أبى داود فى السنة، المنامات المرئية للإمام أحمد: جزء، أخبار الأولياء، والعبّاد بمكة: جزء، صفة العباد فى التهجد والأوراد: جزء، المعاملات والصبر على المنازلات: أجزاء كثيرة. الرسالة فى السكوت ولزوم البيوت: جزء، سلوة الحزين عند شدة الأنين: جزء، طبقات الفقهاء، أصحاب الأئمة الخمسة، التاريخ، مشيخة شيوخه، فضائل شعبان، كتاب اللباس، مناقب الإمام أحمد، أخبار القاضى أبى يعلى: جزء، شرف أصحاب الحديث، ثناء أحمد على الشافعى، وثناء الشافعى على أحمد، وفضائل الشافعى،
[ ١ / ٣٥ ]
كتاب الزكاة وعقاب من فرط فيها: جزء، المفصول فى كتاب الله: جزء، شرح الإيضاح فى النحو الفارسى، مختصر غريب الحديث لأبى عبيد، مرتب على حروف المعجم.