بن عبد الله بن القواس البغدادى، الفقيه الزاهد الورع، أبو الوفاء.
ولد سنة تسعين وثلاثمائة. وقرأ القرآن على أبى الحسن الحمامى، وسمع الحديث من هلال الحفار، وأبى الحسين بن بشران، وأبى نصر بن الزينبى، وأبى الحسين ابن الفضل القطان، وأبى سهل العكبرى وغيرهم.
وتفقه أولا على القاضى أبى الطيب الطبرى الشافعى، ثم تركه وتفقه على
[ ١ / ٣٨ ]
القاضى أبى يعلى، ولازمه حتى برع فى الفقه، وأفتى ودرس. وكانت له حلقة بجامع المنصور للفتوى والمناظرة. وكان يلقى المختصرات من تصانيف شيخه القاضى أبى يعلى درسا، ويلقى مسائل الخلاف درسا. وكان إليه المنتهى فى العبادة والزهد والورع.
ذكر ابن ناصر: أنه كان زاهد وقته فى الطبقة الثانية عشرة.
وذكره ابن السمعانى فى تاريخه، فقال: من أعيان فقهاء الحنابلة وزهادهم.
كان قد أجهد نفسه فى الطاعة والعبادة، واعتكف فى بيت الله خمسين سنة، وكان يواصل الطاعة ليله بنهاره، وكان قارئا للقرآن، فقيها ورعا، خشن العيش انتهى كلامه.
وكانت له كرامات ظاهرة.
ذكر ابن شافع فى ترجمة صاحبه أبى الفضل بن العالمة الإسكافى المقرئ:
أنه كان يحكى من كرامات الشيخ أبى الوفاء أشياء عجيبة.
منها: أنه قال: كنت أحمل معى رغيفين كل يوم، فأعبر - يعنى فى السفينة - برغيف، وأمشى إلى مسجد الشيخ فأقرأ، ثم أعود ماشيا إلى ذلك الموضع، فأنزل بالرغيف الآخر. فلما كان يوم من الأيام، أعطيت الملاح الرغيف، فرمى به واستقله، فألقيت إليه الرغيف الآخر، وتشوش قلبى لما جرى، وجئت الشيخ، فقرأت عليه عادتى، وقمت على العادة، فقال لى: - قف - ولم تجر عادته قط بذلك - ثم أخرج من تحت وطائه قرصا، فقال: اعبر بهذا. فلحقنى من ذلك أمر بان علىّ، ومضيت فعبرت به. وكان ابن العالمة - هذا - قد قرأ على الشيخ أبى الوفاء القرآن بالروايات.
وقال أبو الحسين، وابن الجوزى فى الطبقات: كانت له حلقة بجامع المنصور يفتى ويعظ، وكان يدرس الفقه، ويقرئ القرآن. وكان زاهدا أمارا بالمعروف، نهاء عن المنكر، أقام فى مسجده نحوا من خمسين سنة، وأجهد نفسه فى العبادة وخشونة العيش.
[ ١ / ٣٩ ]
قال ابن السمعانى: سمعت عبد الوهاب بن المبارك الحافظ يقول: سأل واحد أبا الوفاء بن القواس عن مسألة فى حلقته بجامع المنصور، وكان الشيخ ممن قد رأى السائل فى الحمام بلا مئزر، مكشوف العورة، فقال له: لا أجيبك عن مسألتك حتى تقوم ههنا فى وسط الحلقة، وتخلع قميصك وسراويلك، وتقف عريانا، فقال السائل: يا سيدنا، أنا أستحيى، وهذا مما لا يمكن، فقال له:
يا فلان، فهؤلاء الحضور، أو جماعة منهم الذين كانوا فى الحمام، ودخلت مكشفا بلا مئزر، إيش الفرق بين جامع المنصور والحمام؟ فاستحيى الرجل من ذلك.
ثم ذكر فصلا طويلا فى النهى عن كشف العورة، وأجاب عن سؤاله.
وقال ابن عقيل: كان حسن الفتوى، متوسطا فى المناظرة فى مسائل الخلاف إماما فى الإقراء، زاهدا شجاعا مقداما، ملازما لمسجده، يهابه المخالفون، حتى إنه لما توفى ابن الزوزنى، وحضره أصحاب الشافعى - على طبقاتهم وجموعهم - فى فورة أيام القشيرى وقوتهم بنظام الملك حضر، فلما بلغ الأمر إلى تلقين الحفار قال له: تنحّ حتى ألقنه أنا، فهذا كان على مذهبنا، ثم قال: يا عبد الله وابن أمته، إذا نزل عليك ملكان فظّان غليظان، فلا تجزع ولا ترع، فإذا سألاك فقل:
رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، لا أشعرى ولا معتزلى، بل حنبلى سنّى. فلم يتجاسر أحد أن يتكلم بكلمة، ولو تكلم أحد لفضخ رأسه أهل باب البصرة.
فإنهم كانوا حوله قد لقّن أولادهم القرآن والفقه، وكان فى شوكة ومنعة، غير معتمد عليهم، لأنه أمة فى نفسه.
حدّث عن الشيخ أبى الوفاء جماعة، منهم: عبد الوهاب الأنماطى، وأبو القاسم ابن السمرقندى، وعلىّ بن طراد الزينبى، والقاضى أبو بكر الأنصارى، وغيرهم.
وتوفى يوم الجمعة سابع عشر شعبان سنة ست وسبعين وأربعمائة. ودفن إلى جانب الشريف أبى جعفر بدكة الإمام أحمد ﵁، ليس بينه وبينه غير قبر الشريف رحمه الله تعالى.
[ ١ / ٤٠ ]
قرئ على أبى عبد الله محمد بن إسماعيل الأيوبى - بالقاهرة وأنا أسمع -:
أخبرنا أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم الحرانى، أخبرنا أبو على بن أبى القاسم ابن الحريف، أخبرنا القاضى أبو بكر بن محمد بن عبد الباقى، أخبرنا أبو الوفاء ابن القواس، أخبرنا أبو سهل العكبرى، حدثنا إبراهيم بن أحمد الخرقى، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سابور، حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا الفضل بن حرب البجلى، حدثنا عبد الرحمن بن بديل عن أبيه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «لكل شئ حلية، وإنّ حلية القرآن: الصوت الحسن».
ذكر أبو الحسن بن البناء فى كتاب «أدب العالم والمتعلم»: أنه حدث فى زمانه مسألة، وهى: هل يجوز أن يقرأ على المحدّث الثقة كتاب، ذكر أنه سماعه، وليس هناك خط يشهد به من شيخ ولا غيره؟ وأن فقهاء عصرهم اتفقوا على جواز ذلك وكتبوا به خطوطهم، وذكر خلقا ممن أفتى بذلك. أولهم: أبو محمد التميمى من أصحابنا. وقال: الخط عادة محدثة، استظهرها المحدثون من غير إيجاب لها.
وكتب أبو إسحاق الشيرازى تحت خطه: جوابى مثله.
قال ابن البناء: وكتبت أنا: المحدث الثقة: القول قوله فى ذلك، ولو رأوا سماعه فى كتاب، حتى يقول المحدّث: «ما سمعته» لم يجز أن يقرأ عليه والسلف ﵃، على هذا كانوا يحدثون بالأحاديث، وأكثرهم يذكرها من حفظه، ويسمعونها منهم، وإن لم يظهروا خط من حدّثهم به.
قال: وبلغنى أن الشريف الأجل أبا جعفر بن أبى موسى كذلك أفتى.
وذكر أجوبة كثيرة، منها: جواب ابن القواس. ولفظه: الظاهر العدالة، يقنع بمجرد قوله، ولا يطالب بخط من أسند عنه من شيوخه، وكتبه ابن القواس الحنبلى.
وذكر مثل ذلك عن قاضى القضاة أبى عبد الله بن الدامغانى، وأبى نصر ابن الصباغ، وأبى بكر الشامى وغيرهم.
[ ١ / ٤١ ]
وذكر أن مثل هذه المسألة وقع مرتين فيما تقدم، وأن الفقهاء والمحدثين اتفقوا على السماع بذلك، منهم: الحافظ أبو عبد الله الصورى قال: وامتنع من السماع بذلك نفر، لا يعتد بخلافهم. قال: ولا أعلم أحدا يخالف فى هذه المسألة من فقهاء العصر والمتقدمين قبلهم، من أئمة أصحاب الحديث: المتقدمين العلماء، والمتأخرين البلغاء.
قلت: وقد وقع فى المائة السابعة مثل هذه المسألة فى صحيح مسلم لما قال القاسم الإربلى: سمعته من المؤيد الطوسى، فقبل ذلك منه. وسمع عليه الكتاب غير مرة، وسمعه منه الحفاظ والفقهاء. وأفتى بالسماع عليه جماعة، منهم: قاضى القضاة شمس الدين بن أبى عمر المقدسى.