بن عبد الوهاب بن جلبة، البغدادى ثم الحرانى الجزار، أبو الفتح قاضى حرّان.
اشتغل ببغداد، وتفقه بها على القاضى أبى يعلى، وسمع الحديث من البرقانى، وأبى طالب العشارى، وأبى على بن شاذان، وأبى على بن شهاب العكبرى، والقاضى أبى يعلى، وغيرهم. ثم استوطن حران، وصحب بها الشريف أبا القاسم الزيدى، وأخذ عنه، وتولى بها القضاء.
قال ابن السمعانى: بغدادى سكن حران، وولي بها القضاء، وعمل المظالم، وكان فقيها واعظا فصيحا.
وذكره أبو الحسين فى الطبقات، ونسبه إلى حران.
ورأيت بخط نفسه فى نسبه «الحرانى».
قال أبو الحسين: وقدم بغداد من ثغر حران قاصدا لمجلس الوالد، وطالبا لدرس الفقه عليه، فتفقه عليه، وكتب كثيرا من مصنفاته. وكان يلى قضاء حرّان من
[ ١ / ٤٢ ]
من قبل الوالد، كتب له عهدا بولاية القضاء بحران، وكان ناشرا للمذهب، داعيا إليه. وكان مفتى حران، وواعظها وخطيبها ومدرسها.
قلت: وله تصانيف كثيرة، قال أبو عبد الله بن حمدان: اختصر المجرد، وله: «رءوس مسائل» و«أصول فقه» و«أصول دين». وله أيضا - مما لم يذكره ابن حمدان -: «كتاب النظام بخصال الأقسام».
وسمع منه الحديث جماعة، منهم: هبة الله بن عبد الوارث الشيرازى، ومكى الرّميلى، وغيرهما. وفى زمانه كانت حران لمسلم بن قريش صاحب الموصل، وكان رافضيا، فعزم القاضى أبو الفتح على تسليم حرّان إلى «جبق» أمير التركمان لكونه سنيا، فأسرع ابن قريش إلى حران وحصرها، ورماها بالمنجنيق، وهدم سورها وأخذها، ثم قتل القاضى أبا الفتح وولديه، وجماعة من أصحابه، وصلبهم على السور سنة ست وسبعين وأربعمائة. وقبورهم ظاهرة بحران تزار رحمة الله عليهم.
أنبأتنى زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسى عن عبد الرحمن بن مكى الحاسب، أخبرنا جدى أبو طاهر أحمد بن محمد السلفى قال: أخبرنا أبو الفتح أحمد بن محمد بن حامد الأسدى الحرانى - بما كسين، وكان قد ولى قضاءها - قال:
كتب إلىّ أبو طالب محمد بن على بن الفتح العشارى من بغداد. وحدثنا عنه أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد بن جلبة القاضى - بحران إملاء - حدثنا أبو الحسين محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا الحسين بن صفوان البرذعى حدثنا عبد الله بن محمد بن عبيد القرشى، حدثنا محمد بن بشير، حدثنا عبد الرحمن بن جرير حدثنا أبو حازم عن سهل بن سعد. قال: قال رسول الله ﷺ: «من اتقى الله تعالى كلّ لسانه ولم يشف غيظه»
ذكر أبو العباس أحمد بن تيمية فى أول «شرح العمدة»: أن أبا الفتح بن جلبة كان يختار استحباب مسح الأذنين بماء جديد، بعد مسحهما بماء الرأس.
وهو غريب جدا.
[ ١ / ٤٣ ]
وذكر ابن حمدان عنه أنه قال: الحق أن الحروف كلها قديمة، وتركيبها فى غير القرآن محدث، إن قلنا: اللّغة اصطلاح، وإن قلنا: توقيف، فقديمة.
قال يحيى بن منده فى مناقب الإمام: وجدت بخط المؤتمن البغدادى الشيخ الصالح الثقة المتدين ﵀، قال: قال أبو يعلى الحنبلى البغدادى: أخرج إلىّ أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد الحرانى صاحبنا هذه الأبيات، قال: وجدتها فى كتاب المصباح، قال: أنشدنى أبو منصور الفقيه لأحمد بن محمد بن حنبل ﵀:
يا طالب العلم، صارم كلّ بطال … وكل غاد إلى الأهواء ميّال
واعمل بعلمك سرا أو علانية … ينفعك يوما على حال من الحال
ولا تميلنّ - يا هذا - إلى بدع … تضل أصحابها بالقيل والقال
خذ ما أتاك به ما جاء من أثر … شبها بشبه وأمثالا بأمثال
ألا فكن أثريّا خالصا فهما … تعش حميدا ودع آراء ضلال
«جلبة» بفتح الجيم واللاّم والباء الموحدة - قيده ابن نقطة وغيره.
وقد روى هذه الحكاية ابن النجار من طريق أبى منصور الخياط، عن القاضى أبى يعلى، قال: أخرج إنّي أبو الفتح عبد الوهاب بن أحمد هذه الأبيات قال: وجدتها فى كتاب المصباح.
قال: أنشدنى على بن منصور، ولم يذكر أحمد. وهذا هو الصحيح.