بن عبد الله المقرئ، الصوفى المؤدب، أبو الخطاب البغدادى.
ولد سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة. قرأ على أبى الحسن الحمامى وغيره. تلا على الحمامى المذكور بالسبع. وقرأ عليه خلق كثير، منهم: أبو الفضل بن المهتدى، وهبة الله بن المجلى، وغيرهما.
وروى عنه الحديث أبو بكر بن عبد الباقى وغيره. وله مصنف فى السبعة، وقصيدة فى السنة، رواها عنه عبد الوهاب الأنماطى وغيره، وقصيدة فى عدد
[ ١ / ٤٥ ]
الآى. وكان من شيوخ الإقراء ببغداد المشهورين بتجويد القراءة وتحسينها.
توفى يوم الثلاثاء سادس عشرين رمضان سنة ست وسبعين وأربعمائة. ودفن بباب حرب.
أنبئت عن القاضى أبى الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر المقدسى، أنبأنا عمر ابن محمد بن طبرزد، أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن على المقرئ قال: أنبأنا أبو الخطاب الصوفى قال: كنت على مذهب الإمام الشافعى، وكان عادتى: أن لا أرجّع فى الأذان، ولا أقنت فى صلاة الفجر، غير أننى أجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وكان عادتى أيضا ليلة الغيم: أنوى من رمضان كما جرت عادة أصحاب أحمد، فلما كان فى بعض الليالى: رأيت كأننى فى دار حسنة جميلة، وفيها من الغلمان والخدم والجند خلق كثير، وهم صغار وكبار، والدخل والخرج، والأمر والنهى. فإذا رجل بهى شيخ على سرير، والنور على وجهه ظاهر، وعلى رأسه تاج من ذهب مرصع بالجوهر، وثياب خضر تلمع. وكان إلى جنبى رجل ممنطق يشبه الجند، فقلت له: بالله هذا المنزل لمن؟ قال لمن ضرب بالسوط حتى يقول:
القرآن مخلوق. قلت أنا فى الحال: أحمد بن حنبل؟ قال: هو ذا. فقلت: والله إن فى نفسى أشياء كثيرة، أشتهى أن أسأله عنها، وكان على سرير، وحول السرير خلق قيام. فأومأ إلىّ أن اجلس، وسل عما تريد. فمنعنى الحياء من الجلوس. فقلت: يا سيدى، عادتى لا أرجّع فى الأذان، ولا أقنت فى صلاة الفجر، غير أننى أجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخشع. فقال بصوت رفيع عال: أصحاب رسول الله ﷺ أتقى منك وأخشع، وأكثرهم لم يجهروا بقراءتها.
فقلت: عادتى ليلة الغيم أصوم، كما قال الإمام أحمد بن حنبل. فقال اعتقد ما شئت من أى مذهب تدين الله به، ولا تكن معمعيّا. وأنا أرعد. فلما أصبحت أعلمت من يصلّى ورائى بما رأيت، ولم أجهر بعد، ودعانى ذلك إلى أن قلت هذه القصيدة وهى:
حقيقة إيمانى: أقول لتسمعوا … لعلّى به يوما إلى الله أرجع
[ ١ / ٤٦ ]
بأن لا إله غير ذى الطول وحده … تعالى، بلا مثل، له الخلق خضع
وليس بمولود، وليس بوالد … يرى ما عليه الخلق طرا، ويسمع
وذكر أبياتا إلى أن قال:
وإن كتاب الله ليس بمحدث … على ألسن تتلو، وفى الصدر يجمع
وما كتب الحفاظ فى كلّ مصحف … كذلك إن أبصرت، أو كنت تسمع
وللجبل الرحمن لما بدا له … تدكدك خوفا كالشظى يتقطع
وكلّم موسى ربه فوق عرشه … على الطور تكليما، فما زال يخضع
وذكر بقية الاعتقاد إلى أن قال:
وعن مذهبى - إن تسألوا - فابن حنبل … به أقتدى ما دمت حيا أمتّع
وذاك لأنى فى المنام رأيته … يروح ويغدو فى الجنان ويرتع
وفى منزل بنيانه غير مشبه … لبنيان ذى الدنيا وفى العين أوسع
وفيه من الأصحاب مالا أعدهم … وحور وولدان بهم يتمتّع
وفيه بيوت ما استدارت منيرة … زرابيّها مبثوثة فيه تلمع
وكان إلى جنبى نقيب ممنطق … عليه ثياب مسكها يتضوّع
فقلت له: بالله ذا المنزل الذى … أراه لمن؟ قل لى، فإنى مروّع
فقال: ولا تدرى؟ فقلت: وكيف لى … بعلم إليه، أنت أهدى وأسرع
فقال: لمن بالسوط يضرب تارة … ليرجع فى الأخرى، وما فيه مطمع
يقول: كلام الله ليس بمحدث … وليس بمخلوق، فما شئتم اصنعوا
فقلت له فى الحال: ذاك ابن حنبل … إمام، تقى، زاهد، متورع
وإنّي لمشتاق إليه، فدلّنى … ففى النفس حاجات إليه تسرّع
فأوما إليه، فالتفت إذا به … على سدة من وجهه النور يسطع
ومن سندس أثوابه فى اخضرارها … على رأسه تاج بدرّ مرصّع
ومن حوله ولد صباح وغلمة … تواصل بالكاسات قوما وتقطع
[ ١ / ٤٧ ]
أشار بأطراف البنان تعطفا: … أن اقرب، فقل ما شئته منك نسمع
وأوما: أن اجلس، فامتنعت مهابة … وداخلنى رعب وعيناى تدمع
فقلت له: يا أزهد الناس كلهم، … عليك اعتمادى، دلّنى كيف أصنع؟
طبعت على أشياء هنّ ثلاثة … وكلّ على ما قدّر الله يطبع
فمنها: إذا غمّ الهلال لليلة … صبيحتها عشر وعشرون تتبع
أصوم، كما قال الإمام ابن حنبل … فللصوم خير من سواه وأنفع
وعند صلاة الصبح لست بقانت … وعند ندائى عادتى لا أرجّع
ولكن إذا ما قمت لله طائعا … أبسمل جهرا فى الصلاة وأخضع
فقال بصوت جهورى، سمعته: … صحاب رسول الله أتقى وأخشع
وأكثرهم لم يجهروا بقراتها … وهم قدوة فى الدين أيضا ومفزع
وأن تعتقد ما شئت من أىّ مذهب … به الله يرضى والنبيّ المشفّع
ولا تك فيه معمعيا كلاعب … يدين بما يهوى، وللغرم يدفع
فقلت له: فى النفس شئ أقوله … أنا فى صفات الحق أيضا متعتع
فقال تعالى الله ﴿(لَيْسَ كَمِثْلِهِ …﴾
- كما قال - شئ) ثم للذكر فاتبعوا
فما كان فيه من صفات مليكنا … على الرأس والعينين، ما عنه مدفع
وما جاء فى الأخبار عن سيد الورى … روته ثقات عنه لا يتمنع
فليس لترك الحق عندى رخصة … إذا كان جهال له قد تتبعوا
فكن حنبليا تنج من كل بدعة … «فأحمد» عند الله فى الزهد أبرع
وذكر باقى القصيدة.