بن على بن محمد بن أحمد بن على بن جعفر بن منصور بن متّ الأنصارى، الهروى، الفقيه المفسر الحافظ، الصوفى الواعظ، شيخ الإسلام أبو إسماعيل.
وهو من ولد أبى أيوب زيد بن خالد الأنصارى، صاحب رسول الله ﷺ.
ولد فى شعبان سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
ذكره عبد القادر الرهاوى فى كتاب «المادح والممدوح» وهو مجلد ضخم يتضمن مناقب شيخ الإسلام الأنصارى وما يتعلق بها، قال: رأيته فى تاريخ أبى عبد الله الحسين بن محمد الهروى الكتبى، الذى ذيل به على تاريخ إسحاق القرّاب الحافظ، وذكر: أنه سأل أبا إسماعيل عن سنه؟ فأخبره بذلك. وكذا ذكر ابن نقطة.
وهذا أصح مما ذكره ابن الجوزى: أنه ولد فى ذى الحجة سنة خمس وتسعين.
وذكر عبد الغافر بن إسماعيل الفارسى فى ذيل تاريخ نيسابور: أنه ولد سنة ست وتسعين.
وسمع الحديث بهراة من يحيى بن عمار السجزى، وأخذ منه علم التفسير،
[ ١ / ٥٠ ]
وأبى منصور الأزدى، وأبى الفضل الجارودى الحافظ، وأخذ منه علم الحديث، وشعيب البوشنجى وغيرهم. وبنيسابور من أبى سعيد الصيرفى، وأبى نصر المفسر المقرئ، وأبى الحسن الطرازى، وجماعة من أصحاب الأصم. ورأى القاضى أبا بكر الحيرى، وحضر مجلسه، ولم يسمع منه. وكان يقول: تركته لله. وكان قد سمع منه فى مجلسه ما ينكره عليه من مخالفة السنة. ذكره الرهاوى عن السلفى، عن المؤتمن الساجى، عنه.
وسمع بطوس وبسطام، من خلق يطول ذكرهم. وصحب الشيوخ، وتأدّب بهم. وخرج الأمالى والفوائد الكثيرة لنفسه ولغيره من شيوخ الرواة. وأملى الحديث سنين.
وصنف التصانيف الكثيرة، منها: كتاب «ذم الكلام» وكتاب «الفاروق» وكتاب «مناقب الإمام أحمد» وكتاب «منازل السائرين» وكتاب «علل المقامات» وله كتاب فى «تفسير القرآن» بالفارسية جامع، و«مجالس التذكير» بالفارسية حسنة، وغير ذلك.
وكان سيدا عظيما، وإماما عالما عارفا، وعابدا زاهدا، ذا أحوال ومقامات وكرامات ومجاهدات، كثير السهر بالليل، شديد القيام فى نصر السنة والذب عنها والقمع لمن خالفها. وجرى له بسبب ذلك محن عظيمة. وكان شديد الانتصار والتعظيم لمذهب الإمام أحمد.
قال ابن السمعانى: سمعت أبا طاهر أحمد بن أبى غانم الثقفى، سمعت صاعد ابن سيار الحافظ، سمعت أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصارى الإمام يقول:
«مذهب أحمد. أحمد مذهب».
وقال محمد بن طاهر الحافظ فى كتابه «المنثور من الحكايات والسؤالات»:
سمعت عبد الله بن محمد الأنصارى يقول: لما قصدت الشيخ أبا الحسن الجركانى
[ ١ / ٥١ ]
الصوفى، وعزمت على الرجوع وقع فى نفسى أن أقصد أبا حاتم بن خاموش الحافظ بالرى، وألتقى به. وكان مقدم أهل السنة بالرى.
وذلك أن السلطان محمود بن سبكتكين لما دخل الرّىّ قتل بها الباطنية ومنع سائر الفرق الكلام على المنابر غير أبى حاتم. وكان من دخل الرى من سائر الفرق يعرض اعتقاده عليه، فإن رضيه أذن له فى الكلام على الناس وإلا منعه، فلما قربت من الرى كان معى فى الطريق رجل من أهلها، فسألنى عن مذهبى؟ فقلت: أنا حنبلى، فقال: مذهب ما سمعت به، وهذه بدعة. وأخذ بثوبى، وقال: لا أفارقك حتى أذهب بك إلى الشيخ أبى حاتم. فقلت: خيرة؛ فإنى كنت أتعب إلى أن ألتقى به، فذهب بى إلى داره.
وكان له ذلك اليوم مجلس عظيم، فقال: أيها الشيخ، هذا الرجل الغريب سألته عن مذهبه، فذكر مذهبا لم أسمع به قط. قال: ما قال؟ قال: أنا حنبلى.
فقال: دعه، فكلّ من لم يكن حنبليا فليس بمسلم، فقلت: الرجل كما وصف لى. ولزمته أياما، وانصرفت.
وإنما عنى أبو حاتم فى الأصول.
وذكر عبد القادر الرهاوى: أخبرنا أبو سعد الصائغ: سمعت عبد الجبار ابن أبى الفضل الصيرفى، سمعت جماعة من أصحاب شيخ الإسلام الأنصارى يقولون: سمعنا شيخنا شيخ الإسلام أبا إسماعيل يقول: فذكر أبياتا بالفارسية تفسيرها بالعربية:
إلهنا مرئىّ على العرش مستو … كلامه أزلىّ رسوله عربىّ
كل من قال غير هذا أشعرىّ … مذهبنا مذهب حنبلىّ
قال عبد القادر: سمعت أبا عروبة عبد الهادى بن محمد الزاهد بسجستان
[ ١ / ٥٢ ]
يقول: سمعت شيخ الإسلام أبا نصر هبة الله بن عبد الجبار بن فاخر يقول:
قال لى شيخ الإسلام - يعنى الأنصارى - كيف تفعلون فى القنوت؟ قلت:
أوصانى أبى أن أقنت فى الوتر. قال: وما قال لك: لا تقنت فى الصبح؟ قلت:
لا. قال: فما أنصفك.
وذكر ابن طاهر الحافظ فى كتابه المذكور قال: سمعت الإمام عبد الله بن محمد الأنصارى ينشد على المنبر فى يوم مجلسه بهراة:
أنا حنبلىّ ما حييت وإن أمت … فوصيّتى للناس أن يتحنبلوا
ولشيخ الإسلام قصيدة نونية طويلة مشهورة ذكر فيها أصول السنة ومدح أحمد وأصحابه. وقد أنبأتنى بها زينب بنت أحمد، عن عجيبة بنت أبى بكر، عن أبى جعفر محمد بن الحسين بن الحسن الصيدلانى. قال: أنشدنا شيخ الإسلام فذكر القصيدة إلى أن قال:
وإمامي القوّام لله الّذى … دفنوا حميد الشأن فى بغدان
جمع التقى والزهد فى دنياهم … والعلم بعد طهارة الأردان
خطم النبى، وصيرفىّ حديثه … ومفلّق أعرافها بمعان
حبر العراق، ومحنة لذوى الهوى … يدرى ببغضته ذوو الأضغان
عرف الهدى فاختار ثوبى نصرة … وشجى بمهجته عرى عرفان
عرضت له الدنيا فأعرض سالما … عنها كفعل الراهب الخمصان
هانت عليه نفسه فى دينه … ففدى الامام الدين بالجثمان
لله ما لقى ابن حنبل صابرا … عزما وينصره بلا أعوان
أنا حنبلى ما حييت وإن أمت … فوصيّتى ذا كم إلى إخوانى
إذ دينه دينى ودينى دينه … ما كنت إمّعة له دينان
وقال ابن طاهر: سمعت الإمام أبا إسماعيل الأنصارى بهراة يقول: عرضت
[ ١ / ٥٣ ]
على السيف خمس مرات، لا يقال لى: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لى:
اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت.
قال: وحكى لنا أصحابنا أن السلطان «ألب أرسلان» حضر هراة، وحضر معه وزيره أبو على الحسن بن على بن إسحاق، فاجتمع أئمة الفريقين من أصحاب الشافعى، وأصحاب أبى حنيفة، للشكاية من الأنصارى، ومطالبته بالمناظرة.
فاستدعاه الوزير. فلما حضر قال: إن هؤلاء القوم اجتمعوا لمناظرتك: فإن يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك، وإن يكن الحق معهم: إما أن ترجع، وإما أن تسكت عنهم. فقام الأنصارى وقال: أنا أناظر على ما فى كمّيّ. فقال له: وما فى كميك؟ فقال: كتاب الله، وأشار إلى كمه اليمين، وسنة رسول الله ﷺ، وأشار إلى كمه اليسار، وكان فيه الصحيحان. فنظر إلى القوم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم من يمكنه أن يناظره من هذه الطريق.
قال: وسمعت أحمد بن اميرجه القلانسى خادم الأنصارى يقول: حضرت مع الشيخ للسلام على الوزير أبى على الطوسى، وكان أصحابه كلفوه بالخروج إليه، وذلك بعد المحنة، ورجوعه من بلخ، فلما دخل عليه أكرمه وبجّله، وكان فى العسكر أئمة من الفريقين فى ذلك اليوم، وقد علموا أنه يحضر، فاتفقوا جميعا على أن يسألوه عن مسألة بين يدى الوزير: فإن أجاب بما يجيب به بهراة سقط من عين الوزير، وإن لم يجب سقط من عيون أصحابه وأهل مذهبه. فلما دخل واستقر به المجلس انتدب له رجل من أصحاب الشافعى، يعرف بالعلوى الدبوسى، فقال: يأذن الشيخ الإمام فى أن أسأل مسألة؟ فقال: سل، فقال: لم تلعن أبا الحسن الأشعرى؟ فسكت، وأطرق الوزير لما علم من جوابه. فلما كان بعد ساعة، قال له الوزير: أجبه، فقال: لا أعرف الأشعرى. وإنما ألعن من لم يعتقد أن الله ﷿ فى السماء، وأن القرآن فى المصحف، وأن النبى اليوم نبى.
ثم قام وانصرف، فلم يمكن أحد أن يتكلم بكلمة من هيبته وصلابته وصولته.
[ ١ / ٥٤ ]
فقال الوزير للسائل ومن معه: هذا أردتم؟ كنا نسمع أنه يذكر هذا بهراة فاجتهدتم حتى سمعناه بآذاننا: وما عسى أن أفعل به؟ ثم بعث خلفه خلعا وصلة فلم يقبلها. وخرج من فوره إلى هراة ولم يلبث.
قال ابن طاهر: وسمعت أصحابنا بهراة يقولون: لما قدم السلطان «ألب أرسلان» هراة فى بعض قدماته اجتمع مشايخ البلد ورؤساؤه، ودخلوا على الشيخ أبى إسماعيل الأنصارى، وسلموا عليه، وقالوا: قد ورد السلطان، ونحن على عزم أن نخرج ونسلم عليه، فأحببنا أن نبدأ بالسلام على الشيخ الإمام، ثم نخرج إلى هناك. وكانوا قد تواطئوا على أن حملوا معهم صنما من الصّفر صغيرا، وجعلوه فى المحراب تحت سجادة الشيخ. وخرجوا وخرج الشيخ من ذلك الموضع إلى خلوته.
ودخلوا على السلطان واستغاثوا من الأنصارى، وقالوا له: إنه مجسم. فإنه يترك فى محرابه صنما، ويقول: إن الله ﷿ على صورته. وإن يبعث السلطان الآن يجد الصنم فى قبلة مسجده. فعظم ذلك على السلطان، وبعث غلاما ومعه جماعة. ودخلوا الدار، وقصدوا المحراب، وأخذوا الصنم من تحت السجادة، ورجع الغلام بالصنم، فوضعه بين يدى السلطان. فبعث السلطان بغلمان، وأحضر الأنصارى: فلما دخل رأى مشايخ البلد جلوسا، ورأى ذلك الصنم بين يدى السلطان مطروحا، والسلطان قد اشتد غضبه.
فقال له: ما هذا؟ قال: هذا صنم يعمل من الصفر شبه اللّعبة. فقال: لست عن هذا أسألك، فقال: فعن ماذا يسأل السلطان؟ قال: إنّ هؤلاء يزعمون أنك تعبد هذا الصنم، وأنك تقول: إن الله ﷿ على صورته، فقال الأنصارى: سبحانك! هذا بهتان عظيم. بصوت جهورى وصولة. فوقع فى قلب السلطان أنهم كذبوا عليه، فأمر به فأخرج إلى داره مكرما. وقال لهم: اصدقونى القصة، أو أفعل بكم وأفعل، وذكر تهديدا عظيما، فقالوا: نحن
[ ١ / ٥٥ ]
فى يد هذا الرجل فى بلية من استيلائه علينا بالعامة، وأردنا أن نقطع شرّه عنا. فأمر بهم، ووكل بكل واحد منهم، ولم يرجع إلى منزله حتى كتب خطه بمبلغ عظيم من المال يؤديه إلى خزانة السلطان جناية، وسلموا بأرواحهم بعد الهوان العظيم.
وقد جرى لشيخ الإسلام محن فى عمره، وشرد عن وطنه مدّة
فمن ذلك: أن قوما من المتصوفة بهراة عاثوا وأفسدوا بأيديهم على وجه الإنكار، فنسب ذلك إلى الشيخ، ولم يكن بأمره ولا رضاه. فاتفق أكابر أهل البلد على إخراج الشيخ وأولاده وخدمه، فأخرجوه يوم الجمعة عشرين رمضان سنة ثمان وسبعين وأربعمائة قبل الصلاة، ولم يمهل للصلاة. فأقام بقرب البلد، فلم يرضوا منه بذلك فخرج إلى بوشنج، وكتب أهل هراة محضرا بما جرى، وأرسلوه إلى السلطان، فجاء جواب السلطان ووزيره «نظام الملك» بإبعاد الشيخ وأهله، وخدمه إلى ما وراء النهر. وقرئ الكتاب الوارد بذلك فى الجامع على منبر يحيى بن عمار، وفيه حطّ على الشيخ، فأخرج الشيخ ومن كان يعقد المجلس من أقاربه خاصّة إلى مرو، ثم ورد الأمر بردّه إلى بلخ، ثم إلى مرو الرّوذ. ثم أذن له فى الرجوع إلى هراة، فدخلها يوم الأربعاء رابع عشر المحرم سينة ثمانين وأربعمائة. وكان يوما مشهودا.
قال الرهاوى: سمعت شيخنا أبا طاهر السلفى بالاسكندرية يقول: لما خرج شيح الإسلام قال أصحابه وأهل البلد: لا يحمل على الدواب إلا على رقاب الناس. فجعل فى محفة. وكان يتناوب حملها أربعة رجال، حتى وصل بلخ. فخرج أهلها وهمّوا برجمه. فردّهم ابن نظام الملك، وقال: تريدون أن تكونوا مسبة الدهر؛ ترجمون رجلا من أهل العلم؟! ثم سألوه أن يعظ، فقرأ:
(٢٣:٣٩ ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾، الآية) ثم قال: كلّ المسلمين يقولون هذا، إلاّ أهل غورجه وغرجستان وفلانة وطالقان. لعنهم الله لعنة عاد وثمود، والنصارى واليهود. قولوا: آمين، فقالوا: آمين.
[ ١ / ٥٦ ]
قال الرهاوى: وإنما همّ أهل بلخ بما همّوا به؛ لأنهم معتزلة شديدة الاعتزال.
وكان شيخ الإسلام مشهورا فى الآفاق بالحنبلة والشدة فى السنّة.
قال: وسمعت السلفى يقول: لما أمر نظام الملك بإخراج الشيخ من هراة سمع بذلك الشيخ معمر اللّنبانى (^١)، فمضى إلى نظام الملك فى أمره، فقال له نظام الملك:
قد صار لذلك الشيخ عليّ منة عظيمة؛ حيث بسببه دخلت علىّ. ثم كتب فى الحال بردّه إلى بلده.
وذكر الرّهاوىّ: أن الحسين بن محمد الكتبى ذكر فى تاريخه: أن مسعود ابن محمود بن سبكتكين قدم هراة سنة ثلاثين وأربعمائة، فاستحضر شيخ الإسلام، وقال له: أتقول: إن الله ﷿ يضع قدمه فى النار؟ فقال - أطال الله بقاء السلطان المعظم - إن الله ﷿ لا يتضرر بالنار، والنار لا تضره، والرسول لا يكذب عليه، وعلماء هذه الأمة لا يتزيدون فيما يروون عنه ويسندون إليه. فاستحسن جوابه، وردّه مكرّما.
قال: وعقد أهل هراة للشيخ مجلسا آخر، سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وعملوا فيه محضرا، وأخرجوه من البلد إلى بعض نواحى بوشنج، فحبس بها وقيّد ثم أعيد إلى هراة سنة تسع وثلاثين، وجلس فى مجلسه للتذكير. ثم سعوا فى منعه من مجلس التذكير عند السلطان «ألب أرسلان» سنة خمسين.
قال: وفى شهور سنة اثنتين وستين، خلع على الشيخ من جهة الإمام القائم بأمر الله خلعة شريفة، وفى شهور سنة أربع وسبعين خلعة أخرى فاخرة من جهة الإمام المقتدى مع الخطاب واللقب بشيخ الإسلام، شيخ الشيوخ زين العلماء أبى إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصارى، وخلعة أخرى لابنه عبد الهادى.
قال: وكان السبب فى هذه الخلع الوزير «نظام الملك» شففة منه على أصحاب الحديث، وصيانة عن لحوق شين بهم.
_________________
(١) نسبة إلى «لنبان» وهى قرية كبيرة بأصبهان.
[ ١ / ٥٧ ]
وكان الشيخ ﵀ آية فى التفسير، وحفظ الحديث. ومعرفته، ومعرفة اللغة والأدب. وكان يفسّر القرآن فى مجلس التذكير.
فذكر الكتبى فى تاريخه: أن الشيخ لما رجع من محنته الأولى ابتدأ فى تفسير القرآن، ففسره فى مجالس التذكير، سنة ست وثلاثين. وفى سنة سبع وثلاثين افتتح القرآن يفسره ثانيا فى مجالس التذكير.
قال: وكان الغالب على مجلسه القول فى الشرع، إلى أن بلغ إلى قوله ﷿ (١٦٥:٢ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّهِ)﴾ فافتتح تجريد المجالس فى الحقيقة، وأنفق على هذه الآية من عمره مدة مديدة، وبنى عليها مجالس كثيرة. وكذلك قوله تعالى: (١٠١:٢١ ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى)﴾ بنى عليها ثلاثمائة وستين مجلسا. فلما بلغ قوله تعالى (٤٣:٢٤ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ)﴾ كفّ بصره سنة ثلاث وسبعين، ولما بلغ إلى قوله ﷿: (١٧:٣٢ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)﴾ قال: فى كل اسم من أسماء الله تعالى سر خفى. وأخذ يفسّر خفايا الأسماء حتى بلغ المميت، فأخرج من البلد فى الفتنة الأخيرة. فلما عاد سنة ثمانين، عقد المجلس على أمر جديد، ولم يكمل الكلام على الأسماء الحسنى. وأخذ يستعجل فى التفسير، ويفسر فى مجلس واحد مقدار عشر آيات أو نحوها، يريد أن يختم فى حياته، فلم يقدر له على ذلك وتوفى، وقد انتهى إلى قوله ﷿: (٦٧:٣٨، ٦٨ ﴿قُلْ: هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ)﴾
وقال ابن طاهر الحافظ. سمعت شيخنا الأنصارىّ يقول: إذا ذكرت التفسير فإنما أذكره من مائة وسبعة تفاسير. قال: وجرى يوما - وأنا بين يديه - كلام، فقال: أنا أحفظ اثنى عشر ألف حديث أسردها سردا، قال: وقطّ ما ذكر فى مجلسه حديثا إلا بإسناده. وكان يشير إلى صحته وسقمه.
وقال الرهاوى: سمعت أبا بشر محمد بن محمد بن هبة الله الهمذانى بهمذان يقول: سمعت بعض الأدباء يقول: سئل شيخ الإسلام الأنصارى عن تفسير آية؟
[ ١ / ٥٨ ]
فأنشد أربعمائة بيت من شعر الجاهلية، فى كل بيت منها لغة تلك الآية.
قال ابن الجوزى: أخبرنا ابن ناصر عن المؤتمن بن أحمد الحافظ، قال: كان عبد الله الأنصارى لا يشذ على المذهب شيئا، ويتركه كما يكون، ويذهب إلى قول رسول الله ﷺ: «لا توك فيوكأ عليك» وكان لا يصوم شهر رجب، وينهى عن ذلك، ويقول: ما صح فى فضل رجب وفى صيامه شئ عن رسول الله ﷺ. وكان يملى فى شعبان وفى رمضان، ولا يملى فى رجب.
وقال ابن طاهر الحافظ: سمعت أبا إسماعيل الأنصارى يقول: كتاب أبى عيسى الترمذى عندى أفيد من كتاب البخارى ومسلم، فقلت: لم؟ قال:
لأن كتاب البخارى ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة. وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبينها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس من الفقهاء والمحدثين وغيرهم. قال: وسمعته يقول: المحدّث يجب أن يكون سريع المشى، سريع الكتابة، سريع القراءة.
قال الرّهاوى: سمعت السلفى يقول: سمعت أبا الخير عبد الله بن مرزوق الهروىّ يقول: سمعت أبا إسماعيل الأنصارى الحافظ بهراة يقول: ينبغى لمن يكون من أهل الفقه أن يكون له أبدا ثلاثة أشياء جديدة: سراويله، ومداسه، وخرقة يصلى عليها.
قال الرّهاوى: وسمعت بعض الناس بهراة يحكى: أن شيخ الإسلام دخل يوما على القاضى أبى العلاء صاعد بن سيار، وعلى يمينه رجل من البوسعديّة، فجلس شيخ الإسلام على يسار القاضى، فغضب البوسعدى، وقال: أجلس عن يمينك ويجلس عن يسارك؟ فوثب شيخ الإسلام، وجلس ناحية، وقال: الحدّة ينبغى أن تكون فى أكل البصل، والشدّة فى تشقيق الحطب. وأما الجلوس فى المجالس فإنما يكون بالعلم. وغضب القاضى من كلام الرجل، وقال: إيش تنكر من حاله؟ حيث لم يكن له مركوب ولا ثياب، وأمر له بثياب ومركوب، وجعل له فى الجامع موضعا يعظ فيه.
[ ١ / ٥٩ ]
قال الرّهاوى: وقد رأيت كرسى شيخ الإسلام قليل المراقى فى زاوية من جامع هراة، والناس يتبركون به.
وقال ابن طاهر: سألت الأنصارى عن الحاكم أبى عبد الله؟ فقال: ثقة فى الحديث، رافضى خبيث.
وذكر ابن السمعانى عن يحيى بن منده عن عبد الله بن عطاء الإبراهيمى قال:
سمعت شيخ الإسلام الأنصارىّ قال: سألت أبا يعقوب الحافظ عن قول البخارى فى الصحيح: قال لى فلان؟ قال: هو راوية بالإجازة، ثم قال شيخ الإسلام:
عندى أن ذاك الرجل ذاكر البخارى فى المذاكرة: أنه سمع من فلان حديث كذا، وكتاب كذا، أو مسند كذا، أو حديث فلان، فيرويه بين المسموعات وهو طريق حسن، طريق مليح. ولا أحد أفضل من البخارى.
وقال المؤتمن الساجى: كان يدخل عليه الجبابرة والأمراء، فما كان يبالى بهم. ويرى بعض أصحاب الحديث من الغرباء فيكرمه إكراما يعجب منه الخاص والعامّ ﵀.
قال صاعد بن سيار الهروى فى أماليه: سمعت شيخ الإسلام الأنصارى يقول: إلهى عصمة أو مغفرة، فقد ضاقت بنا طريق المعذرة.
وقد أثنى على الشيخ الإمام أبى إسماعيل شيوخه وأقرانه. ومن دونه من الفقهاء، والمحدثين، والصوفية، والأدباء وغيرهم. وقد سبق فى ترجمة عبد الرحمن ابن منده قول سعد الزنجانى فيه: إنّ الله حفظ به الإسلام، وبابن منده.
وقال الرّهاوى: سمعت بهراة: أن شيخ الإسلام لما أخرج من هراة، ووصل إلى مرو، وأذن له فى الرجوع إلى هراة، رجع ووصل إلى مرو الروذ، قصده الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوى الفرّاء صاحب التصانيف. فلما حضر عنده قال لشيخ الإسلام: إن الله قد جمع لك الفضائل، وكانت قد بقيت فضيلة
[ ١ / ٦٠ ]
واحدة، فأراد أن يكملها لك، وهى الإخراج من الوطن، أسوة برسول الله ﷺ.
قال الرّهاوى: وسمعت أبا عبد الله سفيان بن أبى الفضل الخرقى السفيانى وكان من أهل الحديث والفضل والدّين، وكان سفيانى المذهب يقول: سمعت الحافظ أبا مسعود كوتاه يقول: سمعت أبا الوقت عبد الأول بن عيسى يقول:
دخلت على الجوينى - يعنى أبا محمد عبد الله بن يوسف الفقيه - فسألنى عن شيخ الإسلام؟ فقلت: أنا خادمه. فقال: ﵁.
قال الرّهاوى: وذكر الحسين بن محمد الكتبى الهروىّ فى تاريخه: أنّ شيخ الإسلام الأنصارى سافر إلى نيسابور سنة سبع عشر وأربعمائة، طالبا للحديث والفقه، ورؤية المشايخ، والاستفادة منهم، والتبرك بصحبتهم. ورجع فى تلك السنة. ثم سافر ثانيا للحج مع الفقيه الإمام أبى الفضل بن أبى سعد الزاهد الواعظ، ومعهما خلق كثير سنة ثلاث وعشرين. فلما وردوا نيسابور أخرج الإمام أبو عثمان الصابونى لخاله الإمام أبى الفضل بن أبى سعد الزاهد مجلسا فى الحديث ليمليه بنيسابور، فنظر فيه الأنصارى ونبّه على خلل فى رجال الحديث وقع فيه. فقبل الصابونى قوله، وعاد إلى ما قال، وأحسن الثناء عليه، وأظهر السرور به، وهنأ أهل العصر بمكانه، وقال: لنا جمال، ولأهل السنة مكانة، وانتفاع المسلمين بعلمه ووعظه. وكان ذلك بمشهد من مشايخ فيهم كثرة، وشهرة وبصيرة.
قال صاحب التاريخ: وكنت حاضرا يومئذ. قال: وسمعت الإمام عبد الله الأنصارى بنيسابور يقول: دخلت على الإمام ناصر المروزى بنيسابور، وكان مجلسه غاصّا بتلامذته، واحتفّ به الفقهاء، وكان يدرّس ويقول: روى عن أبى بكر الصديق ﵁: أنه كان يقرأ فى الركعة الثالثة من صلاة المغرب:
(١١٤:٢٠ ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)﴾ فقلت - أيد الله الشيخ الإمام -: أحديث عهد أنت
[ ١ / ٦١ ]
بهذا الحديث وهو على ذكرك؟ فقال: لا، فقلت: كان يقرأ فى الركعة الثالثة من صلاة المغرب: (٨:٣ ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا)﴾ فقال: صدقت ورجع إلى قولى، وحثّ القوم على إثباته وتعليقه. ثم بكرت إليه من غد هذا اليوم، فرحب بى، وأعلى محلّى، وأجلسنى فوق جماعة زهاء سبعين، كنت بالأمس جالسا دونهم، ومدحته بقصيدة، وواظبت على الاختلاف إليه وأخذ الفقه عنه مدة.
قال صاحب التاريخ: ورجع الشيخ من حرقات، والريّ عن زيارة الشيخ أبى الحسن الحرقانى، وكان الحرقانى أحسن الثناء عليه، ولاطفه فى المخاطبة سنة أربع وعشرين.
قال: ولقى الشيخ بنيسابور الشيخ أبا عبد الله بن باكويه الشيرازى، وتكلم بين يديه. فرضى ابن باكويه قوله، واستحسن فى الحقيقة كلامه، وبشر بأيامه، فلما عزم على الخروج من عنده قال: إلى أين؟ قال: نويت سفرا. قال: لست من بابة السفر، بل بابتك أن تعقد حلقة تكلمهم على الحق.
قال صاحب التاريخ: وكان إسحاق القرّاب الحافظ يتأمل ما كان يخرجه الأنصارى، وكذلك إسماعيل الصابونى. قال: وكلهم تعجبوا من تخريجه، وأعجبوا به، وأثنوا على الشيخ عبد الله الأنصارى، واغتبطوا بمكانه، ودعوا له بالخير. وكان من عادة إسحاق القراب الحافظ الحث على الاختلاف إلى الأنصارى، والبعث على القراءة عليه، واستماع الأحاديث بقراءته، والاستفادة منه، والمواظبة على مجلسه، والاختيار له على غيره. وكان يقول: لا يمكن أن يكذب على النبى ﷺ كاذب من الناس، وهذا الرجل فى الإحياء.
قال: وكلّ من لقيت من أهل هراة وفى سائر البلدان، حين خرجت مسافرا، ومن سمعت يخبر منهم فى الآفاق من القضاة والأئمة والأفاضل، والمذكورين، كانوا يحسنون الثناء عليه، ولا ينكرون فضله.
[ ١ / ٦٢ ]
وقال الرّهاوى: سمعت أبا بشر محمد بن محمد الهمذانى يقول: سمعت شيخى عبد الهادى الذى أخذت عنه العلم يقول: عبد الله الأنصارى يعدّ فى العبادلة. قال الرّهاوى: عبد الهادى هذا من أئمة همذان.
وقد ذكر أبو النصر عبد الرحمن بن عبد الجبار الفامى (^١) فى تاريخ هراة شيخ الإسلام الأنصارى، فقال: كان بكر الزمان، وزناد الفلك، وواسطة عقد المعانى والمعالى، وصورة الإقبال فى فنون الفضائل، وأنواع المحاسن.
منها: نصرة الدين والسنة، والصلابة فى قهر أعداء الملّة، والمتحلين بالبدعة.
حيى على ذلك عمره، من غير مداهنة ومراقبة لسلطان ولا وزير، ولا ملاينة مع كبير ولا صغير. وقد قاسى بذلك السبب قصد الحساد فى كل وقت وزمان، ومنى بكيد الأعداء فى كل حين وأوان، وسعوا فى روحه مرارا، وعمدوا إلى هلاكه أطوارا، مقدرين بذلك الخلاص من يده ولسانه، وإظهار ما أضمروا فى زمانه.
فوقاه الله شرهم، وأحاط بهم مكرهم، وجعل قصدهم لارتفاع أمره، وعلو شأنه، أقوى سبب. وليس ذلك من فضل الله تعالى ببدع ولا عجب (٧:٤٧ ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ)﴾.
وأما قبوله عند الخاص والعام، واستحسان كلامه، وانتشاره فى جميع بلاد الإسلام، فأظهر من أن يقام عليه حجة وبرهان، أو يختلف فى سبقه وتقدمه فيها من الأئمة اثنان. ولقد هذّب أحوال هذه الناحية عن البدع بأسرها، ونقح أمورهم عما اعتادوه منها فى أمرها، وحملهم على الاعتقاد الذى لا مطعن لمسلم بشئ عليه، ولا سبيل لمبتدع إلى القدح إليه.
ومنها: تصانيفه التى حاز فيها قصب السبق بين الأضراب، وذكرها فى باب المصنفين من الكتاب.
وذكره أيضا الإمام أبو الحسين عبد الغافر بن إسماعيل الفارسى، خطيب نيسابور فى تاريخ نيسابور، فذكر اسمه ونسبه، وقال: أبو إسماعيل الإمام شيخ
_________________
(١) نسبة إلى «فامية» قرية من قرى واسط بناحية فم الصلح.
[ ١ / ٦٣ ]
الإسلام بهراة، صاحب القبول فى عصره، والمشهور بالفضل وحسن الوعظ والتذكير فى دهره. لم ير أحد من الأئمة فى فنه حلما ما رآه عيانا من الحشمة الوافرة القاهرة، والرونق الدائم، والاستيلاء على الخاص والعام، فى تلك الناحية واتساق أمور المريدين والأتباع، والغالين فى حقه، والتئام المدارس والأصحاب والخانقاه، ونواب المجالس، إلى غير ذلك مما هو أشهر من أن يحتاج إلى الشرح.
وكان على حظ تام من العربية ومعرفة الأحاديث والأنساب والتواريخ، إماما كاملا فى التفسير والتذكير، حسن السيرة والطريقة فى التصوف ومباشرة التصوف ومعاشرة الأصحاب الصوفية. مظهر السنة، داعيا إليها، محرضا عليها.
غير مشتغل بكسب الأسباب والضياع والعقار، والتوغل فى الدنيا. مكتفيا بما يباسط به المريدين والأتباع من أهل مجلسه فى السنة مرة أو مرتين. حاكما عليها حكما نافذا بما كان يحتاج إليه هو وأصحابه من السنة إلى السنة على رأس الملأ.
فيحصل على ألوف من الدنانير بها، وأعداد جمة من الثياب والحلى وغير ذلك.
فيجمعها ويفرقها على الخبّاز، والبقّال، والقصّاب، وينفق منها موسعا فيها من السنة إلى السنة، ولا يأخذ من السلاطين والظلمة والأعوان وأركان الدولة شيئا.
وقلّما يراعيهم. ولا يدخل عليهم ولا يبالى بهم. فبقى عزيزا مقبولا، قبولا أتم من الملك على الحقيقة، مطاع الأمر قريبا من ستين سنة، من غير مزاحمة ولا فتور فى الحال.
ومن خصائصه: أنه كان إذا حضر المجلس لبس الثياب الفاخرة، وركب الدواب الثمينة، والمراكب المعروفة، وتكلّف غاية التكلف، ويقول: إنما أفعل هذا إعزازا للدّين، ورغما لأعدائه، حتى ينظروا إلى عزّى وتجملى، فيرغبوا فى الإسلام إذا رأوا عزّه. ثم إذا انصرف إلى بيته عاد إلى المرقّعة والقعود مع الصوفية فى الخانقاه، يأكل معهم ما يأكلون، ويلبس ما يلبسون، ولا يتميز فى المطعوم والملبوس عن آحادهم. على هذا كان يزجى أيامه. وكلّ ما نقل عنه من سيرته محمود.
[ ١ / ٦٤ ]
ومن جملة ما أخذه أهل هراة عنه من محاسن سيرته: التبكير بصلاة الصبح، وأداء الفرائض فى أوائل أوقاتها، واستعمال السّنن والأدب فيها.
ومن ذلك: تسمية الأولاد فى الأغلب بالعبد، المضاف إلى اسم من أسماء الله تعالى: كعبد الخالق، وعبد الخلاق، وعبد الهادى، وعبد الرشيد، وعبد المجيد، وعبد المعز، وعبد السلام. وإلى غير ذلك مما كان يحثّهم، ويدعوهم إلى ذلك، فتعوّدوا الجرى على تلك السنة، وغير ذلك من آثاره.
ثم ذكر بعض شيوخه، ثم قال: أنشدنى أبو القاسم أسعد بن علي البارع الزوزنى لنفسه فى الإمام، وقد حضر مجلسه:
وقالوا:
رأيت كعبد الإله … إماما إذا عقد المجلسا؟
فقلت:
أما إننى ما رأي … ت ولم يلق قبلى ممن عسى
فقالوا:
يجئ نظير له … فقلت: كمستقبل من عسى
قال عبد الغافر: وقرأت فى «دمية القصر لأبى الحسن الباخرزى» فصلا فى الإمام عبد الله الأنصارى، وذلك أنه قال:
هو فى التذكير فى الدرجة العليا، وفى علم التفسير أوحد الدنيا. يعظ فيصطاد القلوب بحسن لفظه، ويمحص الذنوب بيمن وعظه. ولو سمع قسّ بن ساعدة تلك الألفاظ، لما خطب بسوق عكاظ.
ثم ذكر بيتين للإمام عبد الله فى نظام الملك، وهما:
بجاهك أدرك المظلوم ثاره … ومنّك شاد بانى العدل داره
وقبلك هنّئ الوزراء حتّى … نهضت بها فهنّئت الوزاره
ثم قال: وحضرت يوما مجلسه بهراة، مع أبى عاصم الحسين بن محمد ابن الفضيلى الهروىّ شيخ الأفاضل بهراة. فلما طاب فؤاده، وعرق جواده وطنّت نقرات العازفين فى جو السماء، ودنت الملائكة فتدلّت للإصغاء.
[ ١ / ٦٥ ]
قال أبو العاصم:
عيون النّاس لم تل … ق ولا تلقى كعبد الله
ولا ينكر هذا غي … ر من مال عن الله
قال الباخرزى: فقلت أنا:
مجلس الأستاذ عبد الله … روض العارفينا
ألحق الفخر بنا … بعد حكم العارفينا
قال عبد الغافر: وفى المنقولات من أخباره وآثاره، وما قيل فيه من الأشعار، وما نقل عنه من العبارات كثير. وفى هذا القدر دليل على أمثالها.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية فى كتاب «الأجوبة المصرية»:
شيخ الإسلام مشهور، معظم عند الناس. هو إمام فى الحديث، والتصوف، والتفسير. وهو فى الفقه على مذهب أهل الحديث، يعظّم الشافعى، وأحمد.
ويقرن بينهما فى أجوبته فى الفقه ما يوافق قول الشافعى تارة وقول أحمد أخرى.
والغالب عليه اتباع الحديث على طريقة ابن المبارك ونحوه.
قال: وقال الشيخ أبو الحسن الكرخى، شيخ الشافعية فى بلاده، فى كتابه «الفصول فى الأصول»: أنشدنى غير واحد من الفضلاء للإمام عبد الله ابن محمد الأنصارى، أنه أنشد فى معرض النصحية لأهل السنة:
كن إذا ما حاد عن حدّ الهدى … أشعرىّ الرأى شيطان البشر
شافعىّ الشّرع، سنّى الحلى … حنبلى العقد، صوفىّ السّير
ومن شعر شيخ الإسلام مما أنشده الرهاوى بإسناده عنه:
سبحان من أجمل الحسنى لطالبها … حتى إذا ظهرت فى عبده مدحا
ليس الكريم الذى يعطى لتمدحه … إنّ الكريم الّذى يثنى بما منحا
وأنشد له:
نهواك نحن ونحن منك نهاب … أهوى وخوفا إنّ ذاك عجاب!
شخص العقول إليك ثم استحسرت … وتحيّرت فى كنهك الألباب
[ ١ / ٦٦ ]
قلت: ولشيخ الإسلام شعر كثير حسن جدّا. ولأجل هذا ذكره الباخرزى الأديب فى كتابه «دمية القصر فى شعراء العصر» وله كلام فى التصوف والسلوك دقيق.
وقد اعتنى بشرح كتابه «منازل السائرين» جماعة. وهو كثير الإشارة إلى مقام الفناء فى توحيد الربوبية، واضمحلال ما سوى الله تعالى فى الشهود لا فى الوجود. فيتوهم فيه أنه يشير إلى الاتحاد حتى انتحله قوم من الاتحادية، وعظموه لذلك. وذمّه قوم من أهل السنة، وقدحوا فيه بذلك. وقد برأه الله من الاتحاد. وقد انتصر له شيخنا أبو عبد الله بن القيم فى كتابه الذى شرح فيه «المنازل» وبيّن أن حمل كلامه على قواعد الاتحاد زور وباطل.
توفى رحمه الله تعالى يوم الجمعة بعد العصر ثانى عشرين ذى الحجة سنة إحدى وثمانين وأربعمائة. ودفن يوم السبت بكازياركاه - مقبرة بقرب هراة -
وكان يوما كثير المطر، شديد الوحل. وقد كان الشيخ يقول فى حياته:
إن استأثر الله بى فى الصيف فلا بد من نطع مخافة المطر، فصدق الله ظنه فى ذلك حدّث عنه جماعة من الحفاظ وغيرهم، كالمؤتمن الساجى، ومحمد بن طاهر، وأبى نصر الغازى، وأبى الوقت السجزى، وأبى الفتح الكروخى.
قرأت على أبى حفص عمر بن علي القزوينى ببغداد: أخبركم أبو عبد الله محمد ابن أبى القاسم المقرئ ح وأخبرنا الربيع عليّ بن عبد الصمد بن أحمد البغدادى بها قراءة عليه، وأنا فى الخامسة، أخبرنا والدى أبو أحمد عبد الصمد قالا:
أخبرنا أبو الحسن على بن أبى بكر بن روزبه، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول ابن عيسى السجزى، أخبرنا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروى، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن العالى البوشنجى، أخبرنا أبو أحمد الغطريفى، ومنصور بن العباس الفقيه قالا: أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو صالح الحكم بن موسى، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمى، عن أبى عثمان
[ ١ / ٦٧ ]
- وليس بالنهدى - عن معقل بن يسار: أن النبى ﷺ قال:
«اقرأوها على موتاكم» يعنى: يس.
وبالإسناد الأول إلى شيخ الإسلام، أنشدنا يحيى بن عمار أنشدنى أبو المنذر محمد بن أحمد بن جعفر الأديب، أنشدنى الصولى لأبى العباس ثعلب:
ربّ ريح لا ناس عصفت … ثمّ ما إن لبثت أن ركدت
وكذاك الدّهر فى أفعاله … قدم زلّت وأخرى ثبتت
بالغ ما كان يرجو دونه … ويد عما استقلت قصرت
وكذا الأيام من عاداتها … أنّها مفسدة ما أصلحت
ثمّ تأتيك مقادير لها … فترى مصلحة ما أفسدت