بن أحمد بن سطور، العكبرى البرزبيني، القاضى أبو على، قاضى باب الأزج.
قدم بغداد بعد الثلاثين والأربعمائة. وسمع الحديث من أبى إسحاق البرمكى وتفقه على القاضى أبي يعلى، حتى برع فى الفقه، ودرس فى حياته، وشهد عند ابن الدامغانى، هو والشريف أبو جعفر فى يوم واحد، سنة ثلاث وخمسين.
وزكّاهما شيخهما القاضى.
وتولى يعقوب القضاء بباب الأزج مدة، ورأيت فى تاريخ القضاة لابن
[ ١ / ٧٣ ]
المنذرى (^١): أن القاضى يعقوب عزل نفسه عن قضاء باب الأزج والشهادة، سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة.
وقال أبو الحسين: ولى القضاء بباب الأرج من جهة الوالد، ثم عزل نفسه عن القضاء والشهادة سنة اثنتين وسبعين، ثم عاد إليهما سنة ثمان وسبعين، واستمر إلى موته. قال: وكان ذا معرفة تامة بأحكام القضاء، وإنفاذ السجلات متعففا فى القضاء، متشددا فى السنة.
وقال ابن عقيل: كان أعرف قضاة الوقت بأحكام القضاء والشروط.
سمعت ذلك من غير واحد. ولم يكن أحد من الوكلاء يهاب قاضيا مثل هيبته له.
وله المقامات المشهورة «بالديوان» حتى يقال: إنه كعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة من الصحابة، فى قوة الرأى.
وذكره ابن السمعانى، فقال: كانت له يد قوية فى القرآن والحديث، والفقه والمحاضرة. وقرأ عليه عامة الحنابلة ببغداد، وانتفعوا به. وكان حسن السيرة، جميل الطريقة، جرت أموره فى أحكامه على سداد واستقامة.
وحدّث بشئ يسير عن أحمد عمر بن ميخائيل العكبرى، وغيره.
قال: وذكر لى شيخنا الجنيد بن يعقوب الجيلى الفقيه بباب الأزج: أنه سمع الحديث من القاضى أبى على يعقوب، ولم يكن له أصل حاضر بما سمع منه.
وقال: علّقت عنه الفقه، وكان لجماعة من شيوخنا الأصبهانيين منه إجازة، مثل أبى عبد الله الخلال، وغانم بن خالد، وأبى نصر الغازى، ومحمد بن عبد الواحد الدقاق الحافظ، وغيرهم.
وقال ابن الجوزى: حدّث وروى عنه أشياخنا.
قلت: قال أبو الحسين: صنف كتبا فى الأصول والفروع. وكان له غلمان كثيرون - يعنى تلامذة - قال: وكان مبارك التعليم، لم يدرس عليه أحد إلا أفلح وصار فقيها. وكانت حلقته بجامع القصر.
_________________
(١) فى خطية إدارة الثقافة «لابن المندائى»
[ ١ / ٧٤ ]
وعليه تفقه القاضى أبو حازم، وأبو الحسين بن الزاغونى، وأبو سعد المخرّمى، وطلحة العاقولى، وغيرهم.
وله تصانيف فى المذهب. منها: «التعليقة فى الفقه» فى عدّة مجلدات، وهى ملخصة من تعليقة شيخه القاضى.
وممن روى عنه القاضى أبو طاهر بن الكرخى، وأخوه أبو الحسن.
وتوفى يوم الثلاثاء ثاني عشرين شوال سنة ست وثمانين وأربعمائة. كذا نقله ابن السمعانى من خط شجاع الذهلى. وذكره أيضا ابن المندائى - وذكر الشهر والسنة - وأبو الحسين، وابن الجوزى فى تاريخه.
وقال ابن الجوزى فى الطبقات: توفى فى شوال سنة ثمان - وقيل: سنة ست وثمانين - وكان عمره سبعا وسبعين سنة. ودفن من الغد بباب الأزج، بمقبرة الفيل إلى جانب أبى بكر عبد العزيز غلام الخلال. رحمهم الله تعالى.
قال أبو الحسين: وصلّى عليه أكابر أولاده بجامع القصر، وحضر جنازته خلق كثير من أرباب الدين والدنيا، وأصحاب المناصب: نقيب العباسيين.
ونقيب العلويّين، وحجاب السلطان، وجماعة الشهود. وغيرهم.
و«برزبين» بفتح الباء وسكون الراء وفتح الزاى وكسر الباء الثانية، ثم بياء ساكنة ونون - قرية كبيرة على خمسة فراسخ من بغداد. بينها وبين أوانا.
وذكر القاضى يعقوب فى تعليقته، قال: إذا نذر عتق عبده ولا مال له غيره:
يحتمل أن يعود فيه، كما لو نذر الصدقة بماله كله فعتق ثلثه. وإن سلّمنا فالعتاق آكد. ولهذا يفترقان فى نذر اللجاج والغضب. وهذا الاحتمال الأول مخالف لما ذكره القاضى وابن عقيل وغيرهما من أهل المذهب.
لكن منهم من يعلل بأن العتق لا يتبعّض فى ملك واحد، كالقاضى فى خلافه. وهذا موافقة على أن الواجب بالنذر عتق ثلثه لا غير. وإنما الباقى يعتق بالسراية.
[ ١ / ٧٥ ]
ومنهم من يعلل بقوة العتق وتأكيده، كما ذكره القاضى يعقوب هنا. وعلى هذا فالواجب عتق العبد كله بالنذر.
وذكر القاضى يعقوب أيضا: فيما إذا حلف ليقضينّه دراهمه التى عنده فأحاله بها، وقال: يحتمل أن يبرأ؛ لأن ذمته قد برئت بالحوالة. وهذا مخالف لقول القاضى والأصحاب؛ فإن الحوالة نقلت الحق من ذمة إلى ذمة، ولم يحصل بها الاستيفاء.
ورأيت بخط أبى زكريا بن الصيرفى الفقيه: أن القاضى أبا على يعقوب اختار جواز أخذ الزكاة لبنى هاشم، إذا منعوا حقهم من الخمس.
وقرأت بخط الجنيد بن يعقوب الجيلى الفقيه «فرع: تملك الأم الرجوع فى الهبة» وهو اختيار القاضى يعقوب بن إبراهيم. وفيه رواية أخرى: لا تملك.
اختارها بقية الأصحاب. وذكر القاضى يعقوب الخلاف بين أصحابنا فى أن الحروف: هل هى حرف واحد قديم، أو حرفان: قديم ومحدث؟ وقال: كلام أحمد يحتمل القولين. ولكنه اختار أنها حرف واحد. وحكاه عن شيخه القاضى وذكر أنه سمع ابن جلبة الحرانى يحكيه عن الشريف الزبدى، وجماعة من أهل حران.
والتزم القاضى يعقوب: أن كل ما كان موافقا لكتاب الله من الكلام فى لفظه ونظمه وحروفه، فهو من كتاب الله، وإن قصد به خطاب آدمى، حتى إنه لا يبطل الصلاة.
قال أبو العباس بن تيمية: وهذا مخالف للاجماع. وهو كما قال. فإنه إذا جرّد قصده للخطاب، فهو يتكلم بكلام الآدميين. وأما إن قصد التنبيه بالقرآن، فمن الأصحاب من قال: لا يحنث، ومنهم من بناه على الخلاف فى بطلان الصلاة بذلك.
[ ١ / ٧٦ ]