بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن الهيثم بن عبد الله التميمى، البغدادى المقرئ، المحدث الفقيه الواعظ، شيخ أهل العراق فى زمانه، أبو محمد بن أبى الفرج بن أبى الحسن.
ولد سنة أربعمائة - وقيل: سنة إحدى وأربعمائة - وفى الطبقات لابن الجوزى:
سنة أربع.
وقال السلفى: سمعت أبا الحسن على بن محمد بن سلامة الروحانى بمصر يقول:
سمعت رزق الله التميمى ببغداد يقول: مولدى سنة ست وتسعين وثلاثمائة.
وقرأ القرآن بالروايات على أبى الحسن الحمامى. وسمع الحديث من أبى الحسين بن التميم، وأبى عمر بن مهدى، وابنى بشران، وأبى علي بن شاذان، وغيرهم.
وأجاز له أبو عبد الرحمن السلمى الصوفى، وتفقه على أبيه أبى الفرج، وعمه أبى الفضل عبد الواحد، وأبى علىّ بن أبى موسى صاحب الإرشاد.
قال أبو الحسين: وقرأ على الوالد السعيد قطعة من المذهب.
وأدرك من أصحاب ابن مجاهد رجلا يقال له: أبو القاسم عبد الله بن محمد
[ ١ / ٧٧ ]
الخفاف، وقرأ عليه سورة البقرة. وقرأها على ابن مجاهد، وأدرك من أصحاب أبى بكر الشبلى رجلا، وهو عمر بن تعويذ. وحكى عنه حكاية عن الشبلى
قال ابن الجوزى: وشهد عند أبى الحسين بن ما كولا قاضى القضاة. فلما توفى وولى ابن الدامغانى ترك الشهادة؛ ترفعا عن أن يشهد عنده. فجاء قاضى القضاة إليه مستدعيا لمودّته وشهادته عنده، فلم يخرج له عن موضعه، ولم يصحبه مقصوده.
قال: وكان قد اجتمع للتميمى القرآن، والفقه والحديث، والأدب والوعظ. وكان جميل الصورة، فوقع له القبول من الخواص والعوام. وأخرجه الخليفة رسولا إلى السلطان فى مهام الدولة. وكان له الحلقة فى الفقه، والفتوى والوعظ بجامع المنصور. فلما انتقل إلى باب المراتب كانت له حلقة بجامع القصر يروى فيها الحديث، ويفتى. وكان يمضى فى السنة أربع دفعات: فى رجب، وشعبان، ويوم عرفة، وعاشوراء، إلى مقبرة أحمد، ويعقد هناك مجلسا للوعظ.
وقال فى الطبقات: كانت له المعرفة الحسنة بالقرآن والحديث، والفقه والأصول، والتفسير، واللغة والعربية، والفرائض. وكان حسن الأخلاق.
وحكى عن ابن عقيل قال: كان سيد الجماعة من أصحاب أحمد بيتا ورئاسة وحشمة أبا محمد التميمى. وكان أحلى الناس عبارة فى النظر، وأجراهم قلما فى الفتيا، وأحسنهم وعظا.
وقال ابن عقيل فى فنونه - والكلام أظنه فى تاريخ بغداد -: ومن كبار مشايخى: أبو محمد التميمى شيخ زمانه. كان حسنة العالم، وماشطة بغداد.
وذكر عن التميمى أنه كان يقول: كلّ الطوائف تدّعينى.
وقال شجاع الذهلى - فيما حكاه عن السلفى - كان له لسان وعارضة، وحلاوة منطق. وهو أحد الوعاظ المذكورين، والشيوخ المتقدمين. وقد سمعت منه.
[ ١ / ٧٨ ]
وقال السلفى: سألت المؤتمن الساجى عن أبى محمد التميمى؟ فقال: هو الإمام علما ونفسا وأبوة، وما يذكر عنه فتحامل من أعدائه.
وقال شيرويه الديلمى الحافظ: هو شيخ الحنابلة، ومقدمهم. سمعت منه.
وكان ثقة صدوقا، فاضلا ذا حشمة.
وقال أبو عامر العبدرى: رزق الله التميمى كان شيخا بهيا، ظريفا لطيفا، كثير الحكايات والملح، ما أعلم منه إلاّ خيرا.
وقال أبو على بن سكرة فى مشيخته: ما لقيت فى بغداد مثله - يعنى التميمى - قرأت عليه كثيرا. وإنما لم أطل ذكره لعجزى عن وصفه لكماله وفضله
وقال ابن ناصر ما رأيت شيخا ابن سبع وثمانين سنة أحسن سمتا وهديا، واستقامة منه، ولا أحسن كلاما، وأظرف وعظا، وأسرع جوابا منه؛ فلقد كان جمالا للاسلام كما لقب، وفخرا لأهل العراق خاصة، ولجميع بلاد الإسلام عامة، وما رأينا مثله. وكان مقدما على الشيوخ والفقهاء وشهود الحضرة، وهو شاب ابن عشرين سنة، فكيف به وقد ناهز التسعين سنة؟ وكان مكرما وذا قدر رفيع عند الخلفاء، منذ زمن القادر ومن بعده من الخلفاء إلى خلافة المستظهر.
وله تصانيف. منها «شرح الإرشاد» لشيخه ابن أبى موسى فى الفقه والخصال والأقسام.
قرأ عليه بالروايات جماعة، منهم: أبو الكرم الشهرزورى، وغيره. وأملى الحديث. وسمع منه خلق كثير ببغداد وأصبهان، لما قدمها رسولا من جهة المقتدى.
وممن سمع منه الحفاظ: إسماعيل التميمىّ، وأبو سعد بن البغدادى، وأبو عبد الله الحميدى، وابن الخاضبة، وأبو مسعود سليمان بن إبراهيم، وأبو نعيم ابن الحداد، وأبو علي البردانى، وأبو نصر الغازى، وإسماعيل بن السمرقندى، وابن ناصر، ومحمد بن طاهر، وعبد الوهاب الأنماطى.
[ ١ / ٧٩ ]
وسمع منه أيضا: نصر الله المصيصى، وهبة الله بن طاوس، وعلىّ بن طراد، والقاضى أبو بكر، والقاضى أبو الحسين، وأخوه أبو حازم، وابن البطّى، وخلق كثير.
وقد روى ابن السمعانى: حديث «من عادى لى وليّا» عن أربعة وسبعين، سماعا له، سمعوه من التميمى.
وروى عنه من أهل أصبهان أزيد من مائة راو. وآخر من روى عنه:
السلفى بالإجازة.
وذكر ابن النجار فى أول تاريخه بإسناده عن خميس الجوزى الحافظ:
سمعت طلحة بن على الرازى، قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام ببغداد، كأنه فى مسجد عتاب، جالس فى القبلة، وعليه برد كحل (^١)، وهو متقلد بسيف، والمسجد غاص بأهله. وفى الجماعة أبو محمد التميمى وهو يقول له:
يا رسول الله، ادع الله لنا فرفع يديه، فقال - وأنا أقول معه -: اللهم إنّا نسألك حسن الاختيار فى جميع الأقدار، ونعوذ بك من سوء الاختيار فى جميع الأقدار.
قال أحمد بن طارق الكركى: سمعت أبا الكرم الشهرزورى يقول:
سمعت التميمى يقول: لما دخلت سمرقند برسالة المقتدى إلى «ملكشاه» رأيتهم يروون الناسخ والمنسوخ لهبة الله عن خمسة رجال إليه، فقلت لهم: الكتاب معى، والمصنّف جدى لأمى، ومنه سمعته، ولكن ما أسمع كل واحد منكم إلا بمائة دينار. فما كان الظهر حتى جاءنى كيس فيه خمسمائة دينار والجماعة فسمعوا علىّ، وسلموا إلىّ الذهب. قال: ولما عدنا من سمرقند ودخلنا أصبهان، وأمليت الحديث يوم جمعة، فقام الجماعة ومدحونى، وقالوا: ما سمعنا أحسن من هذا.
ولأبى محمد التميمى شعر حسن. قال ابن السمعانى: أنشدنا هبة الله ابن طاوس بدمشق، أنشدنا التميمى لنفسه:
وما شنآن الشيب من أجل لونه … ولكنه حاد إلى البين مسرع
_________________
(١) فى خطية إدارة الثقافة «كحلىّ»
[ ١ / ٨٠ ]
إذا ما بدت منه الطليعة آذنت … بأنّ المنايا خلفها تتطلع
فإن قصّها المقراض صاحت بأختها … فتظهر تتلوها ثلاث وأربع
وإن خضبت حال الخضاب لأنّه … يغالب صنع الله، والله أصنع
فيضحى كريش الديك فيه تلمّع … وأقطع ما يكساه ثوب ملمّع
إذا ما بلغت الأربعين فقل لمن … يودك فيما تشتهيه وتسرع
هلموا لنبكى قبل فرقة بيننا … فما بعدها عيش لذيذ ومجمع
وخلّ التصابى، والخلاعة، والهوى … وأمّ طريق الحق، فالحقّ أنفع
وخذ جنّة تنجى وزادا من التقى … وصحبة مأمون، فقصدك مفزع
قال: وأنشدنا إسماعيل بن السمرقندى، أنشدنا التميمى لنفسه:
مررنا على رسم الديار فسلّمنا … وقلنا له: يا ربع أين نأوا عنّا؟
وجدنا بدمع كالرذاذ على الثّرى … فصمّ المنادى، فانصرفنا كما كنّا
وما ذاك إلاّ أنّ رسم ديارهم … به كالذى نلقى فقد زادنا حزنا
فلما أيسنا من جواب رسومهم … نزلنا فقبلنا الثرى قبل أن رحنا
ومن شعره:
يا ويح هذا القلب ما حاله … مشتغلا فى الحى بلباله
سكران لو يصحو لعاتبه … وكيف بالعتب لمن حاله
دمع غزير، وجوى كامن … يرحمه من ذاك عذّاله
ما ينثنى باللوم عن حبّه … تغيّرت فى الحب أحواله
قال: وأنشدنا لنفسه:
ولم أستطع يوم الفراق وداعه … بلفظى فناب الدمع منّي عن القول
وشيّعه صبرى ونومى كلاهما … فعدت بلا أنس نهارى ولا ليلى
فلما مضى أقبلت أسعى مولّها … يدى على رأسى وناديت: يا ويلى
تبدّلت يوم البين بالأنس وحشة … وجرّرت بالخسران يوم النوى ذيلى
[ ١ / ٨١ ]
وله أيضا:
لا تسألانى عن الحىّ الذى بانا … فإننى كنت يوم البين سكرانا
يا صاحبيّ على وجدى بنعمانا … هل راجع وصل ليلى كالذى كانا؟
أم ذاك آخر عهد للّقاء بها … فنجعل الدهر ما عشناه أحزانا
ما ضرّهم لو أقاموا يوم بينهم … بقدر ما يلبس المحزون أكفانا
ليت الجمال التى للبين ما خلقت … وليت حاد حدا للبين حيرانا
توفى أبو محمد التميمى رحمه الله تعالى ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة. وصلّى عليه ابنه أبو الفضل من الغد. ودفن بداره بباب المراتب بإذن الخليفة المستظهر. ولم يدفن بها أحد قبله.
ثم لما توفى ابنه أبو الفضل سنة إحدى وتسعين، نقل معه إلى مقبرة باب حرب، فدفن إلى جانب أبيه وجده وعمه، بدكة الإمام أحمد عن يمينه.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الصالحى، أخبرنا أبو المعالى أحمد بن إسحاق الهمدانى، أنبأنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن سابور، أنبأنا عبد العزيز بن محمد بن منصور الشيرازى ح وأنبأتنا زينب بنت أحمد عن عبد الرحمن بن مكى عن جده أبى الطاهر بن أحمد بن محمد الأصبهانى، قالا: أنبأنا أبو محمد رزق الله ابن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحرث بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود ابن سفيان بن يزيد بن أكينة بن الهيثم بن عبد الله التميمى - قال الأول:
سماعا، وقال الثانى: إجازة - قال: سمعت أبى أبا الفرج عبد الوهاب يقول:
سمعت أبى أبا الحسن عبد العزيز يقول: سمعت أبى أبا بكر الحرث يقول: سمعت أبى أسدا يقول: سمعت أبى الليث يقول: سمعت أبى سليمان يقول: سمعت أبى الأسود يقول: سمعت أبى سفيان يقول: سمعت أبى يزيد يقول: سمعت أبى أكينة يقول: سمعت أبى الهيثم يقول: سمعت أبى عبد الله يقول:
[ ١ / ٨٢ ]
سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما اجتمع قوم على ذكر الله إلاّ حفّتهم الملائكة وغشيتهم الرّحمة».
«أكينة» بضم الهمزة وفتح الكاف وبالياء والنون المفتوحة قيّده ابن ماكولا وغيره. وعبد الله هذا هو ابن الحرث بن سيدان بن مرّة بن سفيان بن مجاشع ابن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمى. كذا نسبه ابن ماكولا.
وقال ابن الجوزى: كان عبد الله هذا اسمه عبد اللات، فسماه رسول الله ﷺ: عبد الله، وعلمه. وأرسله إلى اليمامة والبحرين؛ ليعلمهم أمر دينهم، وقال: «نزع الله من صدرك وصدر ولدك الغل والغش إلى يوم القيامة».
قرأت بخط الإمام أبى العباس بن تيمية: أن أبا محمد التميمى وافق جده أبا الحسن على كراهة الماء المسخن بالشمس.
ونقل بعض الأصحاب عن أبى محمد التميمى: أنه اختار أن خروج المنى بغير شهوة يوجب الغسل.
وذكر ابن الصيرفى فى نوادره قال: نقل أبو داود عن أحمد: المرأة تعدم الماء، ويكون عنده مجتمع الفساق، فتخاف أن تخرج: أتتيمم؟ قال: لا أدرى.
قال أبو محمد التميمى فى شرح الإرشاد: يتوجه أن تتيمم لأنه ضرورة. وهل تعيد الوضوء إذا قدرت على الماء؟ على وجهين. أصحهما: لا إعادة عليها.
قال: وكان عبد العزيز يقول: تعيد الوضوء والصلاة إذا قدرت، فإن لم تعد فلا جناح.
وقال غيره من أصحابنا: لا إعادة. قال: وهو الصحيح. وبه يقول شيخنا - يعنى: ابن أبى موسى.
[ ١ / ٨٣ ]
قلت: فحقيقة الوجهين فى الإعادة إنما هى فى الاستحباب وعدمه؛ فإن أبا بكر قد قال: فإن لم تعد فلا حرج.
وقد ذكر الأصحاب: أن أحمد نصّ فى رواية أخرى على أنها لا تمضى وتتيمم بل قالوا: لا يجوز لها المضى إذا خافت على نفسها منهم.
وفى النوادر أيضا: أن أبا محمد التميمى حكى رواية عن أحمد: بصحة الصلاة عن يسار الإمام مع الكراهة.
وفى المنثور لابن عقيل: ذكر شيخنا فى الجامع الكبير: إذا فصد، وشد العصابة: مسح عليها وتيمم. فاعترض عليه أبو محمد التميمى بأنه لا يخلو: إما أن يكون جرحا فيتيمم له، أو مثل الجبيرة فيمسحه فقط. فقال القاضى: وجدته عن أحمد كذلك - يعنى: جواب التميمى.
وذكر ابن الجوزى فى تاريخه: أن جلال الدولة أمره أن يكتب شاهنشاه (^١) الأعظم ملك الملوك، وخطب له بذلك. فنفر العامة، ورجموا الخطباء، ووقعت فتنة. وذلك سنة تسع وعشرين وأربعمائة. فاستفتى الفقهاء فكتب الصّيمرى:
أنّ هذه الأسماء يعتبر فيها القصد والنية. وكتب أبو الطيب الطبرى: أن إطلاق ملك الملوك جائز، ويكون معناه ملك ملوك الأرض. وإذا جاز أن يقال: قاضى القضاة، وكافى الكفاة، جاز أن يقال: ملك الملوك. وكتب التميمى نحو ذلك وذكر محمد بن عبد الملك الهمذانى: أن القاضى الماوردى منع من جواز ذلك.
قال ابن الجوزى: والذى ذكره الأكثرون هو القياس إذا قصد به ملوك الدنيا، إلا أنى لا أرى إلا ما رآه الماوردى؛ لأنه قد صحّ فى الحديث ما يدل على المنع لكنهم عن النقل بمعزل. ثم ساق حديث أبى هريرة الذى فى الصحيحين.
وابن الجوزى وافق على جواز التسمية بقاضى القضاة ونحوه. وقد ذكر شيخنا أبو عبد الله بن القيم قال: وقال بعض العلماء: وفى معنى ذلك - يعنى: ملك الملوك - كراهية التسمية بقاضى القضاة، وحاكم الحكام؛ فإنّ حاكم الحكام
_________________
(١) فى خطية إدارة الثقافة «شاه شاه».
[ ١ / ٨٤ ]
فى الحقيقة هو الله تعالى. وقد كان جماعة من أهل الدين والفضل يتورعون عن إطلاق لفظ قاضى القضاة، وحاكم الحكام، قياسا على ما يبغضه الله ورسوله من التسمية بملك الأملاك. وهذا محض القياس.
قلت: وكان شيخنا أبو عمر عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن جماعة الكنانى الشافعى - قاضى الديار المصرية، وابن قاضيها - يمنع الناس أن يخاطبوه بقاضى القضاة، أو يكتبوا له ذلك، وأمرهم أن يبدلوا ذلك بقاضى المسلمين.
وقال: إنّ هذا اللفظ مأثور عن على ﵁.
يوضح ذلك: أن التقليب بملك الملوك إنما كان من شعائر ملوك الفرس من الأعاجم المجوس ونحوهم. وكذلك كان المجوس يسمون قاضيهم «موبذ موبذان» يعنون بذلك: قاضى القضاة. فالكلمتان من شعائرهم، ولا ينبغى التسمية بهما. والله أعلم.