بن على بن عبد الرزاق، الشيرازى الأصل، البغدادى، الصّفّار، المقرئ، الزاهد، المعروف بأبى منصور الخياط.
ولد سنة إحدى وأربعمائة، فى شوال - أو ذى القعدة - وقرأ القرآن على أبى نصر أحمد بن عبد الوهاب بن مسرور، وغيره. وسمع الحديث فى كبره من أبى القاسم ابن بشران، وأبى منصور بن السواق، وأبى طاهر عبد الغفار بن محمد المؤدب، والحسين بن محمد الخلال، وأبى الحسن القزوينى وغيرهم.
[ ١ / ٩٥ ]
وتفقه على القاضى أبى يعلى. وصنف كتاب «المهذب فى القراءات» وروى الحديث الكثير.
وروى عنه سبطه أبو محمد عبد الله بن على المقرئ وأخوه أبو عبد الله الحسين، وعبد الوهاب بن الأنماطى، وابن ناصر، والسلفى، وسعد الله بن الدجاجى، وأبو الفضل خطيب الموصل وغيرهم.
وكان إماما بمسجد ابن جرده ببغداد، بحريم دار الخلافة. اعتكف فيه مدة طويلة، يعلّم العميان القرآن، لوجه الله تعالى، ويسأل لهم، وينفق عليهم. فختم عليه القرآن خلق كثير، حتى بلغ عدد من أقرأهم القرآن من العميان سبعين ألفا.
قال ابن النجار: هكذا رأيته بخط أبى نصر اليونارتى الحافظ. وقد زعم بعض الناس أن هذا مستحيل، وأنه من سبق القلم. وإنما أراد: سبعين نفسا.
وهذا كلام ساقط؛ فإن أبا منصور قد تواتر عنه إقراء الخلق الكثير فى السنين الطويلة.
قال ابن الجوزى: أقرأ السنين الطويلة. وختم عليه القرآن ألوف من الناس
وقال القاضى أبو الحسين: أقرأ بضعا وستين سنة، ولقن أمما. وهذا موافق لما قاله أبو نصر. وهذا أمر مشهور عن أبى منصور، فيكون جميع من ختم عليه القرآن سبعين نفسا. وهذا باطل قطعا. ونحن نرى آحاد المقرئين يختم عليه أكثر من سبعين نفسا. وإنما كان الشيخ أبو منصور يقرئ هو بنفسه وبأصحابه هذه المدد الطويلة، فاجتمع فيها إقراء هذا العدد الكثير.
قال ابن الجوزى: كان أبو منصور من كبار الصالحين الزاهدين المتعبدين.
كان له ورد بين العشاءين، يقرأ فيه سبعا من القرآن قائما وقاعدا، حتى طعن فى السن.
وقال ابن ناصر عنه: كان شيخا صالحا، زاهدا، صائما أكثر وقته، ذا كرامات ظهرت له بعد موته.
[ ١ / ٩٦ ]
قال أبو الحسين: كان الوالد السعيد إذا جلس للحكم بنهر المعلى يقصد الجلوس للحكم بمسجده ويصلى خلفه.
قال عبد الوهاب الأنماطى: توفى الشيخ الزاهد أبو منصور، فى يوم الأربعاء، وقت الظهر، السادس عشر من المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة.
وصلّى عليه يوم الخميس فى جامع القصر ابن ابنته أبو محمد عبد الله. وكان الجمع كثيرا جدا. وعبر به إلى جامع المنصور، فصلى عليه أيضا، وحضرت ذلك.
وكان الجمع وافرا عظيما. وكانت الصلاة عليه فى داخل المقصورة عند القبلة.
ومضيت معه إلى باب حرب. ودفن فى الدكة بجنب الشيخ أبى الوفاء بن قواس.
وقال ابن الجوزى: مات وسنة سبع وتسعون سنة، ممتعا بسمعه وبصره وعقله. وحضر جنازته ما لا يحد من الناس، حتى إن الأشياخ ببغداد كانوا يقولون: ما رأينا جمعا قط هكذا، لا جمع ابن القزوينى، ولا جمع ابن الفراء، ولا جمع الشريف أبى جعفر. وهذه الجموع التى تناهت إليها الكثرة، وشغل الناس ذلك اليوم وفيما بعده عن المعاش، فلم يقدر أحد من نقاد الباعة فى ذلك الأسبوع على تحصيل نقده.
وقال أبو منصور بن خيرون: ما رأيت مثل يوم صلّى على أبى منصور الخياط، من كثرة الخلق والتبرك بالجنازة.
وقال السلفى: ذكر لى المؤتمن فى ثانى جمعة من وفاة الشيخ أبى منصور:
أن اليوم ختموا على رأس قبره مائتى وإحدى وعشرين ختمة.
قال السلفى: وقال لى على بن محمد بن الأيسر العكبرى - وكان رجلا صالحا -: حضرت جنازة الشيخ الاجل أبى منصور بن يوسف، وأبى تمام بن أبى موسى القاضى، فلم أرقط خلقا أكثر ممن حضر جنازة الشيخ أبى منصور.
قال: واستقبلنا يهوديّ فرأى كثرة الزحام والخلق، فقال: أشهد أن هذا الدين هو الحق، وأسلم.
[ ١ / ٩٧ ]
وذكر ابن السمعانى: سمعت أبا حفص عمر بن المبارك بن سهلان، سمعت الحسين بن خسرو البلخى، قال: رئى الشيخ أبو منصور الخياط فى النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لى بتعليمى الصبيان فاتحة الكتاب.
قرأت على أبى حفص عمر بن حسن المزى: أخبركم إسماعيل بن عبد الرحمن الفراء أنبأنا الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد المقدسى قال: قرأت على أبى عبد الله مظفر بن أبى نصر البواب، وابنه أبى محمد عبد الله بن مظفر ببغداد، قلت لهما:
حدثكما الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر قال: كنت أسمع الفقهاء فى النظامية يقولون: فى القرآن معنى قائم بالذات، والحروف والأصوات عبارات ودلالات على الكلام القديم القائم بالذات، فحصل فى قلبى شئ من ذلك حتى صرت أقول بقولهم موافقة. وكنت إذا صليت أدعو الله تعالى أن يوفقنى لأحبّ المذاهب والاعتقادات إليه، وبقيت على ذلك مدة طويلة أقول: اللهم وفقنى لأحب المذاهب إليك وأقر بها عندك.
فلما كان فى أول ليلة من رجب سنة أربع وتسعين وأربعمائة رأيت فى المنام كأنى قد جئت إلى مسجد الشيخ أبى منصور الخياط، والناس على الباب مجتمعون، وهم يقولون: إن النبى ﷺ عند الشيخ أبى منصور، فدخلت المسجد، وقصدت إلى الزاوية التى كان يجلس فيها الشيخ أبو منصور، فرأيته قد خرج من زاويته، وجلس بين يدى شخص، فما رأيت شخصا أحسن منه على نعت النبيّ ﷺ الذى وصف لنا. وعليه ثياب ما رأيت أشد بياضا منها، وعلى رأسه عمامة بيضاء. والشيخ أبو منصور مقبل عليه بوجهه، فدخلت فسلمت، فردّ علىّ السلام، ولم أتحقق من الرادّ علىّ؛ لدهشتى برؤية النبىّ ﷺ. وجلست بين أيديهما، فالتفت إلى النبى ﷺ من غير أن أسأله عن شئ، أو أستفتحه بكلام أصلا، وقال لى: عليك بمذهب هذا الشيخ. عليك بمذهب هذا الشيخ. عليك بمذهب هذا الشيخ.
[ ١ / ٩٨ ]
قال الحافظ أبو الفضل: وأنا أقسم بالله ثلاثا، وأشهد بالله لقد قال لى ذلك رسول الله ﷺ ثلاثا. ويشير فى كل مرة بيده اليمنى إلى الشيخ أبى منصور.
قال: فانتبهت وأعضائى ترعد، فناديت والدتى رابعة بنت الشيخ أبى حكيم الحبرى، وحكيت لها ما رأيت، فقالت: يا بنى، هذا منام وحى، فاعتمد عليه.
فلما أصبحت بكرت إلى الصلاة خلف الشيخ أبى منصور. فلما صلينا الصبح قصصت عليه المنام، فدمعت عيناه، وخشع قلبه، وقال لى: يا بنى، مذهب الشافعى حسن، فتكون على مذهب الشافعى فى الفروع، وعلى مذهب أحمد وأصحاب الحديث فى الأصول، فقلت له: أى سيدى، ما أريد أكون لونين.
وأنا أشهد الله وملائكته وأنبيائه، وأشهدك على أبى منذ اليوم لا أعتقد ولا أدين الله ولا أعتمد إلا على مذهب أحمد فى الأصول والفروع. فقبّل الشيخ أبو منصور رأسى، وقال: وفقك الله، فقبّلت يده.
وقال لى الشيخ أبو منصور: أنا كنت فى ابتدائى شافعيا. وكنت أتفقه على القاضى الإمام أبى الطيب الطبرى، وأسمع الخلاف عليه. فحضرت يوما عند الشيخ أبى الحسن علىّ بن عمر القزوينى الزاهد الصالح لأقرأ عليه القرآن، فابتدأت أقرأ عليه القرآن، فقطع على القراءة مرة أو مرتين، ثم قال: قالوا وقلنا، وقلنا وقالوا. فلا نحن نرجع إليهم، ولا هم يرجعون إلى قولنا، ورجعنا إلى عادتنا. فأىّ فائدة فى هذا؟ ثم كرر علىّ هذا الكلام، فقلت فى نفسى: والله ما عنى الشيخ بهذا أحدا غيرى، فتركت الاشتغال بالخلاف. وقرأت مختصر أبى القاسم الخرقى على رجل كان يقرئ القرآن.
قال الحافظ: ورأيت بعد ذلك ما زادنى يقينا، وعلمت أنّ ذلك تثبيت من الله، وتعليم لأعرف حق نعمة الله علىّ وأشكره، والله المسئول الخاتمة بالموت على الإسلام والسنة. آمين.
[ ١ / ٩٩ ]