بن الحسين بن أحمد بن جعفر السراج، المقرئ، المحدث، الأديب أبو محمد.
ولد سنة سبع عشرة وأربعمائة فى آخرها - أو فى أول سنة ثمان عشرة - ذكره السلفى عنه.
وقال شجاع الذهلى: سنة ست عشرة.
وقرأ القرآن بالروايات. وأقرأ سنين.
وسمع أبا على بن شاذان، وأبا محمد الخلال، وأبا القاسم بن شاهين، والبرمكى والقزوينى، وخلقا كثيرا.
وسافر إلى مكة، وسمع بها، ودخل الشام، وسمع بدمشق من عبد العزيز الكنانى والخطيب وغيرهما. وسمع بطرابلس، وتوجه إلى الديار المصرية، فسمع بها من أبى إسحاق الحبال وأبى محمد بن الضراب. وخرّج له الخطيب خمسة أجزاء معروفة، تسمى السراجيات.
وكان أدبيا شاعرا، لطيفا صدوقا، ثقة. وصنف كتبا حسانا، منها:
كتاب «مصارع العشاق» وكتاب «حكم الصبيان» وكتاب «مناقب السودان». وشعره مطبوع. وقد نظم كتبا كثيرة شعرا، فنظم كتاب «المبتدأ» وكتاب «مناسك الحج» وكتاب «الخرقى» وكتاب «التنبيه» وغيرها.
ذكر ذلك ابن الجوزى، وقال: حدثنا عنه أشياخنا. وآخر من حدثنا عنه شهدة بنت الإبرى، قال: وقرأت عليها كتابه المسمى «بمصارع العشاق» بسماعها منه.
قال: ومن أشعاره:
بان الخليط فأدمعى … وجدا عليهم تستهلّ
وحدا بهم حادى الفرا … ق عن المنازل فاستقلوا
[ ١ / ١٠٠ ]
قل للذين ترحّلوا … عن ناظرى والقلب حلوا
ودمى بلا جرم أتي … ت غداة بينهم استحلّوا
ما ضرّهم لو أنهلو … من ماء وصلهم وعلوا
قال: وأنبأنا أبو المعمر الأنصارى، أنشدنا جعفر السراج لنفسه:
قل للذين بجهلهم … أضحوا يعيبون المحابر
والحاملين لها من الأ … يدى بمجتمع الأساور
لولا المحابر والمقا … لم والصحائف والدفاتر
والحافظون شريعة الم … بعوث من خير العشائر
والناقلون حديثه … عن كابر ثبت وكابر
لرأيت من شيع الضلا … ل عساكرا تتلو عساكر
كل يقول بجهله … والله للمظلوم ناصر
سميتم أهل الحد … يث: أولى النهى وأولى البصائر
حشوية فعليكم … لعن يزيركم المقابر
هم حشو جنات النع … يم على الأسرة والمنابر
رفقاء أحمد كلهم … عن حوضه ريان صادر
أنبأنا أحمد بن على الجزرى، عن محمد بن عبد الهادى، عن أبى طاهر السلفى أنشدنا أبو محمد جعفر بن محمد السراج لنفسه:
سقى الله قبرا حلّ فيه ابن حنبل … من الغيث وسميّا على إثره ولى
على أن دمعى فيه روّى عظامه … إذا فاض ما لم يبل منها وما بلى
فلله رب الناس مذهب أحمد … فإنّ عليه ما حييت معوّلى
دعوه إلى خلق القرآن كما دعوا … سواه فلم يسمع ولم يتأوّل
ولا ردّه ضرب السياط وسجنه … عن السّنّة الغراء والمذهب الجلى
ولما يزدهم، والسياق تنوشه … فشلّت يمين الضارب المتبتل
[ ١ / ١٠١ ]
على قوله: القرآن، وليشهد الورى … كلامك يا ربّ الورى، كيفما ما تلى
فمن مبلغ أصحابه أننى به … أفاخر أهل العلم فى كل محفل
وألقى به الزهاد كلّ مطلّق … من الخوف دنياه طلاق التبتل
مناقبه إن لم تكن عالما بها … فكشفا طروس القوم عنهن واسأل
لقد عاش فى الدنيا حميدا موفقا … وصار إلى الأخرى إلى خير منزل
وإنّي لراج أن يكون شفيع من … تولاّه من شيخ ومن متكهل
ومن حدث قد نوّر الله قلبه … إذا سألوا عن أصله. قال: حنبلى
وقد روى هذه الأبيات عن جعفر الحافظان: محمد بن ناصر، ويحيى بن منده.
وساقها فى كتابه «مناقب أحمد».
وقد أثنى عليه شجاع الذهلى، وعبد الوهاب الأنماطى، وابن ناصر، وقال:
كان ثقة، مأمونا عالما، فهما صالحا.
كتب الكثير. وصنّف عدّة مصنفات وكان قديما يستملى على أبى الحسن القزوينى، وأبى محمد الخلال، وغيرهما.
قال القاضى عياض: سألت أبا على بن سكرة عن جعفر السراج؟ فقال:
شيخ فاضل جميل وسيم مشهور يفهم. عنده لغة وقراءات. وكان الغالب عليه الشعر.
وذكره القاضى أبو بكر بن العربى، فقال: ثقة، عالم، مقرئ. له أدب ظاهر، واختصاص بالخطب.
وقال السلفى: كان ممن يفتخر برويته وروايته لديانته ودرايته. وله تواليف مفيدة. وفى شيوخه كثرة. وأعلاهم إسنادا ابن شاذان.
وقال ابن النجار: كتب بخطه الكثير، وكانت له معرفة بالحديث والأدب وحدّث بالكثير على استقامة وسداد، ببغداد، والشام، ومصر.
[ ١ / ١٠٢ ]
وسمع منه الأئمة الكبار والحفاظ. وكان متدينا حسن الطريقة، مع ظرفه ولطف أخلاقه.
روى عنه أبو القاسم بن السمرقندى، وعبد الوهاب الأنماطى، وابن ناصر، والسلفى، وغيرهم.
ومن شعر جعفر السراج:
لله درّ عصابة … يسعون فى طلب الفوائد
يدعون أصحاب الحدي … ث بهم تجلت المشاهد
طورا تراهم بالصعي … د وتارة فى ثغر آمد
يتتبعون من العلو … م بكل أرض كلّ شارد
فهم النجوم المهتدى … بهم إلى سبل المقاصد
وله:
إذا كنتم تكتبون الحدي … ث ليلا وفى صبحكم تسمعون
وأفنيتم فيه أعماركم … فأىّ زمان به تعملون؟
قال ابن الجوزى: كان جعفر السراج صحيح البدن، لم يعتوره فى عمره مرض يذكر، فمرض أياما.
وتوفى ليلة الأحد العشرين من صفر سنة خمسمائة. ودفن بالمقبرة المعروفة بالأجمة من باب أبرز.
وقيل: مات ليلة الأحد، حادى عشرين صفر. كذا قال ابن ناصر والذهلى.
[ ١ / ١٠٣ ]