بن أحمد العلثى، أبو بكر الزاهد.
ذكره أبو الحسين، وابن الجوزى فى الطبقات فقال: أحد المشهورين بالزهد والصلاح. سمع الحديث على القاضى أبى يعلى، وقرأ عليه شيئا من المذهب.
وقال أبو الحسين: صحب الوالد سنين. سمع درسه والحديث منه. وكان يعمل بيده يجصص الحيطان، ثم ترك ذلك، ولازم المسجد يقرئ القرآن ويؤم الناس وكان عيفا لا يقبل من أحد شيئا، ولا يسأل أحدا حاجة لنفسه من أمر الدنيا، مقبلا على شأنه ونفسه، مشتغلا بعبادة ربه، كثير الصوم والصلاة، مسارعا إلى قضاء حوائج المسلمين، مكرما عند الناس أجمعين.
وكان يذهب بنفسه كل ليلة إلى دجلة، فيأخذ فى كوز له ماء يفطر عليه.
[ ١ / ١٠٤ ]
وكان يمشى بنفسه فى حوائجه ولا يستعين بأحد. وكان إذا حج يزور القبور بمكة، ويجئ إلى قبر الفضيل بن عياض، ويخط بعصاه، ويقول: يا رب ههنا، يا رب ههنا. فاتفق أنه خرج فى سنة ثلاث وخمسمائة إلى الحج. وكان قد وقع من الجمل فى الطريق دفعتين، فشهد عرفة محرما، وبه بقية من ألم الوقوع.
وتوفى عشية ذلك اليوم - يوم الأربعاء، يوم عرفة - فى أرض عرفات.
فحمل إلى مكة، فطيف به البيت. ودفن يوم النحر إلى جنب قبر الفضيل ابن عياض ﵁.
وذكره فى التاريخ أيضا، فذكره نحوا من ذلك. وقال: كان يتنزه عن عمل النقوش والصور. وكان له عقار قد ورثه عن أبيه، فكان يبيع منه شيئا فشيئا، فيتقوّت به.
وذكر أبو الحسين: أن سبب تركه لصناعته: أنه دخل مرة مع الصناع إلى بعض دور السلاطين مكرها. وكان فيها صور من الاسفيداج مجسمة، فلما خلا كسرها كلها، فاستعظموا ذلك. فقال: هذا منكر، والله أمر بكسره فانتهى أمره إلى السلطان، وقيل له: هذا رجل صالح مشهور بالديانة، وهو من أصحاب ابن الفراء، فقال: يخرج، ولا يكلم، ولا يقال له شئ يضيق به صدره، ولا يرجع يجاء به إلى عندنا.
قال: وظهر له من الكرامات غير قليل.
أخبرنى من أثق به: أنه كان لبعض أهله صبى صغير، فظهر به وجع فى حلقه ورقبته، وخافوا منه على الصبيّ، فحمله إلى الشيخ فقرأ عليه، ونفث من ريقه، فزال ما كان به بعد يوم أو يومين، ولم يحتج إلى علاج.
قال ابن الجوزى: وصحب القاضى أبا يعلى. وقرأ عليه طرفا من الفقه، وسمع منه الحديث، وحدّث عنه بشئ يسير.
قلت: روى عنه ابن ناصر، والسلفى. ولما بلغ خبر موته إلى بغداد نودى
[ ١ / ١٠٥ ]
فى البلد بالصلاة عليه صلاة الغائب، فحضر الناس فى جامعى بغداد من الجانبين.
وحضر أصحاب دولة المستظهر بالله أمير المؤمنين. وتقدم للصلاة عليه فى الجانب الشرقى بعض أصحاب القاضى.
قال أبو الحسين: وصليت عليه أنا فى مسجدى بباب المراتب، لعذر، وصلّى معى جماعة.