بن محمد بن عقيل بن أحمد - كذا قرأت نسبه بخطه - البغدادى، الظفرى، المقرئ الفقيه، الأصولى، الواعظ المتكلم، أبو الوفاء، أحد الأئمة الأعلام، وشيخ الإسلام.
ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة فى جمادى الآخرة. كذا نقله عنه ابن ناصر السلفى.
قال ابن الجوزى. ورأيته بخطّه.
ونقل عنه على بن مسعود بن هبة الله البزار أنه قال: ولدت فى جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين، وتفقهت فى سنة سبع وأربعين.
وذكر أبو محمد بن السمرقندى عنه: أنه ولد سنة ثلاثين. والأول أصح.
وحفظ القرآن. وقرأ بالروايات القرآن على أبى الفتح بن شيطا، وغيره.
وكان يقول: شيخى فى القراءة: ابن شيطا. وفى النحو والأدب: أبو القاسم بن برهان. وفى الزهد: أبو بكر الدينورى، وأبو بكر بن زيدان، وأبو الحسين القزوينى، وذكر جماعة غيرهم من الرجال والنساء. وفى آداب التصوف:
أبو منصور صاحب الزيادة العطار، وأثنى عليه بالزهد والتخلق بأخلاق متقدمى الصوفية. وفى الحديث: ابن النّورى، وأبو بكر بن بشران، والعشارى، والجوهرى وغيرهم. وفى الشعر والترسل: ابن شبل، وابن الفضل. وفى الفرائض: أبو الفضل الهمذانى. وفى الوعظ: أبو طاهر بن العلاف صاحب ابن سمعون. وفى الأصول:
أبو الوليد وأبو القاسم ابن التبان. وفى الفقه: القاضى أبو يعلى المملوء عقلا وزهدا وورعا. قرأت عليه سنة سبع وأربعين، ولم أخل بمجالسه وخلوته التى تتسع لحضورى، والمشى معه ماشيا وفى ركابه إلى أن توفى. وحظيت من قربه بما
[ ١ / ١٤٢ ]
لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سنى. والشيخ أبو إسحاق الشيرازى، إمام الدنيا وزاهدها، وفارس المناظرة وواحدها. كان يعلمنى المناظرة، وانتفعت بمصنّفاته. وأبو نصر بن الصباغ، وأبو عبد الله الدامغانى، حضرت مجالس درسه ونظره. وقاضى القضاة الشامى انتفعت به غاية النفع، وأبو الفضل الهمذانى.
وأكبرهم سنا وأكثرهم فضلا: أبو الطيب الطبرىّ حظيت برؤيته، ومشيت فى ركابه. وكانت صحبتى له حين انقطاعه عن التدريس والمناظرة، فحظيت بالجمال والبركة.
ومن مشايخى: أبو محمد التميمى. كان حسنة العالم، وماشطة بغداد.
ومنهم: أبو بكر الخطيب. كان حافظ وقته. وكان أصحابنا الحنابلة يريدون منى هجران جماعة من العلماء. وكان ذلك يحرمنى علما نافعا. وأقبل علي أبو منصور بن يوسف، فحظيت منه بأكبر حظوة. وقدمنى على الفتاوى، مع حضور من هو أسن منى، وأجلسنى فى حلقة البرامكة، بجامع المنصور، لما مات شيخى سنة ثمان وخمسين. وقام بكل مؤونتى وتحملى، فقمت من الحلقة أتتبع حلق العلماء لتلقط الفوائد.
وأما أهل بيتى: فإن بيت أبى كلهم أرباب أقلام، وكتابة، وشعر، وآداب. وكان جدّى محمد بن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة. وهو المنشئ لرسالة عزل الطائع وتولية القادر، ووالدى انظر الناس وأحسنهم جزلا وعلما.
وبيت أبى (^١) بيت الزهرى صاحب الكلام والدرس على مذهب أبى حنيفة.
وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة، مع عفة وتقى. ولا أزاحم فقيها فى حلقة، ولا تطلب نفسى رتبة من رتب أهل العلم القاطعة لى عن الفائدة. وتقلبت عليّ الدول فما أخذتنى دولة سلطان ولا عامة عما أعتقده أنه الحق، فأوذيت من أصحابى حتى طلب الدم وأوذيت فى دولة النظام بالطلب والحبس - فيا من خفت الكل لأجله، لا تخيب ظنى فيك - وعصمنى الله تعالى فى عنفوان شبابى بأنواع
_________________
(١) فى مخطوطة بأيدينا «وبيت أمى».
[ ١ / ١٤٣ ]
من العصمة، وقصر محبتى على العلم وأهله، فما خالطت لعّابا قط، ولا عاشرت إلا أمثالى من طلبة العلم.
قال: والغالب على أحداث طائفة أصحاب أحمد العفة، وعلى مشايخهم الزهادة والنظافة. آخر كلامه.
والأذية التى ذكرها من أصحابه له، وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء، نذكر بعض شرحها. وذلك:
أن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخى المعتزلة. وكان يقرأ عليهما فى السر علم الكلام، ويظهر منه فى بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات ﵀.
ففى سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شئ من تعظيم المعتزلة، والترحّم على الحلاّج وغير ذلك. ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره، فاشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه، فاختفى. ثم التجأ إلى دار السلطان، ولم يزل أمره فى تخبيط إلى سنة خمس وستين، فحضر فى أولها إلى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، فاصطلحوا ولم يحضر الشريف أبو جعفر؛ لأنه كان عاتبا على ولاة الأمر بسبب إنكار منكر قد سبق ذكره فى ترجمته.
فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف وصالحه وكتب خطّه:
يقول على بن عقيل بن محمد: إنّي أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم. وما كنت علّقته، ووجد بخطّى من مذاهبهم وضلالتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته. ولا تحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده.
وإننى علقت مسألة الليل فى جملة ذلك. وإن قوما قالوا: هو أجساد سود.
[ ١ / ١٤٤ ]
وقلت: الصحيح: ما سمعته من الشيخ أبى عليّ، وأنه قال: هو عدم ولا يسمى جسما، ولا شيئا أصلا. واعتقدت أنا ذلك. وأنا تائب إلى الله تعالى منهم.
واعتقدت فى الحلاج أنه من أهل الدّين والزّهد والكرامات. ونصرت ذلك فى جزء عملته. وأنا تائب إلى الله تعالى منه، وأنه قتل بإجماع علماء عصره، وأصابوا فى ذلك، وأخطأ هو. ومع ذلك فإنى أستغفر الله تعالى، وأتوب إليه من مخالطة المعتزلة، والمبتدعة، وغير ذلك، والترحم عليهم، والتعظيم لهم؛ فإن ذلك كله حرام. ولا يحل لمسلم فعله؛ لقول النبى ﷺ: «من عظّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام».
وقد كان الشريف أبو جعفر، ومن كان معه من الشيوخ، والأتباع، سادتى وإخوانى - حرسهم الله تعالى - مصيبين فى الإنكار عليّ؛ لما شاهدوه بخطّى من الكتب التى أبرأ إلى الله تعالى منها، وأتحقق أنى كنت مخطئا غير مصيب.
ومتى حفظ عليّ ما ينافى هذا الخط وهذا الإقرار: فلامام المسلمين مكافأتى على ذلك. وأشهدت الله وملائكته وأولى العلم، على ذلك غير مجبر، ولا مكره وباطنى وظاهرى - يعلم الله تعالى - فى ذلك سواء. قال تعالى: (٩٩:٥ ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ، وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ)﴾.
وكتب يوم الأربعاء عاشر محرم سنة خمس وستين وأربعمائة.
وكانت كتابته قبل حضوره الديوان بيوم، فلما حضر شهد عليه جماعة كثيرة من الشهود والعلماء.
قال ابن الجوزى: وأفتى ابن عقيل، ودرس وناظر الفحول، واستفتى فى الديوان فى زمن القائم، فى زمرة الكبار. وجمع علم الفروع والأصول وصنّف فيها الكتب الكبار. وكان دائم التشاغل بالعلم، حتى أنى رأيت بخطّه:
إنّي لا يحل لى أن أضيع ساعة من عمرى، حتى إذا تعطّل لسانى عن
[ ١ / ١٤٥ ]
مذاكرة ومناظرة، وبصرى عن مطالعة، أعملت فكرى فى حال راحتى، وأنا مستطرح، فلا أنهض إلاّ وقد خطر لى ما أسطره. وإنّي لأجد من حرصى على العلم. وأنا فى عشر الثمانين أشدّ مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة.
قال: وكان له الخاطر العاطر، والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى «بالفنون» مناطا لخواطره وواقعاته. ومن تأمل واقعاته فيه عرف غور الرجل.
وتكلم على المنبر بلسان الوعظ مدة. فلما كانت سنة خمس وسبعين وأربعمائة جرت فيها فتن بين الحنابلة والأشاعرة، فترك الوعظ، واقتصر على التدريس.
ومتعه الله تعالى بسمعه وبصره، وجميع جوارحه.
قال: وقرأت بخطه. قال: بلغت الاثنتى عشرة سنة، وأنا فى سنة الثمانين وما أرى نقصا فى الخاطر والفكر والحفظ، وحدة النظر، وقوة البصر، لرؤية الأهلة الخفية، إلاّ أن القوة بالإضافة إلى قوة الشبيبة والكهولة ضعيفة.
قلت: وذكر ابن عقل، فى فنونه: قال حنبلى - يعنى نفسه -: أنا أقصر بغاية جهدى أوقات أكلى، حتى أختار سفّ الكعك وتحسيه بالماء على الخبز؛ لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفرا على مطالعة، أو تسطير فائدة، لم أدركها فيه.
قال ابن الجوزى: وكان ابن عقيل قوى الدين، حافظا للحدود. وتوفى له ولدان، فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه. وكان كريما ينفق ما يجد، ولم يخلف سوى كتبه وثياب بدنه. وكانت بمقدار كفنه، وقضاء دينه.
وقال ابن عقيل: قدم علينا أبو المعالى الجوينى بغداد، أول ما دخل الغزالى فتكلم مع أبى إسحاق، وأبى نصر الصباغ، وسمعت كلامه. ثم ذكر عنه مسألة العلم بالأعراض المشهورة عنه، وبالغ فى الرد عليه.
ولما ورد الغزالى بغداد، ودرس بالنظامية، حضره ابن عقيل، وأبو الخطاب،
[ ١ / ١٤٦ ]
وغيرهما. وكان ابن عقيل كثير المناظرة للكيا الهراسى. وكان الكيا ينشده فى المناظرة:
ارفق بعبدك إنّ فيه فهاهة … جبلية ولك العراق وماؤها.
قال السلفى: ما رأت عيناى مثل الشيخ أبى الوفاء بن عقيل؛ ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه، وحسن إيراده، وبلاغة كلامه، وقوة حجته.
ولقد تكلم يوما مع شيخنا أبى الحسن الكيا الهرّاسى فى مسألة، فقال شيخنا:
هذا ليس بمذهبك. فقال: أنا لى اجتهاد، متى ما طالبنى خصمى بحجة كان عندى ما أدفع به عن نفسى، وأقوم له بحجتى، فقال له شيخنا: كذلك الظنّ بك.
وذكر ابن النجار فى تاريخه: أن ابن عقيل قرأ الفقه على القاضى أبى يعلى، وعلى أبى محمد التميمى، وقرأ الأصول والخلاف على القاضى أبى الطيّب الطبرىّ، وأبى نصر بن الصباغ، وقاضى القضاة أبى عبد الله الدامغانى.
وكان ابن عقيل ﵀ عظيم الحرمة، وافر الجلالة عند الخلفاء والملوك.
وكان شهما مقداما، يواجه الأكابر بالإنكار بلفظه، وخطه، حتى إنه أرسل مرة إلى حماد الدباس، مع شهرته بالزهد والمكاشفات، وعكوف العامة عليه، يتهدده فى أمر كان يفعله، ويقول له: إن عدت إلى هذا ضربت عنقك.
وكتب مرة إلى الوزير عميد الدولة ابن جهير لما بنى سور بغداد، وأظهر العوام، فى الاشتغال ببنائه المنكرات:
لولا اعتقاد صحة البعث، وأن لنا دارا أكون فيها على حال أحمدها، لما نصبت نفسى إلى مالك عصرى، وعلى الله أعتمد فى جميع ما أورده، بعد أن أشهده: أنى محب متعصب. لكن إذا تقابل دين محمد ودولة بنى جهير، فو الله ما أردت هذه بهذه، ولو كنت كذلك كنت كافرا. فقلت: إن هذا الخرق الذى جرى بالشريعة لمناصبة واضعها. فما بالنا نعقد الختمات ورواية
[ ١ / ١٤٧ ]
الأحاديث؟ فإذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا بجميع الختمات، والدعاء عقيبها، ثم بعد ذلك طبول وصوانى، ومخانيث، وخيال، وكشف عوارت الرجال مع حضور النساء، إسقاطا لحكم الله تعالى.
وما عندى يا شرف الدين، أن تقوم بسخطة من سخطات الله تعالى. ترى بأى وجه تلقى محمدا ﷺ؟ بل لو رأيته فى المنام مقطبا كان ذلك يزعجك فى يقظتك. وأىّ حرمة تبقى لوجوهنا وأيدينا وألسنتنا عند الله، إذا وضعنا الجباه ساجدة له؟ ثم كيف تطالب الأجناد بتقبيل عتبة، ولثم ترابها، وتقيم الحدّ فى دهليز الحريم، صباحا ومساء، على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح العوام فى المسكر المجمع على تحريمه؟ هذا مضاف إلى الزنا الظاهر بباب بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب.
يا شرف الدين، اتق سخط الله تعالى؛ فإن سخطه لا يقاومه سماء ولا أرض وإن فسدت حالى بما قلت فلعلّ الله يلطف بى، ويكفينى هوائج الطباع. ثم لا تلمنا على ملازمة البيوت، والاختفاء عن العوام؛ لأنهم إن سألونا لم نقل إلاّ ما يقتضى الإعظام لهذه القبائح، والإنكار لها، والنياحة على الشريعة. أترى لو جاءت معتبة من الله سبحانه فى منام أو على لسان نبى - لو كان للوحى نزول - أو ألقى إلى روع مسلم بإلهام: هل كانت إلا إليك؟ فاتق الله تقوى من علم بمقدار سخطه، فقد قال: (٥٦:٤٣ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ)﴾ وقد ملأتكم فى عيونكم مدائح الشراء ومداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الأغبياء، الذين خسروا الله فيكم، فحسنوا لكم طرائقكم. والعاقل من عرف نفسه، ولا يغره مدح من لا يخبرها.
وكتب ابن عقيل إلى السلطان جلال الدولة «ملكشاه» وقد كانت الباطنية أفسدوا عقيدته، ودعوه إلى إنكار الصانع:
أيّها الملك، اعلم أن هؤلاء العوام والجهال يطلبون الله من طريق الحواس،
[ ١ / ١٤٨ ]
فإذا فقدوه جحدوه. وهذا لا يحسن بأرباب العقول الصحيحة. وذلك أن لنا موجودات ما نالها الحس، ولم يجحدها العقل، ولا يمكننا جحدها لقيام دلالة العقل على إثباتها.
فإن قال لك أحد من هؤلاء: لا تثبت إلا ما ترى. فمن ههنا دخل الإلحاد على جهّال العوام، الذين يستثقلون الأمر والنهى، وهم يرون أن لنا هذه الأجساد الطويلة العميقة، التى تنمى ولا تفسد، وتقبل الأغذية وتصدر عنها الأعمال المحكمة، كالطب، والهندسة. فعلموا أن ذلك صادر عن أمر وراء هذه الأجساد المستحيلة وهو الروح والعقل، فإذا سألناهم: هل أدركتم هذين الأمرين بشئ من إحساسكم قالوا: لا، لكننا أدركناهما من طريق الاستدلال بما صدر عنهما من التأثيرات قلنا: فما لكم جحدتم الإله، حيث فقدتموه حسا، مع ما صدر عنه من إنشاء الرياح والنجوم، وإدارة الأفلاك، وإنبات الزرع، وتقليب الأزمنة؟ وكما أن لهذا الجسد عقلا وروحا بهما قوامه ولا يدركهما الحس، لكن شهدت بهما أدلّة العقل من حيث الآثار، كذلك الله سبحانه - وله المثل الأعلى - ثبت بالعقل، لمشاهدة الإحساس من آثار صنائعه، وإتقان أفعاله.
وأرسل هذا الفصل إلى السلطان مع بعض خواصه. قال: فحكى لى أنه أعاده عليه فاستحسنه، وهش إليه، ولعن أولئك، وكشف إليه ما يقولون له.
وكتب ابن عقيل أيضا مرة إلى أبى شجاع، وزير الخليفة المقتدى. وكان دينا كثير التعبد، لكن كانت به وسوسة فى عباداته:
أما بعد، فإن أجلّ تحصيل عند العقلاء، بإجماع العلماء: الوقت، فهو غنيمة تنتهز فيها الفرص. فالتكاليف كثيرة، والآداب خاطفة. وأقلّ متعبد به الماء. ومن اطلع على أسرار الشريعة علم قدر التخفيف.
فمن ذلك قوله: «صبوا على بول الأعرابى ذنوبا من الماء».
وقوله فى المنى: «أمطه عنك».
وقوله فى الخف: «طهوره أن تدلكه بالأرض». وفى ذيل المرأة: «يطهره ما بعده».
[ ١ / ١٤٩ ]
وقوله: «يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام». و«كان يحمل بنت أبى العاص فى الصلاة».
ونهى الراعى فى إعلام السائل عن الماء وما يرده، وقال: «يا صاحب الميزاب لا تخبره» فإن خطر بالبال نوع احتياط فى الطهارة، كالاحتياط فى غيرها فى مراعاة الإطالة، وغيبوبة الشمس، والزكاة، فإنه يفوت من الأعمال ما لا يفى به الاحتياط فى الماء، الذى أصله الطهارة.
وقد صافح رسول ﷺ الأعرابى، وركب الحمار، وما عرف من خلقه التعبد بكثرة الماء. وقد توضأ من سقاية المسجد. ومعلوم حال الأعراب الذين بان من أحدهم الإقدام على البول فى المسجد. وتوضأ من جرة نصرانية وما احترز؛ تعليما لنا وتشريعا. وأعلمنا أن الماء أصله الطهارة. وتوضأ من غدير كان ماءه نقاعة الحناء.
فأما قوله: «تنزهوا من البول» فإن للتنزه حدا معلوما. فأما الاستشعار:
فإنه إذا نما وانقطع الوقت، ولا يقتضى مثله الشرع.
وكتب ابن عقيل غير مرّة إلى قاضى القضاة أبى الحسن بن الدامغانى رسائل تتضمن توبيخه على تقصير وقع منه فى حقّه. وفيها كلام خشن وعتاب غليظ.
ولما دخل السلطان جلال الدولة إلى بغداد، ومعه وزيره نظام الملك، سنة أربع وثمانين، قال النظام: أريد أن أستدعى بهم، وأسألهم عن مذهبهم، فقد قيل: إنهم مجسمة - يعنى: الحنابلة.
قال ابن عقيل: فأحببت أن أصوغ لهم كلاما يجوز أن يقال إذا، فقلت:
ينبغى لهؤلاء الجماعة أن يسألوا عن صاحبنا؟ فإذا أجمعوا على حفظه لأخبار رسول الله ﷺ وأفعاله، إلا ما كان للرأى فيه مدخل من الحوادث الفقهية، فنحن على مذهب ذلك الرجل الذى أجمعوا على تعديله، على أنهم على مذهب قوم أجمعنا على سلامتهم من البدعة. فإن وافقوا على أننا على مذهبه فقد أجمعوا على
[ ١ / ١٥٠ ]
سلامتنا معه؛ لأن متبع السليم سليم. وإن ادّعوا علينا أنّا تركنا مذهبه، وتمذهبنا بما يخالف الفقهاء، فليذكروا ذلك ليكون الجواب بحسبه. وإن قالوا: أحمد ما شبّه وأنتم شبّهتم، قلنا: الشافعى لم يكن أشعريّا، وأنتم أشعرية. فإن كان مكذوبا عليكم فقد كذب علينا. ونحن نفزع من التأويل مع نفى التشبيه، فلا يعاب علينا إلا ترك الخوض والبحث وليس بطريقة السلف. ثم ما يريد الطاعنون علينا، ونحن لا نزاحمهم على طلب الدنيا؟
وفى هذه السنة المذكور: توفى أبو طاهر بن علك. وكان من صدر الشافعية، وأكابر المتمولين. فشيّعه نظام الملك وأرباب الدولة. ودفن بتربة أبى إسحاق الشيرازى، وجاء السلطان إلى القبر بعد دفنه.
قال ابن عقيل: جلست إلى جانب نظام الملك، بتربة أبى إسحاق، والملوك قيام بين يديه، واجترأت على ذلك بالعلم. وكان جالسا للتعزية بابن علك.
ولما بويع المستظهر حضر ابن عقيل مع الغزالى والشاشى للمبايعة. فلما توفى المستظهر غسله ابن عقيل مع الشيبى.
قال ابن عقيل: ولما تولد المسترشد تلقانى ثلاثة من المستخدمين، يقول كل واحد منهم: قد طلبك مولانا أمير المؤمنين. فلما صرت بالحضرة، وقال لى قاضى القضاة - وهو قائم بين يديه -: طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت:
ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. ثم مددت يدى فبسط لى يده الشريفة، فصافحته بعد السلام، وبايعت، فقلت: أبايع سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد بالله على كتاب الله وسنة رسوله، وسنة الخلفاء الراشدين، ما أطاق واستطاع، وعلى الطاعة منى.
وكان ابن عقيل ﵀ من أفاضل العالم، وأذكياء بنى آدم، مفرط الذكاء، متسع الدائرة فى العلوم. وكان خبيرا بالكلام، مطلعا على مذاهب المتكلمين.
وله بعد ذلك فى ذم الكلام وأهله شئ كثير، كما ذكر ابن الجوزى وغيره عنه
[ ١ / ١٥١ ]
أنه قال: أنا أقطع أن الصحابة ماتوا، وما عرفوا الجوهر والعرض. فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أنّ طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبى بكر وعمر، فبئس ما رأيت.
وذكر عنه أنه قال: لقد بالغت فى الأصول طول عمرى، ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب.
وقد حكى هذا عنه القرطبى فى شرح مسلم. وله من الكلام فى السنة والانتصار لها، والرد على المتكلمين شئ كثير. وقد صنّف فى ذلك مصنفا.
وقرأت بخط الحافظ أبى محمد البرزالى قال: قرأت بخط الحافظ ضياء الدين المقدسى، قال: كتب بعضهم إلى أبى الوفاء بن عقيل يقول له: صف لى أصحاب الإمام أحمد على ما عرفت من الإنصاف.
فكتب إليه يقول: هم قوم خشن، تقلّصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجدّ، وقلّ عندهم الهزل، وغربت نفوسهم عن ذل المراءاة، وفزعوا عن الآراء إلى الروايات، وتمسكوا بالظاهر تحرّجا عن التأويل، وغلبت عليهم الأعمال الصالحة، فلم يدققوا فى العلوم الغامضة، بل دققوا فى الورع، وأخذوا ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك قالوا:
الله أعلم بما فيها، من خشية باريها. ولم أحفظ على أحد منهم تشبيها، إنما غلبت عليهم الشناعة لإيمانهم بظواهر الآى والأخبار، من غير تأويل ولا إنكار.
والله يعلم أننى لا أعتقد فى الإسلام طائفة محقة، خالية من البدع، سوى من سلك هذا الطريق. والسلام.
وكان ﵀ بارعا فى الفقه وأصوله. وله فى ذلك استنباطات عظيمة حسنة، وتحريرات كثيرة مستحسنة. وكانت له يد طولى فى الوعظ، والمعارف.
وكلامه فى ذلك حسن، وأكثره مستنبط من النصوص الشرعية، فيستنبط من أحكام الشرع وفضائله معارف جليلة، وإشارات دقيقة.
[ ١ / ١٥٢ ]
ومن معانى كلامه يستمدّ أبو الفرج بن الجوزى فى الوعظ.
فمن ذلك ما قاله فى الفنون:
لقد عظم الله سبحانه الحيوان، لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه، وخوف الضرر على نفسه، فقال: (١٠٦:١٦ ﴿إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ)﴾.
من قدّم حرمة نفسك على حرمته، حتى أباحك أن تتوقى وتحامى عن نفسك بذكره بما لا ينبغى له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره، وتوقر أوامره، وزواجره.
وعصم عرضك بإيجاب الحدّ بقذفك، وعصم مالك بقطع مسلم فى سرقته، وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقتك، وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل؛ إشفاقا عليك من مشقة الخلع واللبس، وأباحك الميتة سدّا لرمقك، وحفظا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل، ووعيد آجل، وخرق العوائد لأجلك، وأنزل الكتب إليك. أيحسن بك - مع هذا الإكرام - أن ترى على ما نهاك منهمكا، وعما أمرك متنكبا، وعن داعيه معرضا، ولسنته هاجرا، ولداعى عدوك فيه مطيعا؟
يعظمك وهو هو، وتهمل أمره وأنت أنت. هو حطّ رتب عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجدها لك.
هل عاديت خادما طالت خدمته لك لترك صلاة؟ هل نفيته من دارك للاخلال بفرض، أو لارتكاب نهى؟ فإن لم تعترف العبيد للموالى، فلا أقل من أن تقتضى نفسك للحق سبحانه، اقتضاء المساوى المكافى.
ما أوحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان بينا يكون بحضرة الحق، وملائكة السماء سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات بالمبدإ والمآل، إلى أن يوجد ساجدا لصورة فى حجر، أو لشجرة من الشجر، أو لشمس أو لقمر، أو لصورة ثور خار، أو لطائر صفر! ما أوحش زوال النعم، وتغيّر الأحوال، والجور بعد الكور!
[ ١ / ١٥٣ ]
لا يليق بهذا الحى الكريم الفاضل على جميع الحيوان أن يرى إلا عابدا لله فى دار التكليف، أو مجاورا لله فى دار الجزاء والتشريف. وما بين ذلك فهو واضع نفسه فى غير مواضعها.
ومن كلامه فى تقرير البعث والمعاد:
والله لا أقنع من الله سبحانه بهذه اللمحة التى مزجت بالعلاقم، ولا أقنع من الأبدى السّرمدىّ، ولا يليق بذا الكرم إلا إدامة النعم. والله ما لوّح بما لوّح إلا وقد أعدّ ما تخافه الآمال. وما قدح أحد فى كمال جود الخالق وإنعامه بأكثر من جحده البعث مع تشريف النفوس، وتعليق القلوب بالإعادة، والجزاء على الأعمال الشاقة، التى هجر القوم فيها اللذّات، فصبروا على البلاء؛ طمعا فى العطاء.
قال: ويدلّ على أنّ لنا إعادة تتضمن بقاء دائما، وعيشا سالما: أنّ أصح الدلالة قد دلّت على كمال الباري ﷾، وخروجه عن النقائص.
وقد استقرينا أفعاله، فرأيناه قد أعدّ كل شئ لشئ. فالسمع للمسموعات، والعين للمبصرات، والأسنان للطحن، والمنخران للشمّ، والمعدة لطبخ الطعام.
وقد بقى للنفس غرض قد عجن فى طينها: وهو البقاء بغير انقطاع، وبلوغ الأغراض من غير أذى. وقد عدمت النفس ذلك فى الدنيا. ثم إنا نرى طالما لم يقابل ولا تقتضى الحكمة لذلك. فينبغى أن يكون لها ذلك فى دار أخرى.
قال: ولأنظر إلى صورة البلى فى القبور، فكم من بداية خالفتها النهاية.
فإن بداية الآدمى والطير ماء مسخّن مستقذر، ومبادى النبات حبّ عفن، ثم يخرج الآدمى والطاوس. وكذلك خروج الموتى بعد اليلى.
قال: وبينا أنا نائم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، لاحت لى مقبرة، وكأن قائلا يقول: هذه خيم البلى، على باب الرجاء وعلى الوفاء. قال: وهذا الإلقاء من الله تعالى لكثرة لهجى بالبعث، وتشوفى إلى الاجتماع بالسلف النطاف، وتبرمى من مخالطة السفساف.
[ ١ / ١٥٤ ]
وكان ابن عقيل يقول: لا يعظم عندك بذلك نفسك فى ذات الله فهى التى بذلتها بالأمس فى حب مغنية، وهوى أمرد، وخاطرت بها فى الأسفار لأجل زيادة الدنيا. فلما جئت إلى طاعة الله تعالى عظمت ما بذلته، والله ما يحسن بذل النفس إلا لمن إذا أباد أعاد، وإذا أعاد أفاد، وإذا أفاد خلد فائدته على الآباد.
وذاك والله الذى يحسن فيه بذل النفوس، وإبانة الرءوس. أليس هو القائل:
(١٧٠:٣ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتًا)؟﴾.
سمع ابن عقيل الحديث الكثير من أبى بكر بن بشران، وأبى الفتح ابن شيطا، وأبى الحسن التوزى، وأبى محمد الجوهرى، وأبى طالب العشارى، والقاضى أبى يعلى، وأبى على المباركى، وغيرهم.
وحدث، وروى عنه ابن ناصر، وعمر بن ظفر المغازلى، وأبو المعمر الأنصارى، وأبو الرضى الفارسى، وأبو القاسم الناصحى، وأبو المظفر السّنجىّ، وأبو الفتح محمد بن يحيى البردانى، وغيرهم. وأجاز لأبى سعد بن السمعانى الحافظ، وعبد الحق اليوسفى، ويحيى بن بوش.
أنبأتنا زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم عن على بن عبد اللطيف الدينورى، عن أبى الحسين بن عبد الحق بن عبد الخالق، أخبرنا أبو الوفاء على بن عقيل الإمام، أخبرنا أبو طالب محمد بن على بن الفتح، أخبرنا محمود بن عمر العكبرى، أخبرنا أبو بكر بن محب إجازة، حدثنا أبو حفص الجوهرى، حدثنا أبو أحمد ابن محمد بن جعفر، حدثنا أحمد بن محمد الأنماطى - الذى كان ينزل سامرّا - أخبرنا أحمد بن نصر قال: رأيت النبى ﷺ فى المنام، فقلت: يا رسول الله من تركت لنا فى عصرنا هذا ممن يقتدى به؟ قال: عليكم بأحمد بن حنبل.
ولا بن عقيل تصانيف كثيرة فى أنواع العلم.
وأكبر تصانيفه: كتاب «الفنون» وهو كتاب كبير جدا، فيه فوائد كثيرة جليلة، فى الوعظ، والتفسير، والفقه، والأصلين، والنحو، واللغة،
[ ١ / ١٥٥ ]
والشعر، والتاريخ، والحكايات. وفيه مناظراته ومجالسه التى وقعت له، وخواطره ونتائج فكره قيّدها فيه.
وقال ابن الجوزى: وهذا الكتاب مائتا مجلد. وقع لى منه نحو من مائة وخمسين مجلدة.
وقال عبد الرزاق الرسعنى فى تفسيره. قال لى أبو البقاء اللغوى: سمعت الشيخ أبا حكيم النهروانى يقول: وقفت على السّفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب الفنون.
وقال الحافظ الذهبى فى تاريخه: لم يصنف فى الدنيا أكبر من هذا الكتاب.
حدثنى من رأى منه المجلد الفلانى بعد الأربعمائة.
قلت: وأخبرنى أبو حفص عمر بن على القزوينى ببغداد، قال: سمعت بعض مشايخنا يقول: هو ثمانمائة مجلدة.
وله فى الفقه كتاب «الفصول» ويسمى «كفاية المفتى» فى عشر مجلدات، كتاب «عمدة الأدلة»، كتاب «المفردات»، كتاب «المجالس النظريات»، كتاب «التذكرة» مجلد، كتاب «الإشارة» مجلد لطيف، وهو مختضر كتاب «الروايتين والوجهين»، كتاب «المنثور».
وفى الأصلين كتاب «الإرشاد فى أصول الدين»، وكتاب «الواضح فى أصول الفقه»، و«الانتصار لأهل الحديث» مجلد، «نفى التشبيه»، «مسألة فى الحرف والصوت» جزء، «مسائل مشكلة فى آيات من القرآن» وأحاديث سئل عنها فأجاب. وله كتاب «تهذيب النفس»، «تفضيل العبادات على نعيم الجنات».
وكان ابن عقيل كثير التعظيم للامام أحمد وأصحابه، والرد على مخالفيهم.
ومن كلامه فى ذلك: ومن عجيب ما نسمعه من هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه محدّث. وهذا غاية الجهل؛ لأنه قد
[ ١ / ١٥٦ ]
خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم. وخرج عنه من دقيق الفقه ما لا تراه لأحد منهم. وذكر مسائل من كلام أحمد، ثم قال:
وما يقصد هذا إلا مبتدع، قد تمزق فؤاده من خمود كلمته، وانتشار علم أحمد، حتى إن أكثر العلماء يقولون: أصلى أصل أحمد، وفرعى فرع فلان. فحسبك بمن يرضى به فى الأصول قدوة.
وكان يقول: هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه؛ لأن أصحاب أبى حنيفة والشافعى إذا برع واحد منهم فى العلم تولى القضاء وغيره من الولايات. فكانت الولاية لتدريسه واشتغاله بالعلم. فأما أصحاب أحمد: فإنه قلّ فيهم من تعلق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد؛ لغلبة الخير على القوم، فينقطعون عن التشاغل بالعلم.
وكان مع ذلك يتكلم كثيرا بلسان الاجتهاد والترجيح، واتباع الدليل الذى يظهر له ويقول: الواجب اتباع الدليل، لا اتباع أحمد.
وكان يخونه قلة بضاعته فى الحديث. فلو كان متضلعا من الحديث والآثار، ومتوسعا فى علومهما لكملت له أدوات الاجتهاد.
وكان اجتماعه بأبى بكر الخطيب، ومن كان فى وقته من أئمة الحفاظ، كأبى نصر بن ماكولا، والحميدى، وغيرهم أولى وأنفع له من الاجتماع بابن الوليد وابن التبان. وتركه لمجالسة مثل هؤلاء هو الذى حرمه علما نافعا فى الحقيقة. ولكن الكمال لله.
وله مسائل كثيرة ينفرد بها، ويخالف فيها المذهب. وقد يخالفه فى بعض تصانيفه، ويوافقه فى بعضها، فإن نظره كثيرا يختلف، واجتهاده يتنوع.
وكان يقول: عندى أن من أكبر فضائل المجتهد: أن يتردد فى الحكم عند تردد الحجة والشبهة فيه. وإذا وقف على أحد المترددين دلّه على أنه ما عرف الشبهة، ومن لا تعترضه شبهة لا تصفو له حجة. وكل قلب لا يقرعه التردد،
[ ١ / ١٥٧ ]
فإنما يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له ويسمع من غيره.
فمن المسائل التى تفرّد بها: أن النساء لا يجوز لهن استعمال الحرير إلا فى اللبس دون الافتراش والاستناد. ذكره فى الفنون.
ومنها: أن صلاة الغد (^١) تصح فى صلاة الجنازة خاصة. وهو معروف عنه.
ومنها: أن الربا لا يجرى إلاّ فى الأعيان الستة المنصوص عليها. ذكره فى نظرياته.
ومنها: أن الوقف لا يجوز بيعه، وإن خرب وتعطل نفعه. وله فى ذلك كلام فى جزء مفرد.
ومنها: أن الأب ليس له أن يتملك من مال ولده ما شاء، مع عدم حاجته ذكره فى الفصول فى كتاب النكاح.
ومنها: أن المشروع فى عطية الأولاد: التسوية بين الذكور والإناث.
ذكره فى الفنون.
ومنها: أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعا للأرض؛ لمشقة التفريق بينهما.
حكاه عنه الشيخ تقى الدين بن تيمية.
ومنها: أنه لا يجوز أن يؤخذ العشر من تجار أهل الحرب ولا أهل الذمة، إذا اتجروا فى بلاد الإسلام، إلا بشرط أو تراض. ذكره فى فنونه.
وقد حكى القاضى فى شرحه الصغير رواية عن أحمد كذلك. ذكرها ابن تميم لكنها غريبة جدا.
ومنها: إذا حلف على فعل يتعلق بعين معينة، فتغيرت صفاتها بما يزيل اسمها:
لم يتعلق الحنث بها على هذه الحال مطلقا.
ومنها: أنه لا يجوز وطء المكاتبة، وإن اشترط وطأها فى عقد الكتابة.
وحكاه فى مفرداته رواية.
ومنها: أنه لا زكاة فى حليّ المواشط المعد للكراء. ذكره فى «عمدة
_________________
(١) فى خطية الإدارة الثقافية «صلاة الفذ»
[ ١ / ١٥٨ ]
الأدلة» وخرج من قول الأصحاب بالوجوب وجها يوجب الزكاة فى سائر ما يعد للكراء من الأملاك، من عقار وغيره.
ومنها: أن الزروع والثمار التى تسقى بماء نجس طاهرة مباحة، وإن لم تسق بعده بماء طاهر.
ومنها: أن الزوجة إذا كانت نضوة الخلق لا يمكن زوجها وطأها إلا بجناية عليها: فإنه يملك فسخ نكاحها بذلك.
ومنها: أن الإمام لا يمتنع من الصلاة على الغالّ، ولا على من قتل نفسه، وأن امتناع النبى ﷺ من الصلاة عليهما كان من خصائصه.
ومنها: تحريم الاستمناء بكل حال. وحكاه رواية.
ومنها: أنه يجب الحد بقذف العبد العفيف كالحرّ. ذكره فى مفرداته.
ومن المسائل الغريبة التى ذكرها ابن عقيل: مسألة فى الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفا على ولديهما: فهل تكون الكفارة على الأم من مالها، أو بينها وبين من تلزمه نفقته؟ ذكر فى الفنون: فيها احتمال.
قال: والأشبه أنه على الأم؛ لأنها هى المرتفقة بالإفطار لاستضرارها، وتغير لبنها، والولد تبع لها.
قال: ولأنه لو كان الطفل معتبرا فى إيجاب التكفير لكان على كل واحد منهما كفارة تامة، كالجماع فى رمضان، وكالمشتركين فى قتل الصيد، على أصح الروايتين.
قلت: وهذا ضعيف؛ فإن المشتركين فى الجماع كل منهما أفسد صومه والمشتركين فى القتل كل منهما جنى على إجرامه، فهما متساويان فى الجناية، بخلاف الطفل والأم ههنا.
وذكر أيضا فى الفنون: قال: سأل سائل عن قائل قال: والله لا رددت سائلا - أو قال: لله عليّ لا رددت - سائلا - وليس يتسع حاله لذلك، وإن
[ ١ / ١٥٩ ]
اعتمد ذلك لم يبق له وقت لعمل ولا لتجارة، ولو كان له مال يفى، فكيف ولا مال يفى، ولا وقت يتسع لذلك مع كثرة السؤال؟.
فأجاب حنبلى: بأن هذا قياس قولنا فيمن نذر أن يتصدق بجميع ماله: فإنه فى اليمين مخيّر بين الثلث، وكفارة يمين. وفى النذر: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، فيجب أن يتصدق بثلث ما يتحصل له، مما يزيد على حاجته. وإن لم يتحصل له ما يحتاج إليه: لم يدخل تحت نذره لزومه التصدق به، ويكفر كفارة يمين.
قال قائل: يشترى برّا أو حبّ رمان، ويعطى كل سائل حبة من ذلك؟
قال له الحنبلى: هذا لا يجئ على أصلنا؛ لأنا نعتبر المقاصد فى الأيمان والنذور، والقصد: أن لا يردّ سائلا عن سؤاله. وحبة رمان وحبة بر ليست سؤال السائل، فإعطاؤه كردّه.
وقال حنبلى: يحتمل أن يصح خروجه من نذره ببرّة برّ؛ لأنّا قد علّقنا حكم الربا على برة ببرتين. وما علق عليه الشرع مأثما، فأحرى أن يعلق عليه ما يحصل به الثواب. وقول عائشة ﵂ عن النبى ﷺ:
«اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة» يعضد القول بالتصدق بالبرّة.
وقال حنبلى آخر: بل إذا لم يجد شيئا أصلا وعد، فكانت العدة مخلصة له من الردّ. فإن الردّ لا يتحقق مع العدة. ألا ترى أنّ من وعد بزكاة ماله للساعى لا يستحق القتال، ولا التغرير، ولا يأثم؟ ولا يقال: إنه ردّ الساعى ولا المطالب بدينه، ولا الفقير. وللحديث الذى جاء: «العدة دين» وهذه العدة نافعة فى منع الحنث، من حيث إنها لا تقف مع العزم على الإعطاء على التوفية، بل من وعد فعزم أنه متى حصل له مال أعطى السائل ما سأله فما ردّه. والله أعلم.
ومن غرائب ابن عقيل: أنه اختار وجوب الرضى بقضاء الله تعالى فى الأمراض والمصائب. ذكره فى مواضع من كلامه. لكنه فسر الرضى فى
[ ١ / ١٦٠ ]
الفنون: بأنه الرضى عن الله تعالى بها، ثقة بحكمه وإن كانت مؤلمة للطبع، كما لا يبغض الطبيب عند بطء الدمّل وفتح العروق. وليس المراد هشاشة النفس وانشراحها لها، فإن هذا عنده مستحيل. وصرّح بأنه لم يحصل للأنبياء. كذا قال. وهو فاسد.
واختار: أن النهار أفضل من الليل.
واختار: أنه لا تجوز الصلاة على القبر فى شئ من أوقات النهى، بخلاف الصلاة على الجنازة. وخالفه بعض مشايخ أصحابنا فى زمنه.
ومن كلامه الحسن: أنه وعظ يوما فقال: يا من يجد فى قلبه قسوة، احذر أن تكون نقضت عهدا؛ فإن الله تعالى يقول: (١٥:٥ ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً)﴾.
وسئل فقيل له: ما تقول فى عزلة الجاهل؟ فقال: خبال ووبال، تضره ولا تنفعه. فقيل له: فعزلة العالم؟ قال: مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها:
ترد الماء وترعى الشجر، إلى أن يلقاها ربها.
ومن كلامه فى صفة الأرض أيام الربيع: إن الأرض أهدت إلى السماء غبرتها بترقية الغيوم، فكستها السماء زهرتها من الكواكب والنجوم.
وقال: كأنّ الأرض أيام زهرتها مرآة السماء فى انطباع صورتها.
قال ابن النجار: قرأت فى كتاب أبى نصر المعمر بن محمد بن الحسن البيع يخطه، وأنبأنا عنه أبو القاسم الأزجى، قال: أنشدنا أبو الوفاء علىّ بن عقيل بن محمد بن عقيل الحنبلىّ لنفسه:
يقولون لى: ما بال جسمك ناحل … ودمعك من آماق عينيك هاطل؟
وما بال لون الجسم بدل صفرة … وقد كان محمرّا فلونك حائل؟
فقلت: سقاما حلّ فى باطن الحشا … ولوعة قلب بلبلته البلابل
وأنّى لمثلى أن يبين لناظر … ولكننى للعالمين أجامل
[ ١ / ١٦١ ]
فلا تغترر يوما ببشرى وظاهرى … فلى باطن قد قطّعته النوازل
وما أنا إلا كالزناد تضمّنت … لهيبا، ولكنّ اللهيب مداخل
إذا حمل المرء الذى فوق طوره … يرى عن قريب من تجلد عاطل
لعمرى إذا كان التجمّل كلفة … يكون كذا بين الانام مجامل
فأما الذى أثنى له الدهر عطفه … ولان له وعر الأمور مواصل
بألطاف قرب يسهل الصعب عندها … وينعم فيها بالذى كان يأمل
تراه رخى البال من كل علقة … وقد صميت منه الكلا والمفاصل
توفى أبو الوفاء بن عقيل ﵀ بكرة الجمعة، ثانى عشر جمادى الأولى سنة ثلاثة عشرة وخمسمائة - وقيل: توفى سادس عشر الشهر - والأول أصح.
وصلّى عليه فى جامعى القصر والمنصور. وكان الإمام عليه فى جامع القصر ابن شافع. وكان الجمع يفوت الإحصاء.
قال ابن ناصر: حزرتهم بثلاثمائة ألف. ودفن فى دكة قبر الإمام أحمد ﵁. وقبره ظاهر ﵁. فما كان فى مذهبنا أحد مثله. آخر كلام ابن ناصر.
وذكر المبارك بن كامل الخفاف: أنه جرت فتنة - يعنى: على حمله - قال:
وتجارحوا، وقال الشيخ مطيع: كفن ونطع.
قال ابن الجوزى: حدثنى بعض الأشياخ: أنه لما احتضر ابن عقيل، بكى النساء. فقال: قد وقعت عنه خمسين سنة، فدعونى أتهنا بلقائه.
قال ابن السمعانى أنشدنى الإمام أبو المحاسن مسعود بن محمد بن غانم الأديب الغانمى لنفسه، يمدح الإمام أبا الوفاء بن عقيل:
لعلىّ بن عقيل البغدادى … مجد لفرق الفرقدين محاذى
قد كان ينصر أحمدا خير الورى … وكلامه أحلى من الأزاذ
وإذا تلهّب فى الجدال فعنده … سبحان فيه فى التجارب هاذى
[ ١ / ١٦٢ ]
ما أخرجت بغداد فحلا مثله … لله در الفاضل البغدادى
ولقد مضى لسبيله مع عصبة … كانوا لدين الحق خير ملاذ
وقد قرأ على ابن عقيل الفقه الأصول خلق من أصحابنا، يأتى ذكرهم فى مواضعهم إن شاء الله تعالى من الطبقة التى بعد هذه.
وممن قرأ عليه أبو الفتح بن برهان الأصولى، صاحب التصانيف فى الأصول، ومدرّس النظامية. وكان أولا حنبليا، ثم انتقل لجفاء أصحابنا له.
وكان لابن عقيل ولدان ماتا فى حياته: أحدهما: