بن علي بن الفاعوس، البغدادى، الإسكاف، المقرئ، الزاهد أبو الحسن.
_________________
(١) فى خطية الإدارة الثقافية والمخطوطة التى بأيدينا «سادس عشر ذى الحجة»
[ ١ / ١٧٣ ]
سمع من القاضى أبى يعلى، وأبى منصور عبد الباقى بن محمد بن غالب العطار وغيرهما. وصحب الشريف أبا جعفر. وكان مشهورا بالزهد والورع والتقشف وحسن الطريقة، للخلق فيه اعتقاد عظيم.
وذكر ابن ناصر: أنه كان أزهد الناس فى عصره. وكان يقرأ يوم الجمعة على الناس أحاديث قد جمعها بغير أسانيد.
قال ابن الجوزى: حدثنى أبو حكيم النهروانى قال: كان ابن الفاعوس إذا صلّى الجمعة جلس يقرأ على أصحابه الحديث، فيأتى ساقى الماء، فيأخذ منه فيشرب؛ ليريهم أنه مفطر، وربما صامها فى بعض الأيام.
وكان ابن الفاعوس يتورع عن الرواية. وحدّث وسمع منه أبو المعمر الأنصارى، وأبو القاسم بن عساكر الحافظ.
وقال: كان أبو القاسم بن السمرقندى يقول: إن أبا بكر بن الخاضبة كان يسمى ابن الفاعوس الحجرى؛ لأنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة.
قلت: إن صحّ عن ابن الفاعوس أنه كان يقول: الحجر الأسود يمين الله حقيقة، فأصل ذلك: أن طائفة من أصحابنا وغيرهم نفوا وقوع المجاز فى القرآن، ولكن لا يعلم منهم من نفى المجاز فى اللغة، كقول أبى إسحاق الأسفرايني.
ولكن قد يسمع بعض صالحيهم إنكار المجاز فى القرآن، فيعتقد إنكاره مطلقا.
ويؤيد ذلك: أن المتبادر إلى فهم أكثر الناس من لفظ الحقيقة والمجاز:
المعانى والحقائق دون الألفاظ.
فإذا قيل: إنّ هذا مجاز فهموا أنه ليس تحته معنى، ولا له حقيقة، فينكرون ذلك، وينفرون منه. ومن أنكر المجاز من العلماء فقد ينكر إطلاق اسم المجاز؛ لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد، ويصير ذريعة لمن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة ومد لولاتهما.
ويقول: غالب من تكلم بالحقيقة والمجاز هم المعتزلة ونحوهم من أهل البدع،
[ ١ / ١٧٤ ]
وتطرفرا بذلك إلى تحريف الكلم عن مواضعه، فيمنع من التسمية بالمجاز، ويجعل جميع الألفاظ حقائق، ويقول: اللفظ إن دل بنفسه فهو حقيقة لذلك المعنى، وإن دلّ بقرينة فدلالته بالقرينة حقيقة للمعنى الآخر، فهو حقيقة فى الحالين.
وإن كان المعنى المدلول عليه مختلفا فحينئذ يقال: لفظ اليمين فى قوله ﷾: (٦٧:٣٩ ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ)﴾ حقيقة. وهو دال على الصفة الذاتية. ولفظ اليمين فى الحديث المعروف: «الحجر الأسود يمين الله فى الأرض. فمن صافحه فكأنّما صافح الله ﷿»
وقيل: يمينه يراد به - مع هذه القرائن المحتفة به - محل الاستلام والتقبيل.
وهو حقيقة فى هذا المعنى فى هذه الصورة، وليس فيه ما يوهم الصفة الذاتية أصلا، بل دلالته على معناه الخاص قطعية لا تحتمل النقيض بوجه، ولا تحتاج إلى تأويل ولا غيره.
وإذا قيل: فابن الفاعوس لم يكن من أهل هذا الشأن - أعنى: البحث عن مدلولات الألفاظ؟
قيل: ولا ابن الخاضبة كان من أهله، وإن كان محدثا. وإنما سمع من ابن الفاعوس، أو بلغه عنه إنكار أن يكون هذا مجازا، لما سمعه من إنكار لفظ المجاز فحمله السامع لقصوره أو لهواه على أنه إذا كان حقيقة لزم أن يكون هو يد الرب ﷿، التى هى صفته. وهذا باطل. والله علم.
توفى ابن الفاعوس ليلة السبت تاسع عشر شوال - وقيل: العشرين منه، والأول أصح - سنة إحدى وعشرين وخمسمائة. وصلّى عليه من الغد بجامع القصر. ودفن قريبا من قبر الإمام أحمد ﵁.
وكان ذلك يوما مشهودا، غلقت فيه أسواق بغداد. وكان أهل بغداد يصيحون فى جنازته: هذا يوم سنىّ حنبلى، لا قشيرى ولا أشعرى.
وكان حينئذ ببغداد أبو الفرج الأسفرايني الواعظ، وكان العوام قد رجموه
[ ١ / ١٧٥ ]
غير مرة فى الأسواق، ورموا عليه الميتات، فأظهروا فى ذلك اليوم لعنه وسبّه، فبلغ ذلك المسترشد، فمنعه من الوعظ، وأمره بالخروج من بغداد. وظهر فى ثانى يوم عند رجل من أصحابه كراريس فيها ما يتضمن الاستخفاف بالقرآن، فطيف به البلد، ونودى عليه، وهمّت العامة بإحراقه. وظهر الشيخ عبد القادر، وجلس للوعظ، وعكف الناس عليه، وانتصر به أهل السنة. رحمه الله تعالى.