بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك - أحد الثلاثة الذين خلفوا، ثم تاب الله عليهم - الأنصارى الكعبى البغدادى البصرى البزاز (^١) الفرضى، القاضى أبو بكر بن أبى طاهر، ويعرف بقاضى المارستان
كان والده أبو طاهر عبد الباقى - ويعرف بصهر هبة المقرئ، وكان من أكابر أهل بغداد والملازمين للقاضى أبى يعلى - شيخا صالحا محدثا، معدلا. سمع الحديث وحدّث.
وتوفى فى صفر سنة إحدى وستين وأربعمائة.
_________________
(١) فى خطية الإدارة الثقافية وفى المخطوطة بأيدينا «البزار»
[ ١ / ١٩٢ ]
وأما ولده أبو بكر هذا: فولد يوم الثلاثاء عاشر صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة. وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين. وحضر على أبى إسحاق البرمكى سنة خمس وأربعين.
وسمع من أخيه أبى الحسن على، والقاضى أبى الطيب الطبرى وأبى طالب العشارى، وأبى الحسن الباقلانى (^١)، وأبى محمد الجوهرى، وأبى القاسم عمر بن الحسين الخفاف، وأبى الحسين بن حسنون، وأبى على بن غالب، وأبى الحسين ابن الأبنوسى، وأبى الحسن بن أبى طالب المكى، وأبى الفضل ابن المأمون، وتفرد بالرواية عن هؤلاء كلهم. وسمع من خلق آخرين.
وسمع بمكة من أبى معشر وغيره، وبمصر من أبى إسحاق الحبال. وقد خرجت له مشيخة عن شيوخه فى خمسة أجزاء سمعتها بالقاهرة. وكانت له إجازة من أبى القاسم التنوخي، وابن شيطا، والقضاعى مصنف الشهاب.
وتفقه فى صباه على القاضى أبى يعلى، وقرأ الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة، وبرع فى ذلك، وله فيه تصانيف. وشهد عند قاضى القضاة أبى الحسن ابن الدامغانى وتفنن فى علوم كثيرة.
قال ابن السمعانى: عارف بالعلوم متفنن، حسن الكلام، حلو المنطق، مليح المحاورة. ما رأيت أجمع للفنون منه نظر فى كل علم. وسمعته يقول: تبت من كل علم تعلمته إلا الحديث وعلمه.
قال: وكان سريع النسخ حسن القراءة للحديث، سمعته يقول: ما ضيعت ساعة من عمرى فى لهو أو لعب.
قال: وسمعته يقول: أسرتنى الروم، وبقيت فى الأسر سنة ونصفا، وكان خمسة أشهر الغلّ فى عنقى، والسلاسل على يدى ورجلى. وكانوا يقولون لى: قل:
المسيح ابن الله، حتى نفعل ونصنع فى حقك، فامتنعت وما قلت. قال: ووقت أن
_________________
(١) فى خطية الإدارة الثقافية والمخطوطة بأيدينا «الباقلاوي»
[ ١ / ١٩٣ ]
حبست كان ثمّ معلم يعلم الصبيان الخط بالرومية، فتعلمت فى الحبس الخط الرومى.
وسمعته يقول: حفظت القرآن ولى سبع سنين، وما من علم فى عالم الله إلا وقد نظرت فيه، وحصلت منه كله أو بعضه، وتفرد فى الدنيا بعلو الإسناد ورحل إليه المحدثون من البلاد.
قال ابن الجوزى: كان حسن الصورة، حلو المنطق، مليح المعاشرة، كان يصلى فى جامع المنصور، فيجئ فى بعض الأيام، فيقف وراء مجلسى وأنا على منبر الوعظ فيسلّم عليّ. وأملى الحديث فى جامع القصر باستملاء شيخنا ابن ناصر، وقرأت عليه الكثير. وكان ثقة فهما، ثبتا حجة؟؟؟، متفننا فى علوم كثيرة، منفردا فى علم الفرائض.
وكان يقول: ما أعلم أنى ضيّعت من عمرى شيئا فى لهو أو لعب، وما من علم إلا وقد حصلت بعضه أو كله. وكان قد سافر فوقع فى أيدى الروم، فبقى فى أسرهم سنة ونصفا، وقيّدوه وجعلوا الغل فى عنقه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلم منهم الخط الرومى.
قال: وسمعته يقول: يجب على المعلم أن لا يعنّف، وعلى المتعلم أن لا يأنف.
وسمعته يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر.
قال: وأنشدنى:
لى مدّة لا بدّ أبلغها … فإذا انقضت وتصرّمت متّ
لو عاندتنى الأسد ضارية … ما ضرّنى ما لم يجئ الوقت
قال: ذكر لنا أنّ منجمين حضرا حين ولد، فأجمعا أن عمره اثنتان وخمسون سنة. قال: وها أنا قد جاوزت التسعين.
قال: ورأيته بعد ثلاث وتسعين صحيح الحواس، لم يتغير منها شئ، ثابت العقل، يقرأ الخط الدقيق من بعد. ودخلنا عليه قبل موته بمديدة، فقال: قد نزلت فى أذنى مادة، فقرأ علينا من حديثه، وبقى على هذا نحوا من شهرين،
[ ١ / ١٩٤ ]
ثم زال ذلك، وعاد إلى الصحة، ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادة على ما جرت به العادة، وقال: لأنه إذا حفر ما جرت به العادة لم يصلوا إلي، وأن يكتب على قبره (٦٨:٣٨، ٦٩ ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ)﴾ وبقى ثلاثة أيام قبل موته لا يفتر من قراءة القرآن، إلى أن توفى يوم الأربعاء قبل الظهر ثانى رجب سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. وصلّى عليه بجامع المنصور. وحضر قاضى القضاة الزينبى، ووجوه الناس وشيعناه إلى مقبرة باب حرب، فدفن إلى جانب أبيه، قريبا من بشر الحافى ﵁.
قلت: وحدّث القاضى أبو بكر بالكثير من حديثه، وسمع منه الأئمة الحفاظ وغيرهم، وأثنوا عليه.
قال ابن الخشاب عنه: كان مع تفرده بعلم الحساب والفرائض، وافتنانه فى علوم عديدة، صدوقا، ثبتا فى الرواية، متحريا فيها.
وقال ابن ناصر عنه: كان إماما فى الفرائض والحساب، وهو آخر من حدث عن البرمكى، وذكر جماعة.
وكان سماعه صحيحا، ومتعه الله بعقله وسمعه وبصره وجوارحه إلى حين وفاته. ولم يخلف بعده من يقوم مقامه فى علمه. وكان قد خرجت له مجالس سنة ثمان عشرة، فأملاها بالجامع من دار الخليفة.
وقال ابن شافع: سمعت ابن الخشاب يقول: سمعت قاضى المارستان يقول:
قد نظرت فى كل علم حصلت منه بعضه أو كله، إلا هذا النحو فإنى قليل البضاعة فيه.
قال ابن شافع: وما رأيت أبا محمد - يعنى: ابن الخشاب - يعظم أحدا من مشايخه تعظيمه له. وكان أبو القاسم بن السمرقندى يقول: ما بقى مثله ويطريه فى الثناء.
[ ١ / ١٩٥ ]
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم - بمصر - أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف ابن عبد المنعم، أخبرنا الحافظان: أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزى، وأبو محمد ابن عبد العزيز بن محمود بن الأخضر، وأبو أحمد بن عبد الوهاب بن على بن سكينة وغيرهم ح وأخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقى بها - غير مرة - أخبرنا أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم التنوخى، وأبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحارثى وأبو الفرج عبد الرحمن بن أبى عمر المقدسى، وأبو الغنائم المسلم بن محمد بن علان وغيرهم، قالوا: أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزد، وأبو اليمن زيد بن الحسن الكندى. زاد الأولان: وأبو البركات عبد اللطيف بن إسماعيل الصوفى، وزاد الأول وحده: وأحمد بن تزمش البغدادى. قالوا كلهم: أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد الباقى البزاز، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عمر البرمكى - حضورا - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إبراهيم البزار، حدثنا أبو مسلم، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصارى، حدثنا حميد عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار»:
أنبئت عن يوسف بن خليل الحافظ قال: أخبرنا الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الله بن أبى الفوارس محمد بن على بن حسن الخزاز الصوفى البغدادى ببغداد قال: سمعت القاضى أبا بكر محمد بن عبد الباقى بن محمد البزاز الأنصارى يقول:
كنت مجاورا بمكة - حرسها الله تعالى - فأصابنى يوما من الأيام جوع شديد لم أجد شيئا أدفع به عنى الجوع، فوجدت كيسا من إبريسم مشدودا بشرابة من إبريسم أيضا فأخذته وجئت به إلى بيتى، فحللته فوجدت فيه عقدا من لؤلؤ لم أر مثله، فخرجت فإذا الشيخ ينادى عليه، ومعه خرقة فيها خمسمائة دينار وهو يقول: هذا لمن يرد علينا الكيس الذى فيه اللؤلؤ، فقلت: أنا محتاج، وأنا جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرد عليه الكيس، فقلت له: تعالى إلىّ، فأخذته وجئت به إلى بيتى، فأعطانى علامة الكيس، وعلامة الشرابة، وعلامة اللؤلؤ
[ ١ / ١٩٦ ]
وعدده؟؟؟، والخيط الذى هو مشدود به، فأخرجته ودفعته إليه. فسلم إلىّ خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: يجب علىّ أن أعيده إليك ولا آخذ له جزاء، فقال لى:
لا بد أن تأخذ. وألح على كثيرا، فلم أقبل ذلك منه، فتركنى ومضى.
وأما ما كان منى: فإنى خرجت من مكة وركبت البحر، فانكسر المركب وغرق الناس، وهلكت أموالهم، وسلمت أنا على قطعة من المركب، فبقيت مدّة فى البحر لا أدرى أين أذهب، فوصلت إلى جزيرة فيها قوم، فقعدت فى بعض المساجد، فسمعونى أقرأ، فلم يبق فى تلك الجزيرة أحد إلا جاء إلىّ وقال:
علمنى القرآن. فحصل لى من أولئك القوم شئ كثير من المال.
قال: ثم إنّي رأيت فى ذلك المسجد أوراقا من مصحف، فأخذتها أقرأ فيها فقالوا لى: تحسن تكتب؟ فقلت: نعم، فقالوا: علّمنا الخط، فجاءوا بأولاهم من الصبيان والشباب، فكنت أعلمهم، فحصل لى أيضا من ذلك شئ كثير فقالوا لى بعد ذلك: عندنا صبيّة يتيمة، ولها شئ من الدنيا نريد أن تتزوج بها، فامتنعت، فقالوا: لا بد، وألزمونى، فأجبتهم إلى ذلك.
فلما زفوها إلىّ مددت عينى انظر إليها، فوجدت ذلك العقد بعينه معلقا فى عنقها، فما كان لى حينئذ شغل إلا النظر إليه. فقالوا: يا شيخ، كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها، فقصصت عليهم قصة العقد فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلت:
ما بكم؟ فقالوا: ذلك الشيخ الذى أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول:
ما وجدت فى الدنيا مسلما إلا هذا الذى رد على هذا العقد، وكان يدعو ويقول:
اللهم اجمع بينى وبينه حتى أزوجه بابنتى، والآن قد حصلت، فبقيت معها مدة ورزقت منها بولدين.
ثم إنها ماتت فورثت العقد أنا وولداى، ثم مات الولدان فحصل العقد لى فبعته بمائة ألف دينار. وهذا المال الذى ترون معى من بقايا ذلك المال. هكذا ساق هذه الحكاية يوسف بن خليل الحافظ فى معجمه.
[ ١ / ١٩٧ ]
وساقها ابن النجار فى تاريخه، وقال: هى حكاية عجيبة. وأظن القاضى حكاها عن غيره. وقد ذكرها أبو المظفر سبط ابن الجوزى فى تاريخه فى ترجمة أبى الوفاء بن عقيل.
وذكر عن ابن عقيل: أنه حكى عن نفسه: أنه جج، فالتقط العقد ورده بالموسم، ولم يأخذ ما بذل له من الدنانير، ثم قدم الشام، وزار بيت المقدس، ثم رجع إلى دمشق، واجتاز بحلب فى رجوعه إلى بغداد، وأنّ تزوجه بالبنت كان بحلب. ولكن أبا المظفر ليس بحجة فيما ينقله، ولم يذكر للحكاية إسنادا متصلا إلى ابن عقيل، ولا عزاها إلى كتاب معروف، ولا يعلم قدوم ابن عقيل إلى الشام، فنسبتها إلى القاضى أبى بكر الأنصارى أنسب. والله أعلم.
وقد تضمنت هذه القصة: أنه لا يجوز قبول الهدية على رد الأمانات؛ لأنه يجب عليه ردها بغير عوض، وهذا إذا كان لم يلتقطها بنيّة أخذ الجعل المشروط وقد نص أحمد ﵁ على مثل ذلك فى الوديعة، وأنه لا يجوز لمن ردها إلى صاحبها قبول هديته إلا بنية المكافأة.