بن محمد بن علي الشيرازى، ثم الدمشقى، المعروف بابن الحنبلى، الفقيه الواعظ المفسّر، شرف الإسلام أبو القاسم.
كذا كناه ابن القلانسى فى تاريخه. وكناه المنذرى وغيره: أبا البركات ابن شيخ الإسلام أبى الفرج الزاهد - المتقدم ذكره - شيخ الحنابلة بالشام فى وقته
توفى والده وهو صغير فاشتغل بنفسه، وتفقه وبرع، وناظر وأفتى، ودرس الفقه والتفسير ووعظ، واشتغل عليه خلق كثير. وكان فقيها بارعا، وواعظا فصيحا، وصدرا معظما، ذا حرمة وحشمة وسؤدد ورئاسة، ووجاهة وجلالة وهيبة.
ولما ورد الفرنج إلى دمشق سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة، أرسله صاحب دمشق إلى الخليفة المسترشد ببغداد ليستنجدهم على الفرنج، فخلع عليه ووعده بالإنجاد.
[ ١ / ١٩٨ ]
وكان له بجامع دمشق مجلس يعقده للوعظ، وقيل: إنه منع منه بسبب الفتن.
قال ابن السمعانى: سمعت أبا الحجاج يوسف بن محمد بن مقلد التنوخى الدمشقى - مذاكرة - يقول: سمعت الشيخ الإمام عبد الوهاب بن أبى الفرج الحنبلى الدمشقى - بدمشق - ينشد على الكرسى فى جامعها، وقد طاب وقته:
سيّدى علّل الفؤاد العليلا … واحينى قبل أن ترانى قتيلا
إن تكن عازما على القبض روحى … فترفّق بها قليلا قليلا
قرأت بخط حفيده ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم قال: حكى لنا الفصيح الحنفى قال: احتجت، فأشار علىّ بعض الناس أن أقوم فى مجلس شرف الإسلام فأمتدحه بقصيد شعر. قال: ففعلت، فرمى علىّ الشيخ منديلا كان فى يده، فخلع على جماعة أصحابه ثيابا كثيرة، ونثروا علىّ، فخرجت من المجلس ومعى جمال تحمل الخلع. فبلغ ذلك البرهان البلخى شيخ الحنفية، فشكانى إلى والدى، فقلت: كنت محتاجا، ورحت إلى رجل أغنانى، فاسكتوا عنى وإلا رحت إليه بكرة.
قال ناصح الدين: وكان وجيه الدين مسعود بن شجاع شيخ الحنفية - بدمشق - يذكر شرف الإسلام جدّى، ويقول: كان يذكر مجلدة من التفسير فى المجلس الواحد ويثنى عليه.
قال: وكان زين الدين بن الحكيم الواعظ الحنفى يذكر جدى شرف الإسلام على المنبر، ويثنى عليه، وربما ذكره فبكى.
قلت: ولشرف الإسلام تصانيف فى الفقه والأصول، منها «المنتخب فى الفقه» فى مجلدين، و«المفردات»، و«البرهان فى أصول الدين» ورسالة فى الرد على الأشعرية.
وحدث عن أبيه ببغداد ودمشق، وسمع منه ببغداد أبو بكر بن كامل، وناظر مع الفقهاء ببغداد فى المسائل الخلافيات.
[ ١ / ١٩٩ ]
قال ابن النجار: حدث عن والده بحديث منكر. وبنى بدمشق مدرسة داخل باب الفراديس، وهى المعروفة بالحنبلية. ولما شرع فى بنائها طلع بعض المخالفين إلى «زمرّد خاتون» أم شمس الملوك - وكان حكمها نافذا فى البلد - فقالوا لها: هذا ابن الحنبلى يبنى مدرسة للحنابلة، وهذا البلد عامته شافعية، وتصير الفتن وبناؤها مفسدة وضرر كبير. فبعثت إلى الشيخ، وقالت له: بطل هذا البناء، فقال: السمع والطاعة. وقال للصناع: انصرفوا، فانصرفوا. فلما كان الليل أحضر الصّناع والفعلة وأصحابه، وأشعلوا المشاعل والشمع، وشرعوا فى تأسيس حائط القبلة، ونصبوا المحراب ليلا، وقال: اغدوا على عملكم، فغدوا، وقال أولئك لها: قد خالف أمرك. فنزل إليه عشرة من القلعة، وقالوا له: أما قد نهتك خاتون عن بناء هذا المكان؟ فقال: أنا قد بنيت بيتا من بيوت الله ﷿، ونصبت محرابا للمسلمين، فإن كانت هى تهدمه تبعث تهدمه، وصاح على الصناع: اعملوا. فبلغها ما قال. فقالت: صدق. أنا ما لى وللفقهاء.
ذكر ذلك الناصح عن بعض أصحاب أبى شرف الإسلام.
قال: سمعت والدى يقول: جاء رجل من أصحاب أبى شرف الإسلام إليه، فقال: رأيت الليلة فى منامى أبى، فقال لى: هذا الذى يقوله لكم الشيخ ما هو صحيح، ما رأينا لا جنة ولا نارا، ولا قيامة ولا حسابا، وهو يبكى، فقال له الشيخ: ما ذاك والدك. فقال: يا سيدى، والدى، أنا أعرفه، فقال له الشيخ: ذاك الشيطان، الساعة يعود ويقول لك مثل ما قال. فقل أنت له: بالله الذى لا إله إلا هو، أنت والدى؟ فيولى عنك ويضرط لك. فلما كانت الليلة الثانية أصبح وجاء إلى الشيخ، فقال له: ضرط لك؟ قال: إي والله يا سيدى.
توفى ﵀ فى ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
ودفن عند والده بمقابر الشهداء من مقابر الباب الصغير.
وذكره أبو المعالى بن القلانسى فى تاريخه، فقال: كان على الطريقة
[ ١ / ٢٠٠ ]
المرضية، والخلال الرضية،، ووفور العلم وحسن الوعظ وقوة الدين، والتنزه عما يقدح فى أفعال غيره من المتفقهين، وكان يوم دفنه مشهودا من كثرة المشيعين له والباكين حوله، والمؤبنين لأفعاله والمتأسفين عليه. رحمه الله تعالى.
وللمهذب أحمد بن منير (^١) الشاعر الحلبى المشهور رسالة إلى شرف الإسلام يمدحه فيها وأهل بيته بقصيدة، يقول فيها:
ولعمرى لولا بقية عبد ال … واحد الحنبلىّ أعضل داؤه
هم أعادوا المعروف غضا وقد صوّ … ح مخضره وغاض بهاؤه
معشر أرضعوا النباهة من عو … د نضار ماء المروءة بهاؤه؟؟؟
كل معروفهم لمعروفهم طلق … وهم فى مكروهه شركاؤه
ألسن توّج المنابر منها … كل عضب فلّ القضاء مضاؤه
فالكتاب العزيز يشهد أن قد … سلمت خصلة له قراؤه
أهله أنتم، ومن لم يقل قو … لى عمّمت عينه أعضاؤه
فقهاء الإسلام إن عن … لبس أحباره خطباؤه
قال ناصح الدين حفيد شرف الإسلام: قد عرضت هذه القصيدة على أبى البقاء العكبرى، فأثنى عليها كثيرا.