وعلى كل حال فإن ابن العنابي لم يكتب سنة ١٢٤٢ هـ كتابه (السعي المحمود) فقط بل نجده يقيم في مصر ويختلف إلى الجامع الأزهر، ويأتيه العلماء للدرس (وروما للثواب) ويقوم هو بإجازة المستجيزين وإجابة الداعين. فقد كتب (السعي المحمود) في شهر رجب من السنة المذكورة وأجاز الشيخ إبراهيم السقا خلال شهر شعبان، مما أجاز الشيخ عبد القادر الرافعي في شهر رمضان من نفس السنة أيضا. ومعنى هذا أن ابن العنابي قد تصدر لتدريس الحديث والفقه في الأزهر والتف حوله تلاميذ وعلماء.
ومما جاء في إجازته لتلميذه إبراهيم السقا ما يلي: (وقد قرأ على الشيخ الإمام الفاضل ابن الحسن إبراهيم بن علي بن حسن المعروف بالسقا. جل صحيح البخاري الى باب الاحتباء من كتاب اللباس، وسمع ذلك الشيخ الإمام
_________________
(١) رسالة البوعبدلي الى المؤلف. وعن ظروفه بالإسكندرية، أنظر المدجل الجديد.
[ ٤٢ ]
أبو العباس أحمد بن يوسف القنياتي إمام الجامع الأزهر والشيخ الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن الدمياطي الغمراوي الشافعي. (٥٥) والشيخ أبو الحسن إبراهيم بن حسن الكردي الشافعي) وختمها بقوله: (قال هذا وكتبه الفقير إليه سبحانه محمد بن محمود بن محمد بن حسن الجزائري الحنفي الشهير ببلده بابن العنابي. بتاريخ خامس شعبان سنة ١٢٤٢).
أما الإجازة الثانية فهي إجازته للشيخ عبد القادر الرافعي الحنفي. وهي كالسابقة باستثناء بعض التفاصيل. وقد قرأ عليه الشيخ الرافعي أوائل كتب الحديث وغيرها وأجازه إجازة عامة. ووضع بأسفل الإجازة خاتمه وهو (منتظر لطف الودود عبده محمد بن محمود ١٢٣٢) (٥٦).
وهناك أيضا إجازة أخرى له كتبها إلى محمد بن علي الطحاوي ذكر فيها أنه يروي ثبت الجوهري بالإجازة على شيخه علي بن الأمين إجازته عن شيخ أحمد الجوهري. بخط المجيز ومذيله بخاتمه المؤرخ سنة ١٢٣٢ ضمن مجموع بأسفل صفحة ١، (١١٨ تيمور) دار الكتب المصرية، مصطلح الحديث.
ولا شك أن لابن العنابي في مصر تلاميذ آخرين أجازهم، أو قرأوا عليه وسنعرف أن كتابه (السعي المحمود) كان نفسه عبارة عن جواب لأحد السائلين ممن جمعته به حلقة درس أو جلسة سمر.
هذا في مصر، أما في تونس فقد منح إجازة لعدد من العلماء الذين التجأوا إليه وطلبوا منه ذلك نثرا وشعرا. وقد جاء في إجازته للشيخ محمد بيرم الرابع أنه يجيزه (بكل ما أجازني به مشائخي جميع من أدرك حياتي) قدوة بشيخه علي بن
_________________
(١) بين الاسمين يوجد بياض في الأصل المنقول منه.
(٢) تدل هذه العبارة على أنه كان شخصيا يختصر اسمه ويكتفي بمحمد بن محمود. كما أن التاريخ المذكور (١٢٣٢ م) هو الذي نجده دائما في خاتمه الموضوع على وثائق أخرى. والغالب على الظن أنه هو التارخ الذي لم يستطع التميمي قراءته في وثيقة أشرنا إليها. نسخة من هذه الإجازة توجد في دار الكتب المصرية، مصطلح الحديث (١٦٧ تيمور) في صفحة ٦، وهي بخط المجيز سنة ١٢٤٢ ومذيله بخاتمه.
[ ٤٣ ]
عبد القادر بن الأمين الذي قال عنه إنه (أجاز جميع من أدرك حياته) (٥٧) وقد أجاز ابن العنابي الشيخ محمد بيرم بهذه العبارة، بعد أن عدد طرق تلقيه لكتب الحديث والفقه (وقد أجزت بهذا وبكل ما أجازني به مشائخي الشاب الفاضل اللوذعي الكامل أبا عبد الله محمد (بالفتح) بن شيخ الإسلام محمد (بالضم) بن شيخ الإسلام محمد (بالفتح) الشهير بيرم حفظه الله إجازة عامة بشرطها المعلوم لأهله، وأوصيه الخ) (٥٨).
وهناك إجازة أخرى لابن العنابي أجاز بها أيضا محمد بيرم الرابع، وهي تتعلق بأحزاب الشاذلي. فقد جاء في وثيقة تونسية عن بيرم المذكور أنه كتب أن شيخه العنابي قد أجازه بتلك الأحزاب (شيخنا العلامة المحقق حامل لواء المذهب الحنفي بقطر الجزائر. محمد بن محمود الخ) وقد أضاف بيرم أن هذه الإجازة قد وقعت له منه مشافهة وأنه كتب سندها (وذكره في الوثيقة) من خط من نقله من خطه (٥٩).
وقد جاء في نفس الوثيقة أن مصطفى بيرم (عم محمد بيرم المذكور) قد استجاز أيضا ابن العنابي بقصيدة. وهي قصيدة هامة تصور مدى احترام علماء تونس لابن العنابي وتذكر بعض أعماله العلمية. ولأهميتها سنوردها في آخر الكتاب. ونكتفي هنا بالمقصود منها، وهي قول الناظم:
واطلب من علياك نيل إجازة بفضلك لا أني لذلك صالح
ولا شك أن ابن العنابي قد لبى رغبة هذا الطالب لأنه قد ذكر من قيل أنه كان يجيز من أدرك حياته. غير أننا لم نعثر على نص هذه الإجازة إلى الآن (٦٠)
_________________
(١) انظر مخطوط رقم ٧٤٥١ تونس. وقد وضع عليها ابن العنابي ختمه المؤرخ ١٢٣٢ وعليها خطه. وتوجد منها أيضا نسخة في مصر (دار الكتب المصرية - مصطلح الحديث، رقم ٤٦٨) ضمن مجموع ١٠٧ - ١٠٩، بخط مغربي تمت كتابته سنة ١٢٢٥.
(٢) نفس المصدر.
(٣) انظر كناش رقم ١٨٧٦٣ (كناش الطواحني)، المكتبة الوطنية، تونس.
(٤) نفس المصدر.
[ ٤٤ ]
ومن المؤكد أن إجازات ابن العنابي لم تقتصر على علماء مصر وتونس. فقد كان ذائع الصيت في وقته وكان مقصودا لأهل العلم في كل بلد يحل به. لذلك لا نشك في أنه قد منح إجازاته لعدد آخر من علماء الجزائر وغيرها من البلدان التي زارها، خصوصا وقد أوضح هو أنه كان يتساهل في ذلك اقتداء بشيخه علي بن عبد القادر بن الأمين (٦١).