هو من الشعراء الفرسان. وكان شاعر بني عبس وفارسهم المشهور. وكان جريئا شديد البطش. وكان مع شدة بطشه لين الطباع، حليما، سهل الأخلاق، لطيف الحاضرة. وكان من أشد أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يداه. وكان سمحا، أبي النفس، لا يقر على ضيم ولا يغمض على قذى. ولما أنشد للنبي ﷺ قوله:
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل
قال ﵊: "ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة"-.
قال (الهيثم بن عدي): قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدها. قال: لا. قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟. قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما. ولا أدخل موضعا إلا أرى لي منه مخرجا. وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع، فأثني عليه فأقتله".
وحدث (عمر بن شبة) قال: قال عمر بن الخطاب للحطيئة: "كيف كنتم في حربكم. قال: كنا ألف فارس حازم. قال: وكيف يكون ذلك؟ قال: كان (قيس بن زهير) فينا وكان حازما فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا (عنترة) فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم، وكان فينا (الربيع بن زياد) وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه، وكان فينا (عروة بن الورد) فكنا نأتم بشعره. فكنا كما وصفت لك. فقال عمر: صدقت".
وقد بلغ من الشجاعته أن قومه (بني عبس) غزوا (بني تميم) وعليهم (قيس بن زهير)، فانهزمت بنو عبس، وطلبتهم بنو تميم، فوقف لهم عنترة، ولحقتهم كوكبة من الخيل، فحامى عنترة عن الناس، فلم يصب مدبر. وكان (قيس بن زهير) سيدهم، فساءه ما صنع (عنترة) يومئذ فقال حين رجع: "ما حمى الناس إلا ابن السوداء" وكان (قيس) أكولا فبلغ (عنترة) ما قال قيس بن زهير، فقال يعرض به:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها: إن المنية منهل، لا بد أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبالك
واعلمي
أني امرؤ سأموت إن لم أقتل
إن المنية لو تمثل مثلت مثلي، إذا نزلوا بضنك المنزل
إني امرؤ من خير عبس منصبا شطري، وأحمي سائري بالمنصل
وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ألفيت خيرا من معم مخول
والخيل تعلم والفوارس أنني فرقت جمعهم بضربة فيصلي
إذ لا أبادر في المضيق فوارسي، ولا أوكل بالرعيل الأول
إن يلحعوا أكرر، وإن يستلحموا أشدد، وإن يلفوا بضيق أنزل
والخيل ساهمة الوجوه، كأنما تسقى فوارسها نقيع الحنظل
ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل
[ ٤٤ ]
وكان قد حضر (حرب داحس والغبراء) وحسن فيها بلاؤه وحمدت مشاهده. وحدثت حروب بين (جديلة) و(ثعل) وكان عنترة مع (جديلة) فنصرهم فانتصروا. فشكاه (الثعلبيون) إلى (غطفان) .
ووقائعه كثيرة يشتبه فيها الصحيح بالموضوع.
وكان (عمرو بن معد يكرب) معاصرا لعنترة، وقد روي عنه أنه قال: "لو سرت بظعينه وحدي على مياه (معد) كلها ما خفت أن أغلب عليها، ما لم يلقني حراها أو عبداها. فأما الحران (فعامر بن الطفيل) و(عتيبة بن الحارث بن شهاب)، وأما العبدان فأسود بني عبس (يعني عنترة) و(السليك بن سلكة)، وكلهم قد لقيت، فأما (عامر بن الطفيل) فسريع الطعن على الصوت، وأما (عتيبة) فأول الخيل إذا أغارت وآخرها إذا آبت، وأما (عنترة) فقليل الكبوة شديد الجلب، وأما (السليك) فبعيد الغارة كالليث الضاري.