ما برح الخلاف بين المتأدبين - قديما وحديثا - فيمن هو أشعر الشعراء في الجاهلية. ولهم في ذلك مذاهب. على أنهم اتفقوا أو كادوا على تقديم شعراء (المعلقات) . وذكروا أن أشعر هؤلاء ثلاثة، وهم (امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني) . قال أبو عبيدة: "أشعر الناس أهل الوبر خاصة، وهم امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى والنابغة. وفي الطبقة الثانية (الأعشى ولبيد وطرفة) ".
وقد اختلفوا فيمن هو أشعر الجميع. فقال (الفرزدق): "امرؤ القيس أشعر الناس". وقال (ابن مقبل): "طرفة أشعر الناس". وقال (ابن أحمر): "زهير أشعر الناس". وقال (الكميت): "عمرو بن كلثوم أشعر الناس" وقال (ذو الرمة): "لبيد أشعر الناس". وقال (الأخطل): "الأعشى أشعر الناس". والراجح ما قال (أبو عبيدة): "امرؤ القيس ثم زهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو بن كلثوم وطرفة".
وقد قالوا: "أشعر الشعراء أربعة: زهير إذا طرب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا غضب، وعنترة إذا كلب، أي غضب".
وقالوا: "إن (امرأ القيس) صاحب النصيب الأوفر في الشعر، لأن الشعر في تعبيرهم كان جملا فنحر، فأخذ امرؤ القيس رأسه. وإن (زهيرا) يمتاز بأنه لا يعاظل بين كلامين، ولايتتبع وحشي الكلام، ولا يمدح أحدا بغير ما فيه. ولشعره ديباجة إن شئت قلت: "شهد إن مسسته ذاب". وإن النابغة أوضح الشعراء معنى، وأبعدهم غاية، وأكثرهم فائدة. وإن (الأعشى) أمدحهم للملوك، وأوصفهم للخمر، وأقدرهم شعرا، وأحسنهم قريضا. وإن (لبيدا) أقلهم لغوا. وإن (عمرو بن كلثوم) أعزهم نفسا، وأكثرهم امتناعا، وأجودهم واحدة. وإن (طرفة) أشعرهم: إذ بلغ - على حداثة سنه - ما بلغه القوم في طول أعمارهم".
قال (ابن عبد ربه) اختلف الناس في أشعر الشعراء. قال النبي (ﷺ) وقد ذكر عنده (امرؤ القيس بن حجر): "هو قائدهم وحامل لوائهم". وقال (عمر بن الخطاب) للوفد الذين قدموا عليه من غطفان: من الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مطلب
قالوا: هو نابغة بني (ذبيان) . قال لهم: فمن الذي يقول:
أتيتك عاريا خلقا ثيابي، على وجل، تظن بي الظنون
فألقيت الأمانة لم تخنها كذلك كان نوح لايخون
قالوا: هو (النابغة) . قال: "هو أشعر شعرائكم" وقال (عمرو بن العلاء): طرفة أشعرهم واحدة. يعني قصيدته:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد، تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وفيها يقول:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وأنشد للنبي (ﷺ) هذا البيت، فقال: "هو من كلام النبوة".