كانت اللغة العربية من نشأتها إلى سنة ستين (٦٠) للهجرة لغة يتلقفها الأبناء عن الآباء، كما تأخذ صبياننا لهذا العهد لغتنا العامية. فلما جاء الإسلام وفارقوا بلادهم للفتح أو غيره، وانتشروا بين الأعاجم أخذ اللحن في اللغة يفشو، ودبت عقارب العجمة فيها. فتغيرت تلك الملكة بما ألقي إليها مما يغايرها. فخشي أهل الإدراك منهم أن تفسد تلك الملكة، رأسا، ويطول العهد بها، فينغلق القرآن الكريم والحديث الشريف على الفهوم، فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة تعصم مراعاتها المتكلم عن الخطأ. وقيدوا ذلك بالكتابة، وجعلوها صناعة خاصة، واصطلحوا على تسميتها بعلم "النحو". وأول من وضع ذلك "أبو الأسود الدؤلي" المتوفي سنة سبع وستين (٦٧) للهجرة بإشارة الإمام "علي بن أبي طالب" ﵄، لأنه رأى تغير الملكة ففزع إلى ضبطها بالقوانين الحاضرة المستقرأة. ثم كتب فيها الناس من بعده إلى أن انتهت إلى "الخليل بن أحمد الفراهيدي" أيام "الرشيد". فهذب الصناعة وأكمل أبوابها. وأخذها عنه "سيبويه" فأكمل تفاريعها، واستكثر من أدلتها وشواهدها. ووضع فيها كتابه المشهور الذي صار إماما لكل من كتب فيها من بعده. ثم كثرت المؤلفات من بعده حتى ضاقت عنها صدور المكتبات.
وكانت "البصرة" و"الكوفة" من أعمر الأمصار التي اختطها العرب. وقد تفرغ من أهليها لضبط اللغة وعلومها نقلا عن عرب البادية بالخروج إليهم، والإقامة ببينهم، والسماع منهم، واستكتابهم. وكان رئيس علماء البصرة "سيبويه" ورئيس علماء الكوفة "الكسائي". وكلاهما قد جاهد مع أتباعه حق الجهاد في المناضلة عن اللغة والذب عن حياضها. وكان بين "البصرة" و"الكوفيين" حروب جدال كثيرة كثرت فيها الأدلة، وعظم فيها اللجاج، وتباينت فيها الطرق. حتى أدى الأمر إلى موت "سيبويه" رئيس "البصريين" غما وكمدا من أجل مسألة حكم فيها عرب البادية عند "الرشيد" لإمام الكوفيين "الكسائي" في قصة طويلة مشهورة.
ثم فصل بعض العلماء عن النحو ما يتعلق بالكلمات المفردة. وجعلوها علما مستقلا سموه "علم الصرف" أو "التصريف". وأقدم صنع ذلك "ابن جني" و"معاذ الهراء".
وأفضل من كتب بعد هؤلاء من المتأخرين هو "ابن هشام". فقد أخرج للناس كتبا هي خير ما رأيناه بعد كتب "سيبويه" وأضرابه.
وقد حدت الهمة بالمعاصرين إلى تأليف كتب تلائم روح العصر. منها كتاب "الدروس النحوية" للجنة من أساتذة المصريين. وكتاب "مبادئ اللغة العربي" للمعلم "رشيد الشرتوني". و"دروس الصرف والنحو" للشيخ "محي الدين الخياط". وكتاب "الدروس العربية" للشيخ "مصطفى الغلاييني" مؤلف هذا الكتاب. وقد كتب كثير غيرهم. ولا يزالون يكتبون نفع الله بهم، حتى تنهض هذه اللغة من كبوتها وترجع إلى سالف مجدها.