[ ٦ ]
قال (أبو نصر الفارابي) في أول كتابه المسمى بالألفاظ والحروف: كانت (قريش) أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعا، وأبينها إبانة عما في النفس. والذين نقلت عنهم العربية وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم (قيس) و(تميم) و(أسد) فإن هؤلاء هم الذين عنهم نقل أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف. ثم (هذيل) وبعض (كنانة) وبعض (الطائيين) . لم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا عن سكان البراري ممن يسكن أطراف بلادهم المجاورة لسائر الأمم الذين حولهم. فإنه لم يؤخذ عن (لخم) ولا عن (جذام) لمجاورتهم أهل (مصر) و(القبط)، ولا عن (قضاعة) و(غسان) و(إياد) لمجاورتهم أهل (الشام) وأكثرهم نصارى يقرأون بالعبرانية، ولا من (تغلب) و(النمر) فإنهم كانوا ب- (الجزيرة) مجاورين لليونان، ولا من (عبد قيس) و(أزد عمان) لأنهم كانوا ب- (البحرين) مخالطين للهند والفرس، ولا من أهل (اليمن) لمخالطتهم للهند والحبشة، ولا من (بني حنيفة) وسكان (اليمامة)، ولا من (ثقيف) وأهل (الطائف) لمخالطتهم تجار (اليمن) المقيمين عندهم، ولا من حاضرة (الحجاز) لأن الذين نقلوا اللغة صادفوهم حين ابتدأوا ينقلون لغة العرب قد خالطوا غيرهم من الأمم وفسدت ألسنتهم.
والذي نقل اللغة واللسان العربي عن هؤلاء وأثبتها في كتاب فصيرها علما وصناعة هم أهل (البصرة) و(الكوفة) فقط من بين أمصار العرب.