لا يعلم التاريخ فيما يعلم عصرا اشتهر بالعلوم، وازدهر بالآداب، كهذا العصر الزهي البهي. فلقد اعتنى خلفاؤه وعلماؤه بتدوين العلوم وترجمتها ونشرها. وكان أول ما دونوه علوم الدين والعربية، وما ترجموه علوم الرياضة. بدأ بذلك أبو جعفر المنصور الذي أنشأ المدارس للطب والشريعة، وترجم في زمنه كتاب (إقليدس) في الرياضة. وكذلك فعل الرشيد فألحق بكل مسجد مدرسة عامة. وترجم في عهده كثير من الكتب اليونانية في كثير من الفنون. وما تبوأ (المأمون) عرش الخلافة حتى استعر أوار هذه النهضة، برقعه شأن العلماء، وإجزاله صلة المترجمين. فتفجرت ينابيع العلوم، وعكف أهل الفضل على النظر فيها، فاخترعوا، واكتشفوا ما لا يجهله العالم، ولا ينكره التاريخ. من ذلك اكتشافهم قوانين لثقل الأجسام مائعها وجامدها، واختراعهم (الخطار) للساعة و(البوصلة البحرية) أي (بيت الإبرة) . وهم الذين بدأوا باستعمال الساعات الدقاقة الدالة على أقسام الزمن، ووضعوا علم الكيمياء الحقيقية، وألفوا الأرصاد والأزياج الفلكية، وحسبوا الكسوف والخسوف، ورصدوا الاعتدال الربيعي والخريفي، وغير ذلك مما لا يتسع له صدر هذا المختصر.