كان امرؤ القيس فصيح الألفاظ، جيد السبك، كثير المعاني، مقدما على شعراء الجاهلية. وهو أول من سبق إلى أشياء ابتدعها، فاستحسنتها العرب، واتبعته عليها الشعراء. وذلك كتلطيفه المعاني، ورقة النسب، وقرب المأخذ، واستيقاف الأطلال، ووصف النساء بالظباء والمها، وتشبيه الخيل بالعقبان، والتفريق بين النسيب وما سواه في القصيدة، وإحكام التشبيه، وتجويد الاستعارة. وقد شهد له بذلك كثير من الشعراء كلبيد وغيره.
وروى (الجمحي) أن سائلا سأل (الفرزدق): من أشعر الناس؟. قال: ذو القروح حيث يقول:
وقاهم جدهم ببني أبيهم، وبالأشقين ما كان العقاب
[ ٢٠ ]
ومر (لبيد) بالكوفة في بني (نهد) فسألوه: من أشعر الناس؟. قال: "الملك الضليل" (يعني امرأ القيس) . قيل: ثم من؟. قال: "الغلام القتيل" (يعني طرفة بن العبد) . قيل "ثم من؟ ". قال: "الشيخ أبو عقيل الجليل" (يعني نفسه) .
وكان (امرؤ القيس) مقلا من الشعر، كثير المعاني والتصرف. ولا يصح له إلا عشرون شعرا ونيف بين طويل وقطعة.
وسأل العباس بن عبد المطلب عمر بن الخطاب - ﵄ - عن الشعراء. فقال "امرؤ القيس سابقهم: خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معان عور أصح بصر".
وامرؤ القيس يماني النسب، نزاري الدار والمنشأ. وفضله (علي) - ﵁ - بأن قال: "رأيته أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة، وإنه لم يقل رغبة أو رهبة".
وكان كثير الإجادة في وصف الفرس حتى لا تكاد تجد قصيدة من قصائده تخلو من وصفه. ومن أحسن وصفه به قوله:
وقد أغتدي، والطير في وكناتها بمنجرد، قيد الأوابد هيكل
مكر، مفر، مقبل مدبر معا، كجلمود صخر حطه السيل من عل
له أيطلا ظبي، وساقا نعامة، وإرخاء سرحان، وتقريب تنقل
فقوله: "قيد الأوابد" في البيت الأول هو من الألفاظ الشريفة البالغة نهاية الحسن. وعنى بذلك أنه إذا أرسل فرسه على الصيد صار قيدا له وكان الصيد بحالة المقيد، وذلك من شدة عدو هذا الفرس. وقد اقتدى به الناس واتبعه الشعراء، فقيل: "قيد النواظر" و"قيد الألحاظ" و"قيد الكلام" و"قيد الحديث" و"قيد الرهان". وذكر الأصمعي وأبو عبيدة أنه أحسن في هذه اللفظة، وأنه اتبع فيها فلم يلحق. وذكرها أهل البيان في باب (التشبيه البليغ) . وجعلها بعضهم من باب (الرداف) وهو أن يريد الشاعر دلالة على معنى فلا يأتي باللفظ الدال على ذلك المعنى، بل بلفظ تابع له وردف. وذلك هو الكناية. قالوا: ومنه قوله أيضا:
ويضحي فتيت المسك فوق فراشها، نؤوم الضحى، لم تنطق عن تفضل
أراد بقوله: "نؤوم الضحى" أنها مترفهة، عندها من يقضي لها حاجات بيتها: فلا تحتاج إلى النهوض ضحى. ومنه قول الآخر:
بعيدة مهوى القرط. إما لنوفل أبوها، وإما عبد شمس وهاشم
أراد أن يصف طول جيدها فأتى بردفه.
وقوله "له أيطلا ظبي" في البيت الثالث هو من التشبيه البديع، وذلك أنه شبه أربعة أشياء بأربعة أشياء، أحسن فيها ما شاء.
وقد أمتاز امرؤ القيس عن شعراء الجاهلية - إلا أقلهم - برقة الألفاظ وحسن التشبيه ورقته. قال (بشار بن برد): لو أزل أجهد الخيال منذ سمعت قوله:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا
لدى وكرها
العناب والحشف البالي
حتى قلت:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وفي بيتي امرئ القيس وبشار تشبيه شيئين بشيئين. غير أن امرأ القيس قد سبق إلى صحة التقسيم في التشبيه، ولم يتمكن بشار إلا من تشبيه إحدى الجملتين بالأخرى، دون صحة التقسيم والتفصيل.
ومما استحسن من تشبيهه قوله:
كأني غداة البين حين ترحلوا
لدى سمرات الحي
ناقف حنظل
وقوله:
كأن عيون الوحش حول خبائنا
وأرحلنا
الجزع الذي لم يثقب
وقوله في وصف الليل:
وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه، وأردف أعجازا، وناء بكلكل:
ألا أيها الليل الطويل، ألا انجل بصبح. وما الأصباح منك بأمثل
وكان بعضهم يعارض هذا بقول النابغة:
كليني لهم يا أميمة
ناصب
وليل أقاسيه، بطيء الكواكب
وصدر أراح الليل عازب همه، بضاعف فيه الحزن من كل جانب
تقاعس، حتى قلت: ليس بمنقض، وليس الذي يرعى النجوم بآيب
وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء، فقدمت أبيات امرئ القيس واستحسنت استعارتها: فقد جعل لليل صدرا يثقل تنحية، ويبطئ تقضيه. وجعل له أردافا كثيرة. وجعل له صلبا يمتد ويتطاول. ورأوا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام من الاستعارات الوحشية البعيدة المستنكرة. ورأوا أن الألفاظ جميلة.
[ ٢١ ]
وقد طرق كثيرا من المعاني فأجاد، حتى عد من فحول الطبقة الأولى. فأحسن مطالع الجاهليين مطالعه، وأجود التشابيه تشبيهه، وأحسن الغزل غزله. ومما بلغ حد النهاية في الرقة واللطف قوله:
أفاطم، مهلا بعض هذا التدلل وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
أغرك مني أن حبك قاتلي، وأنك مهما تأمري القلب يفعل
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل
وله أبيات كثيرة جرت مجرى المثل. منها قوله:
وقد طوفت في الآفاق، حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
وقوله:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان
وكان واسع الخيال، يجيد الوصف يدلك على ذلك قوله:
ديمة هطلاء فيها وطف
طبق الأرض
تحرى وتدر
وترى الضب خفيفا ماهرا، ثانيا برثنه ما ينعفر
وترى الشجراء في ريقها كرؤوس قطعت، فيها الخمر
ساعة، ثم انتحاها وابل، ساقط الأكناف، واه، منهمر
راح تمريه الصبا. ثم انتحى فيه شؤبوب جنوب منفجر
ثج، حتى ضاق عن آذيه عرض خيم فخفاف فيسر
قد غدا يحملني في أنفه لاحق الاطلين محبوك ممر
ومن ذلك وصفه زيارة حبيبته خلسة بحيث لا يشعر به أحد.
قال:
سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حبات الماء، حالا على حال
وله من أمثال ما قدمناه كثير من الشعر. وسترى كثيرا منه في معلقته. وإنا نختم هذا الفصل بشيء من قصيدة له أبدع فيها ما شاءت شاعريته. قال:
أحار بن عمرو، كأني خمر، ويعدو على المرء ما يأتمر
فلا وأبيك ابنة المامري
لا يدعي القوم أني أفر
تميم بن مر وأشياعها، وكندة حولي جميعا صبر
إذا ركبوا الخيل واستلأموا تحرقت الأرض، واليوم قر
ومنها:
رمتني بسهم أصاب الفؤاد غداة الرحيل، فلم أنتصر
فأسبل دمعي كفض الجمان أو الدر رقراقه المنحدر
فبت أكابد ليل التمام
القلب من خشية مقشعر
فلما دنوت تسديتها، فثوبا لبست، وثوبا أجر
ولم يرنا كاليء كاشح، ولم يفش منا لدى البيت سر
ومنها في وصف فرسه:
لها غدر كقرون النساء ركبن في يوم ريح وصر
لها جبهة كسراة المجن
حذقه الصانع المقتدر
لها منخر كوجار السباع، فمنه تريح إذا تنبهر
إذا أقبلت قلت دباءة من الخضر، مغموسة في الغدر
وإن أدبرت قلت أثفية ململمة، ليس فيها أثر
وإن أعرضت قل سرعوفة لها ذنب خلفها مسبطر
لها وثبات كصوب السحاب: فواد خطيط، وواد مطر