كان (طرفة) لطيف التخيل شاعرا مطبوعا. وهو أجودهم طويلة. كلما طالت قصيدته حسنت. وقد بلغ من الشعر مبلغا لم يبلغه الفحول، وهو حديث السن، حتى عد من شعراء الجاهلية المبرزين. وشعره يجمع بين الجزالة، والرونق، ونباهة الأغراض، وعذوبة المشرب، وصباحة الفصاحة. وقد صحح شعرا للمتلمس وهو يرسف في قيد غلوميته. وقد شهد له (لبيد) و(جرير) و(الأخطل) بأنه الشاعر غير مدافع. وهو القائل:
ولا أغير على الأشعار أسرقها غنيت عنها وشر الناس من سرقا
إن أحسن بيت أنت قائله بيت يقال إذا انشدته: صدقا
وله شعر جميل، ومعان بديعة. وأشهر شعره معلقته. ومنها يذكر مجده وخلاعته:
ولست بحلال التلاع مخافة، ولكن متى يسترفد القوم أرفد
فإن تبغني في حلقة القوم تلقني، وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد
وإن يلتق الحي الجميع تلاقني إلى ذروة البيت الشريف المصمد
ومنها قوله في انقضاء الأيام:
أرى الموت يعتام الكرام، ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد
ومنها في الخبرة التامة والتجربة الصادقة:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
ومن حكمه التي حملت (لبيدا) على الاعتراف بفضله وتقدمه قوله فيها:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقد أنشد هذا البيت للنبي ﷺ فقال: "هو من كلام النبوة".وأخرج الإمام (حنبل بن حنبل) في مسنده بسند ضحيح عن عائشة، قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا استراب الخبر تمثل ببت طرفة: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود".
ومن شعره قوله مخاطبا أعمامه. وكان أبوه قد مات وهو صغير، فهضموا حق أمه (وردة):
ما تنظرون بمال وردة فيكم؟، صغر البنون، ورهط وردة غيب
قد يبعث الأمر العظيم صغيره، حتى تظل له الدماء تصبب
والظلم فرق بين حيي وائل: بكر تساقيها المنايا تغلب
[ ٢٦ ]
والصدق يألفه الكريم المرتجى، والكذب يألفه الدني الأخيب
والإثم داء ليس يرجى برؤه، والبر برء ليس فيه معطب
أدوا الحقوق تفر لكم أعراضكم، إن الكريم إذا يحرب يغضب
ومما يتمثل به من شعره قوله:
لنا يوم وللكروان يوم، تطير البائسات، وما نطير
وقوله:
وترد عنك مخيلة الرجل
العريض، موضحة عن العظم
بحسام سيفك، أو لسانك
والكلم الأصيل كأرغب الكلم
ومن شعره قوله يهجو (عبد عمرو) الذي تقدم ذكره:
وفرق عن بيتيك سعد بن مالك وعمرا وعوفا ما تشي وتقول
وأنت على الأدنى شمال عريه، شآمية، تزوي الوجوه، بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرة، بذائب منها مرزع ومسيل
وأعلم علما ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرء فهو ذليل
وأن لسان المرء ما لم تكن له
حصاة
على عوراته لدليل
وأن امرأ لم يعف يوما فكاهة
لمن لم يرد سوءا به لجهول
والبيت الذي قبل الأخير وعجز ما قبله مما يتمثل به.
ومن شعره قوله في هجاء قومه:
أسلمني قومي ولم يغضبوا
لسوءة حلت بهم فادحة
وكلهم أروغ من ثعلب ما أشبه الليلة بالبارحة
وصدر البيت الثاني مما يتمثل به أيضا. وكذا عجزه.
وقوله في وصف الخيل:
ولقد شهدت الخيل وهي مغيرة، ولقد طعنت مجامع الربلات
ربلات جودت تحت قد بارع، حلو الشمائل، خير الكلكات
ربلات خيل ما تزال مغيرة، يقطرن من علق على الثنات
وقوله:
وتقول عاذلتي وليس لها
بغد ولا ما بعده علم
:
إن الثراء هو الخلود، وإن المرء يكرب يومه العدم
ولئن بنيب إلى المشقر في هضب تقصر دونها العصم
لتنقبن عني المنية،
إن الله ليس لحكمه حكم
وله البيت المشهور الذي جرى مجرى المثل وليس هو من معلقته:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه، فكل قرين بالمقارن يقتدي
ومن جيد شعره قوله:
ألخير أبقى، وإن طال الزمان به، والشر أخبث ما أوعيت من زاد
ومن شعره قوله - وهو في السجن - يخاطب (عمرو بن هند)، من قصيدة:
أبا منذر كانت غرورا صحيفتي، ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي
أبا منذر، أفنيت. فاستبق بعضنا حنانيك، بعض الشر أهون من بعض
وقوله: "بعض الشر أهون من بعض" مما يتمثل به.
وله البيت المشهور:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله فاعل
وقد قال (طرفة) الشعر وهو صغير. وقد روي عنه أنه خرج مع عمه في سفر وهو ابن سبع سنين. فنزلوا على ماء فذهب (طرفة) بفخ له إلى مكان يقال له (معمر) . فنصبه للقنابر. وبقي عامة يومه. فلم يصد شيئا. ثم حمل فخه وعاد إلى عمه. فحملوا ورحلوا من ذلك المكان، فرأى القنابر يلقطن ما نثر لهن من الحب، فقال، وهو أول شعره قاله:
يا لك من قبرة بمعمر!، خلا لك الجو، فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري قد ذهب الصياد عنك، فابشري
ورفع الفخ، فماذا تحذري؟ لا بد يوما أن تصادي، فاصبري