كان ﵀ - من فحول الشعراء المخضرمين. وقد شهد له النابغة بأنه أشعر العرب، لأنه كان يغوص على المعنى الغريب والحكمة البليغة.
وذلك أن "النابغة الذبياني" نظر إليه - وهو صبي - مع أعمامه على باب "النعمان بن المنذر"، فسأل عنه، فنسب إليه. فقال له: "يا غلام، إن عينيك لعيني شاعر. أفتقرض من الشعر شيئا؟ " قال: "نعم". قال: "فأنشدني". فأنشده قوله:
ألم تلمم على الدمن الخوالي لسلمى، بالمذائب فالقفال؟
فقال له النابغة: "أنت أشعر بني عامر. زدني". فأنشده:
طلل لخولة بالرسيس قديم، بمعاقل فالأنعمين، وشوم
فقال: "أنت أشعر هوازن. زدني". فأنشده معلقته:
عفت الديار، محلها فمقامها بمنى. تأبد غولها فرجامها
روي أن الفرزدق مر بمسجد "بني أقيصر" بالكوفة وعليه رجل ينشد:
وجلا السيول عن الطلول، كأنها زبر تجد متونها أقلامها
فسجد. فقيل له: "ما هذا يا أبا فراس؟ ". فقال: "أنتم تعرفون سجدة القرآن، وأنا أعرف سجدة الشعر".
وبالجملة فمحل لبيد في الشعر مشهور. وقال من قدمه على غيره: "إنه أقل الشعراء لغوا في شعره، وحكمه في الشعر كثيرة".
ومن شعره قوله من قصيدة:
إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل
أحمد الله، ولا ند له، بيديه الخير، ما شاء فعل
من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال، ومن شاء أضل
وفي هذه القصيدة يقول - وهو من خير ما قال:
واكذب النفس إذا حدثتها: إن صدق النفس يزري بالأمل
وقال مادحا:
وبنو الريان لا يأتون (لا) وعلى ألسنتهم خفت (نعم)
زينت أحلامهم أحسابهم وكذاك الحلم زين للكرم
وكان "المعتصم" يعجب بشعر "لبيد". فقال: من منكم يروي قوله: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع. فقال بعض الجلساء: "أنا" فقال: "أنشدنيها". فأنشد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وقد كنت في أكناف دار مضنة، ففارقني جار بأربة نافع
فبكى (المعتصم) حتى جرت دموعه. وترحم على المأمون. وقال: "هكذا كان، رحمة الله عليه". ثم اندفع وهو ينشد باقيها، ويقول:
فلا جزع إن فرق الدهر بيننا، فكل امرئ يوما له الدهر فاجع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه: يحور رمادا بعد ما هو ساطع
وما المرء إلا مضمرات من التقى وما المال والأهلون إلا ودائع
وما الناس إلا عاملان: فعامل يتبر ما يبني، وآخر رافع
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه، ومنهم شقي بالمعيشة قانع
أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنو عليها الأصابع
أخبر أخبار القرون التي مضت، أدب كأني
كلما قمت
راكع
فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه تقادم عهد القين، والنصل قاطع
[ ٣٨ ]
فلا تبعدن، إن المنية موعد علينا: فدان للطلوع وطالع
أعاذل ما يدريك إلا تظنيا
إذا رحل السفار من هو راجع
أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى؟ وأي كريم لم تصبه القوارع
لعمرك، ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع
وقصيدته هذه قالها يرثي أخاه (أربد) . وكان أخاه لأمه.
وذلك أنه وفد على النبي ﷺ هو و(عامر بن الطفيل) في وفد (بني عامر بن صعصعة) فأضمر هو و(عامر) الشر للنبي ﵊. فرد الله كيدهما في نحرهما.
ثم رجعا إلى بلادهما. حتى إذا كانا ببعض الطريق بعث الله على (عامر بن الطفيل) الطاعون في عنقه. فقتله الله. فلما قدم (أربد) إلى قومه. قالوا: "ما وراءك يا أربد؟ ". فقال: "لقد دعانا (يعني النبي) إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله".
ثم خرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه. فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. ويقال: هو الذي نزلت فيه الآية: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) .
وفيه أيضا يقول أخوه (لبيد) راثيا:
أخشى على (أربد) الحتوف، ولا أرهب نوء السماك والأسد
فجعني الرعد والصواعق
بالفارس
يوم الكريهة
النجد
ياعين، هلا بكيت (أربد) إذ قمنا وقام الخصوم في كبد
إن يشغبوا لا يبال شغبهم، أو يقصدوا في الخصام يقتصد
ومن جيد شعره البالغ النهاية في الحسن والرونق والحكمة وبليغ المعنى قوله:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول أنحب فيقضى؟ أم ضلال وباطل
حبائله مبثوثة في سبيله ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل
إذا المرء أسرى ليلة خال أنه قضى عملا، والمرء
ما عاش
عامل
فقولا له إن كان يقسم أمره: ألما يعظك الدهر؟
أمك هابل
فتعلم أن لا أنت مدرك ما مضى، ولا أنت مما تحذر النفس وائل
فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون (عدنان) باقيا ودون (معد) فلتزعك العواذل
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم بلى، كل ذي رأي إلى الله واسل
ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل
وكل أناس سوف تدخل بينهم دويهية، تصفر منها الأنامل
وكل امرئ يوما سيعلم سعيه، إذا كشفت عند الإله الحصائل
وقد روي أن النبي صلى الله عليله وسلم قال: "أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد: "ألا كل شيء ما خلا الله باطلا" وللبيد أخبار كثيرة وشعر أكثر من أن يحصى. فقد روي عن (عائشة) أم المؤمنين أنها قالت: رويت للبيد اثني عشر ألف بيت"