[ ٤٥ ]
كانت (عنترة) شاعرا مجيدا فصيح الألفاظ، بين المعاني نبيلها. كان كأنما الحماسة أنزلت عليه آياتها. وكان رقيق الشعر، لا يؤخذ مأخذ الجاهلية في ضخامة الألفاظ وخشونة المعاني. وكان يهوى ابنة عمه (عبلة بنت مالك بن قراد)، فهاجت شاعريته لذلك، وكان كثيرا ما يذكرها في شعره، وكان أبوها يمنعه من زواجه بها، فهام بها حتى اشتد وجده، وقيل: إنه قد تزوجها بعد جهد وعناء. ومن رقيق شعره فيها:
يا عبل لا أخشى الحمام وإنما أخشى على عينيك وقت بكاك
وله شعر سار مسير الركبان. ومن جيد شعره قوله:
بكرت تخوفني كأنني أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
إلى آخر القصيدة التي ذكرناها قبل هذا الفصل.
وقوله يفتخر بأخواله السودان:
إني لتعرف في الحروب مواقفي، من آل عبس منصبي وفعالي
منهم أبي شداد أكرم والد والأم من حام، فهم أخوالي
وأنا المنية في المواطن كلها، والطعن مني سابق الآجال
ومن تشابيهه قوله يصف النجوم:
أراعي نجوم الليل، وهي كأنها قوارير، فيها زئبق يترجرج
وقوله يصف روضة:
وخلا الذباب بها فليس ببارح غردا، كفعل الشارب المترنم
هزجا يحك ذراعه بذراعه، قدح المكب على الزناد الأجذم
ومما ينسب إليه وليس له:
أحبك يا ظلوم، فأنت عندي مكان الروح من جسد الجبان
ولو أنني أقول مكان روحي خشيت عليك بادرة الطعان
وكان (عنترة) قبل أن يدعيه أبوه شكته امرأة أبيه. قالت: "إنه يراودني عن نفسي". فغضب أبوه من ذلك غضبا شديدا، وضربه ضربا مبرحا، وضربه بالسيف. فوقعت عليه امرأة أبيه، وكفته عنه. فلما رأت ما به من الجراح بكت. وكان اسمها (سمية) فقال (عنترة):
أمن (سمية) دمع العين مذروف؟، لو أن فيك قبل اليوم معروف
كأنها يوم صدرت ما تكلمني
ظبي بعسفان، ساجي العين، مطروف
تجللتني إذ أهوى العصا قلبي
كأنها صنم يعتاد، معكوف
ألعبد عبدكم والمال مالكم فهل عذابك عني اليوم مصروف؟
تنسى بلائي إذا ما غارة لحقت، تخرج منها الطوالات السراعيف
يخرجن منها وقد بلت رحائلها
بالماء
يقدمها الشم الغطاريف
من جيد ما ينسب إليه قوله:
سيذكرني قومي إذا الخيل أقبلت وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
يعيبون لوني بالسواد جهالة ولولا سواد الليل ما طلع الفجر
وإن كان لوني أسودا ففعائلي بياض، ومن كفي يستنزل القطر
وقوله:
لقد وجدنا زبيدا غير صابرة يوم التقينا، وخيل الموت تستبق
إذ أدبروا، فعملنا في ظهورهم ما تعمل النار في الحلفى فتحترق
خلقت للحرب أحميها إذا بردت، وأصطلي بلظاها حيث أخترق
وألتقي الطعن تحت النقع مبتسما والخيل عابسة قد بلها العرق
لو سابقتني المنايا وهي طالبة قبض النفوس أتاني قبلها السبق
أنا الهزبر إذا خيل العدى طلعت يوم الوغى، ودماء الشوس تندفق
ما عبست حومه الهيجاء وجه فتى، إلا ووجهي إليها باسم طلق
وقوله:
قف بالمنازل إن شجتك ربوعها، فلعل عينك تستهل دموعها
واسأل عن الأظعان: أين سرت بها آباؤها؟. ومتى يكون رجوعها
دار لعبلة شط عنك مزارها، ونأت، ففارق مقلتيك هجوعها
فسقتك يا أرض الشربة مزنة منهلة، يروي ثراك هموعها
وكسا الربيع رباك من أزهاره حللا، إذا ما الأرض فاح ربيعها
يا عبل لا تخشي علي من العدى يوما، إذا اجتمعت علي جموعها:
إن المنية يا عبيلة دوحة، وأنا ورمحي أصلها وفروعها
وقوله
سلوا صرف هذا الدهر كم شن غارة، ففرجتها
والموت فيها مشمر
بصارم عزم لو ضربت بحده دجى الليل ولى وهو بالنجم يعثر
وقوله (وكان قد أخذ أسيرا في حرب بين العرب والعجم، وكانت عبلة في جملة السبايا):
لهفي عليك إذا بقيت سبية، تدعين عنتر وهو عنك بعيد
[ ٤٦ ]
ولقد لقيت الفرس يا ابنة مالك، وجيوشها قد ضاق عنها البيد
وتموج موج البحر، إلا أنها لاقت أسودا فوقهن حديد
جاروا، فحكمنا الصوارم بيننا، فقضت، وأطراف الرماح شهود
يا عبل كم جحفل فرقته، والجو أسود، والجبال تميد
فسطا علي الدهر سطوة غادر والدهر يبخل تارة، ويجود
وقوله يخاطب امرأة من بجيلة كانت تلومه في فرس كان مولعا به (وهذا الشعر من الثابت له):
لا تذكري فرسي وما أطعمته، فيكون جلدك مثل جلد الأجرب
إن الرجال لهم إليك وسيلة: إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
وأنا امرؤ، إن يأخذوني عنوة أقرن إلى قد الركاب وأجنب
ويكون مركبك القعود ورحله وابن النعامة عند ذلك مركبي
وقوله يتوعد (النعمان بن المنذر) ملك العرب ويفتخر بقومه:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب، ولا ينال العلا من طبعه الغضب
قد كنت فيما مضى أرعى جمالهم، واليوم أحمي حماهم كلما نكبوا
لله در بني عبس: لقد نسلوا من الأكارم ما قد تنسل العرب
لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسب يوم النزال، إذا ما فاتني النسب
إن كنت تعلم يا نعمان أن يدي قصيرة عنك، فالأيام تنقلب
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها
عند التقلب في أنيابها العطب
والخيل تشهد لي أني أكفكفها، والطعن مثل شرار النار يلتهب
إذا التقيت الأعادي يوم معركة، تركت جمعهم المغرور ينتهب
لي النفوس، وللطير اللحوم وللوحش العظام، وللخيالة السلب
وهذا الشعر لو ثبت له لكان له الفخر أبد الدهر.