بعد أن اختلط العرب بغيرهم من الأعاجم بسبب الفتوح فشا اللحن في اللغة خصوصا في (الدولة الأموية) . ولم يكن ذلك قاصرا على العامة والسوقة، بل فشا الأمر بين الخلفاء والأمراء، حتى خيف على اللغة والقرآن، فكان من ذلك وضع القوانين التي تحفظ اللغة، كما قدمنا.
النثر والنظم فيه
أثر القرآن في اللغة وأهلها فنسجوا على منواله، وضربوا على مثاله، في الدعوة للدين، والإرشاد للخير، فاصطبغت بصبغته، وسارت في وجهته. ولذلك ترى النثر في الصدر الأول أبعد من الحشو والكلفة، وأنزه عن اللغو والصنعة. وهو في عصر الأمويين أجمل وأكمل لتحديهم للقرآن، وتوسعهم في العمران، وسموهم في الخيال، ورقيهم في التصور، فاكتسبت الألفاظ مسحة البلاغة ورقة الحضارة. وحسبك أن تقرأ كتبهم وخطبهم فتعلم ذلك.
وأما الشعر فكان قدت غفا قبل هذا العصر غفوة أخمدت من جذوته، وأضعفت من قوته، لاشتغال القوم عنه بأمر الدين، فمن داع إليه ومن راد عليه. وما لبث أن أفاق، فجمل الآفاق، بما هز القلوب، ولذ المسامع. وقد ساعد على نهضته أن الدين أباحه والنبي سمعه واستنشده، والخلفاء استمالوا الشعراء ووصلوهم إلى إنشاده وأدنوهم منهم على قدر نصيبهم منه. فبلغ بذلك مبلغا راقيا ومكانا عاليا. أما مده هذا العصر فهي من بدء الخلافة الأموية إلى آخر عهدها، أي نحو مئة عام إلا قليلا. ويمتاز فيها الشعر ببلاغة المعنى ومتانة المبنى. وشعراء هذا العصر والعصر الذي قبله إما مخضرمون، وهم من أدركوا الجاهلية والإسلام، كحسان بن ثابت والخنساء وكعب بن زهير والحطيئة. وإما إسلاميون وهم من نشأوا في الإسلام، كجرير والفرزدق والأخطل وبشار وكلهم أرق ديباجة وأوفر بلاغة من شعراء الجاهلية.