قد أخذ النظم والنثر في هذا العصر بالترقي شيئا فشيئا. خصوصا في هذه الأيام، وما قبلها بنحو ثلاثين سنة. فقد وجد قوم أرجعوا الإنشاء إلى سالف عهده من المسحة العربية. والأساليب الصحيحة. والمعاني السامية. وكان الفضل في ذلك لشيخنا الأستاذ الإمام (الشيخ محمد عبده) مفتي الديار المصرية وأستاذه الأشهر (السيد جمال الدين الأفغاني) و(الشيخ إبراهيم اليازجي) ثم كثر بعدهم الكتاب متخذين أسلوبهما، ناسجين نسجهما. وقد أنجبوا من التلاميذ وتلاميذ التلاميذ ما يعز حصره.
[ ١٢ ]
وفي مصر وبر الشام وغيرهما من الأقطار العربية اليوم كثير من المبرزين في حلبة الإنشاء يضيق صدر هذا الموجز دون تعداد القليل منهم.
وأما الشعر فقد سار مع الإنشاء جنبا لجنب، خصوصا في هذه الأيام التي كثر فيها الشعراء المجيدون الذين رجعوا بالشعر إلى عهده المجيد. فنظموا من المعاني الاجتماعية والفلسفية والحماسية والشعرية عقودا يفتخر بها نحر العصر إلى أبد الدهر، كل ذلك بأسلوب عربي ترتاح إليه النفوس، وتصبو نحوه العقول.
ولا يخلو العصر الحاضر من بعض كتاب وشعراء يخالف أسلوبهم أسلوب العرب، وينحون بتراكيبهم منحى الإنشاء الإفرنجي (إما عن جهل بالأساليب الصحيحة، وإما عن اعتقاد بأن ذلك أفضل) وإني أرى أنه يخشى من سريان عدوى هؤلاء إلى الإنشاء العربي والشعر الجزل. فعسى أن يقلعوا عن هذا العمل - إن كانوا عربا - حرصا على ديباجة اللغة، ورأفة بأمهم الحنون، ونحن لهم من الشاكرين. فإن أبوا إلا المشاغبة فإني أحيلهم إلى المقال الذي كتبته في (أريج الزهر) فإن فيه مقنعا لهم على ما أظن.
ومما ينعش الآمال، ويحيي الرجاء أن كثيرا من المدارس أخذت تعنى باللغة العربية وآدابها، وتبذل الوسع إنهاضها. وإن لنا في كلية (الجامعة المصرية) آمالا كبارا. فقد علمنا إنها لا تألو جهدا في إحياء دوارس اللغة، والسعي نحو ترقيها، بإلقاء المحاضرات، وتأليف الكتب، وإرسال الطلاب على نفقتها إلى الجوامع الأوروبية. أخذ الله بيد كل من يعمل لإحياء هذه اللغة، ويسعى لإنعاشها.
أما ما يسعى إليه بعض الذين استهواهم التفرنج من المسلمين غير العرب، من بذل الجهد وراء ترجمة (القرآن الكريم) إلى لغتهم ليقرأوه بها، فإن هذا - وإن كان لا يضير العرب والعربية شيئا - فإنا نراه مخالفا للدين، مضيعا للمقصد الأعظم الذي جاء به النبي ﵊.- ولعمري لا يسعى بذلك إلا من فيه عرق من مجوسية. والمسلم كل المسلم - أية كانت لغته أو جنسيته - هو من يسعى في إحياء اللغة العربية، ويعمل على ترقيتها، وتكثير سواد المتكلمين بها فإنه بذلك يخدم الإسلام خدمة جلى. ينال فيها الأجر، وحسن الذكر، في الدنيا والآخرة.
وقد آن لنا أن نختم هذا الفصل. ونشرع فيما قصدنا إليه. وهو الكلام على رجال (المعلقات) . وبالله المستعان.