أسلم "لبيد" قبل الفتح، وحسن إسلامه، وهاجر، ولم يصح عنه إنه قال شيئا من الشعر بعد الإسلام إلا قوله:
ما عاتب المرء الكريم كنفسه والمرء يصلحه القرين الصالح
قيل وقوله أيضا:
الحمد لله: إذ لم يأتني أجلي، حتى اكتسيت من الإسلام سربالا
والصحيح أن البيت الثاني ليس له، وإنما هو لرجل سلولي من المعمرين.
والسبب في عدم قوله الشعر أنه لما أسلم وقرأ القرآن شغل بما فيه من حكمة رائعة، وموعظة حسنة، وبلاغة مدهشة، صرفته عن الشعر. يدلك إلى عامله (المغيرة بن شعبة) بالكوفة: "أن استنشد من عندك من شعراء مصرك ما قالوه في الإسلام" (أي بعد دخلوا فيه) فأرسل إلى (الأغلب العجلي): أن أنشدني. فقال:
لقد طلبت هينا موجودا أرجزا تريد أم قصيدا
ثم أرسل إلى (لبيد): أن أنشدني. فقال: "إن شئت ما عفي عنه (يعني الجاهلية) . فقال: "لا. أنشدني ما قلت في الإسلام". فانطلق إلى بيته. فكتب (سورة البقرة) في صحيفة، ثم أتى بها، فقال "أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر". فكتب بذلك (المغيرة) إلى (عمر) فنقص من عطاء (الأغلب) خمس مئة وزادها في عطاء (لبيد)، فكان عطاؤه ألفين وخمس مئة فكتب (الأغلب) إلى (عمر): "يا أمير المؤمنين، تنقص عطائي إن أطعتك؟ " فرد عليه ما نقصه وأقر (لبيدا) على الألفين والخمس مئة.
[ ٣٦ ]
فلما كان زمن (معاوية) أراد معاوية أن ينقصه من عطائه. فقال له: هذان الفودان (يعني الألفين) فما هذه العلاوة؟ (يعني الخمسمائة) . فقال له (لبيد): "أموت ويبقى لك الفوادان والعلاوة. وإنما أنا هامة اليوم أو الغد ولعلي لا أقبضها". فرق له (معاوية) وترك له عطاءه على حاله. فمات ولم يقبضها.
وكان (لبيد) من الأجواد المشهورين. وكان شريفا في الجاهلية والإسلام. وكان قدت نذر أن لا تهب الصبا إلا نحر وأطعم. وكانت له جفنتان يغدو بهما ويروح كل يوم على مسجد قومه فيطعمهم. فهبت الصبا يوما وهو بالكوفة مقتر مملق. فعلم بذلك (الوليد بن عقبة) - وكان أميرا عليها - فصعد المنبر، فخطب الناس، فقال: قد عرفتم أن أخاكم (لبيد بن ربيعة) قد نذر في الجاهلية أن لا تهب الصبا إلا أطعم. وهذا اليوم من أيامه. وقد هبت الصبا، فأعينوه. وأنا أول من فعل". ثم نزل عن المنبر. فأرسل إليه بمئة ناقة. وبعث إليه الناس حتى اجتمع لديه شيء كثير. فقضى نذره وأطعم الناس.
وبعث إليه (الوليد) مع النوق بأبيات شعر قالها وهي:
أرى الجزار يشحذ شفرتيه إذا هبت رياح أبي عقيل
أغر الوجه، أصيد عامري، طويل الباع، كالسيف الصقيل
وفى ابن الجعفري بحلقتيه، على العلات والمال القليل
بنحر الكوم إذ سحبت عليه ذيول صبا تجاوب بالأصيل
فلما أتاه الشعر (وكان قد ترك قوله) قال لابنته: "أجيبيه. فلقد عشت برهة وما أعيا بجواب شاعر". فقالت:
إذا هبت رياح أبي عقيل دعونا عند هبتها الوليدا
أشم الأنف، أروع، عبشميا أعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب، كأن ركبا عليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيرا
،
نحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد، إن الكريم له معاد وظني بابن أروى أن يعودا
فقال لها (لبيد): "أحسنت، لولا أنك استطعمته". فقالت: "والله ما استزدته، إلا أنه ملك، والملوك لا يستحيا من مسألتهم. ولو كان سوقة لم أفعل "فقال: وأنت يا بنية في هذه أشعر".