[ ١٦ ]
لما طعن (حجر) والد (امرئ القيس) لم يجهز عليه. وقد أوصى قبل موته. ودفع وصيته إلى رجل. وقال له: "انطلق إلى ابني (نافع) "وكان أكبر أولاده" فإن بكى وجزع فآله عنه. واستقرهم واحدا واحدا حتى تأتي (امرأ القيس) "وكان أصغرهم". فأيهم لم يجزع فادفع إليه سلاحي وخيلي ووصيتي". وكان قد بين في وصيته من قتله وكيف كان خبره. فانطلق الرجل بوصيته إلى (نافع) ابنه. فأخذ التراب فوضعه على رأسه. ثم استقراهم واحدا واحدا. فكلهم فعل ذلك حتى أتى (امرأ القيس) . فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلاعبه بالنرد. فقال له: "قتل حجر". فلم يلتفت إلى قوله. وأمسك نديمه عن اللعب. فقال له (امرئ القيس): اضرب، فضرب. حتى إذا فرغ قال: "ما كنت لأفسد عليك دستك". ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله. فأخبره. فقال: "الخمر علي والنساء حرام، حتى أقتل من بني أسد مئة وأجز نواصي مئة. وفي ذلك يقول:
أرقت، ولم يأرق لما بي نافع، وهاج لي الشوق الهموم الرواجع
قال ابن الكلبي: إن (حجرا) كان قد طرد (امرئ القيس) وآلى إن لا يقيم معه أنفة من قوله الشعر"وكانت الملوك تأنف من ذلك" فكان يسير في أحياء العرب، ومعه أخلاط من شذاذ العرب من (طيء) و(كلب) و(بكر بن وائل) . فإذا وجد غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام وذبح لمن معه في كل يوم، وخرج إلى الصيد فتصيد، ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وساقهم وغنته قيانه. ولا يزال كذلك حتى ينفذ ماء ذلك الغدير، فينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه وهو في (دمون) من أرض اليمن. فلما أتاه الخبر قال:
تطاول الليل علينا دمون دمون، إنا معشر يمانون
وإننا لأهلها محبون
ثم قال: "ضيعني صغيرا، وحملني دمه كبيرا. لا صحو اليوم ولا سكر غدا. اليوم خمر، وغدا أم" فذهبت مثلا. ثم قال:
خليلي ما في اليوم مصحى لشارب، ولا في غد إذ ذاك ما كان يشرب
ثم شرب سبعا فلما صحا آلى أن يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، ولا يدهن بدهن، ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه من جنابة، حتى يدرك بثأره.
فلما جنه الليل رأى برقا، فقال:
أرقت لبرق بليل أهل، يضيء سناه بأعلى الجبل
أتاني حديث فكذبته
بأمر تزعزع منه القلل
بقتل بني أسد ربهم ألا كل شيء سواه جلل
فأين ربيعة من ربها؟، وأين تميم؟، وأين الخول؟
ألا يحضرون لدى بابه، كما يحضرون إذا ما أكل