ثم إن (قيصر) ضم إليه جيشا كثيفا، وفيه جماعة من أبناء الملوك فاندس رجل من بني أسد يقال له (الطماح) (وكان امرؤ القيس قد قتل أخا له) . فجاء (الطماح) هذا إلى بلاد الروم مستخفيا فوشى به إلى قيصر، بعد أن فصل بالجيش. فقال له: "إن امرأ القيس غوي عاهر، وإنه لما انصرف عنك بالجيش ذكر أنه كان يراسل ابنتك وتراسله، وهو قائل فيها في ذلك أشعارا يشهرها بها في العرب فيفضحها ويفضحك". فلما سمع ذلك (قيصر) بعث إلى (امرئ القيس) بحلة مسمومة منسوجة بالذهب. وقال له: "قد أرسلت إليك بحلتي التي كنت ألبسها، تكرمة لك. فإذا وصلت إليك فالبسها باليمن والبركة. واكتب إلى بخبرك من منزل منز. فلما وصلت إليه لبسها، واشتد بها سروره. وكان يوما صائفا شديد الحر، فأسرع فيه السم، وسقط جلده فلذلك سمي (ذا القروح) . وفي حالته هذه يقول:
وبدلت قرحا داميا بعد صحة فيا لك من نعمى تحولن أبؤسا
لقد طمح الطماح من بعد أرضه ليلبسني من دائه ما تلبسا
ومن هذه القصيدة قوله:
فإما تريني لا أغمض ساعة من الليل، إلا أن أكب فأنعسا
فيا رب مكروب كررت وراءه، وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا
وما خلت تبريح الحياة كما أرى، تضيق ذراعي أن أقوم فألبسا
فلو أنها نفس تموت جميعة، ولكنها نفس تساقط أنفسا
فيا رب مكروب كررت وراءه، وعان فككت الغل عنه ففداني
وفي هذه القصيدة يقول:
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شيء سواه بخزان
وخرق بعيد قد قطعت نياطه على ذات لوث سهوة المشي مذعان
وغيث كألوان الفنا قد هبطته، تعاور فيه كل أوطف حنان
على هيكل يعطيك قبل سؤاله أفانين جري، غير كز ولا واني
يدافع أعطاف المطايا بركنه كما مال غصن ناعم بين أغصان
ومجر كغلان الأنيعم بالغ ديار العدو، ذي زهاء وأركان
مطوت بهم حتى تكل مطيهم، وحتى الجياد ما يقدن بأرسان